الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي

منذ عام 1516، ولمدة أربعة قرون، كانت فلسطين تحت سيطرة السلطنة العثمانية. طوائف وجماعات عرقية مختلفة كانت تسكن فيها، وشكل الفلسطينيون العرب الغالبية العظمى منها. كان عدد اليهود حينها قرابة 1500 شخص. ومع مرور السنين، ازدادوا حتى بلغوا 22 ألفاً في عام 1881، وهو ما كان يشكل نحو ثلاثة في المئة فقط من عدد سكان فلسطين آنذاك. كانوا يعيشون بصورة أساس في تجمعات حضرية بمدن صفد والقدس والخليل وطبريا، ويعتمدون على الإعانات والحوالات التي كانت تأتيهم من التجمعات اليهودية في الخارج.

في بادئ الأمر، جاء اليهود إلى فلسطين لدوافع واعتبارات دينية، لكن النزعة الصهيونية بدأت تتبلور في أواخر القرن الـ19. وفي عام 1878، أنشئت أول مستعمرة يهودية تحت مسمى "بيتح تكفا" (مفتاح الأمل)، كانت بلدة زراعية أقيمت على أراض اشتراها اليهود من سكان قرية ملبس العربية. ومع تأسيس حركة "عشاق صهيون" بأوروبا عام 1881، راح اليهود الغربيون يرسمون الخطط ويتبنون نظريات للاستعمار في الأراضي الفلسطينية، وبدأ عدد من الممولين الأوروبيين يتفاوض مع السلطات العثمانية لشراء أراض وإقامة مستوطنات عليها.

ومع هذه المساعي، شهدت فلسطين خمس موجات متتالية من الهجرات اليهودية، يعود تاريخ الأولى منها إلى عام 1882 وحتى عام 1903، وتمت على دفعتين مع قدوم نحو 25 ألف يهودي من رومانيا وروسيا.

هجرة اليهود

هجرة اليهود

وعد بلفور والانتداب البريطاني

الهجرات اليهودية إلى فلسطين بلغت أوجها بعد انتصار بريطانيا على العثمانيين في الحرب العالمية الأولى عام 1917. فمنذ عام 1922 وحتى 1948، شهدت هذه الحقبة هجرة يهودية واسعة النطاق معظمها انطلقت من أوروبا الشرقية، وتضاعفت خلال ثلاثينيات القرن الـ20 نتيجة الاضطهاد النازي.

كان احتلال فلسطين والقدس من قبل بريطانيا واحداً من أهم عواقب الحرب العالمية الأولى، وخلف هذا الاحتلال وعد بلفور، الذي ترك آثاراً خطرة في مستقبل فلسطين والمنطقة بأسرها.

في تلك الفترة، أرسل وزير الخارجية البريطاني أرثر بلفور في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917، رسالة إلى رئيس الجالية اليهودية في بريطانيا اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، أوضح فيها تعاطف بلاده مع مساعي الحركة الصهيونية لإقامة وطن لليهود في فلسطين. وجاء في نصها:

"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل أقصى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بأي عمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر"

على رغم أن الرسالة أعلاه لم تتحدث صراحة عن تأييد الحكومة البريطانية لإقامة دولة يهودية في فلسطين، فإنها كانت بمثابة مقدمة لما سيحصل لاحقاً، وهو إقامة دولة إسرائيل، مما حدث فعلاً بعد 31 عاماً من تاريخ الرسالة.

قبل فلسطين... عين على أوغندا والأرجنتين

منذ ظهور الديانة المسيحية، واجه اليهود في جميع أنحاء العالم، لا سيما في أوروبا، ممارسات الإقصاء الاجتماعي والتحقير بعد أن ألقيت عليهم مسؤولية قتل المسيح.

وللمفارقة العجيبة، كانت بريطانيا، وهي البلد الذي أسهم بصورة كبيرة في قيام الدولة الإسرائيلية، من أوائل الدول التي أمرت بطرد اليهود عام 1290 في زمن حكم ملك إنجلترا إدوارد الأول، ثم حذت دول أخرى حذوها مثل المجر عام 1349 وفرنسا 1394 والنمسا 1421 وإسبانيا 1492 والبرتغال 1497 ونابولي 1510 وميلانو 1597، لكنهم عادوا فيما بعد عن قرارتهم.

وقد تصاعدت كراهية اليهود في أوروبا خلال العصور الوسطى واستمر ذلك حتى القرن الـ19، حين قام النازيون بإبادة جماعية راح ضحيتها ملايين اليهود، في ما بات يعرف بالمحرقة اليهودية أو الهولوكوست.

هذا الاضطهاد والتمييز دفع اليهود للمطالبة بإقامة دولة خاصة تجمع شملهم وتحميهم، فاحتار الأوروبيون أين يذهبون بهم، وطرحت أسماء دول عدة لتكون موطناً لهم، منها الأرجنتين وأوغندا والمغرب، لكن الاختيار وقع في نهاية المطاف على الأراضي الفلسطينية، حيث يستند اليهود في ادعائهم الأحقية بالعودة لما يطلقون عليها اسم "أرض الميعاد" بعدما تم القضاء على مملكتي إسرائيل ويهوذا القديمتين على يد الآشوريين والكلدانيين، الذين حكموا فلسطين بين 1000 و586 قبل الميلاد، لتكون فلسطين بالنسبة إليهم أرض الآباء والأجداد.

كما يعتبر اليهود القدس عاصمتهم التاريخية، وحائط المبكى أو حائط البراق، الذي يقع أسفل باحة المسجد الأقصى، آخر بقايا المعبد اليهودي أو هيكل سليمان الذي دمره الرومان، وهو أقدس الأماكن لديهم.

يوم النكبة وخطة التقسيم

قبل النكبة الفلسطينية بعام، أعلنت بريطانيا أنها ستنسحب من المنطقة وتنقل القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، فوضعت الأخيرة خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية بقرارها رقم 181، لكن ذلك لم يحدث.

كان اليهود وقتها يشكلون ثلث السكان، ويسيطرون على نحو ستة في المئة من مساحة دولة فلسطين، لكن الخطة الأممية خصصت لهم 55 في المئة من الأرض، وهو ما رفضه الفلسطينيون والعرب.

أما الإسرائيليون فأعلنوا من جانب واحد إنشاء دولتهم في اليوم نفسه الذي قررت فيه بريطانيا سحب قواتها رسمياً من الأراضي الفلسطينية في الـ14 من مايو (أيار) 1948، وسرعان ما اعترفت بها أكبر قوتين عظمتين في العالم: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

في ذلك اليوم "المشؤوم" الذي يعرف بـ"يوم النكبة"، صار للإسرائيليين وطن، بينما أصبح الفلسطينيون بلا دولة.

أكثر من 950 ألف فلسطيني هجروا قسراً

أكثر من 530 قرية فلسطينية دمرت

أكثر من 18 ألف فلسطيني وعربي قتلوا

أكثر من 5200 فلسطيني وعربي أسروا

85 % من مساحة فلسطين أصبحت تحت سيطرة الميليشيات الصهيونية

58 مخيماً للفلسطينيين نشأت في الضفة الغربية وغزة والأردن ولبنان وسوريا

حروب العرب وإسرائيل

"النكبة"

تعرف أيضاً بحرب الـ48، هي أولى الحروب العربية مع إسرائيل، اندلعت عقب إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإعلان دولة إسرائيل.

في مسعى إلى إنقاذ فلسطين، دخلت إليها قوات عربية من مصر والأردن والعراق وسوريا والسعودية ولبنان في مايو 1948.

تمكن الأردن من السيطرة على الضفة الغربية، بينما سيطرت مصر على قطاع غزة. أما القدس، فتقاسمتها القوات الإسرائيلية في جانبها الغربي والقوات الأردنية في الجانب الشرقي.

بعد أكثر من سبعة أشهر من القتال، توقفت الحرب وانتهت بهزيمة العرب، بينما سيطرت إسرائيل على القسم الأكبر من أراضي فلسطين التاريخية، لتتشكل على أثر ذلك أهم التحولات السياسية والاجتماعية في العالم العربي في السنوات اللاحقة.

"النكسة"

تعرف أيضاً بـ"حرب الأيام الستة"، وشكلت انتكاسة كبيرة للعرب في عام 1967. ففي يونيو (حزيران) من ذلك العام، شنت إسرائيل حرباً على ثلاث دول هي مصر وسوريا والأردن، وتمكنت من هزيمتها في ستة أيام فقط.

كان السبب المباشر لاندلاع الحرب إغلاق مصر لمضيق تيرانا، الذي يربط خليج العقبة بالبحر الأحمر.

وفي النتيجة، سيطرت إسرائيل على 69347 كيلومتراً مربعاً من الأراضي العربية، وهي مساحة تشكل أكثر من ثلاثة أضعاف الأراضي التي استولت عليها عام 1948، وبلغت حينها 20700 كيلومتر مربع.

تشمل هذه المساحة هضبة الجولان السورية والضفة الغربية والقدس الشرقية، إضافة إلى قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. وقد أسفرت الحرب عن هجرة ثانية للفلسطينيين تقدر بنحو نصف مليون شخص اضطروا إلى النزوح إلى الدول المجاورة كلاجئين.

"حرب أكتوبر "


تعرف أيضاً بـ"حرب يوم كيبور"، وكانت أول حرب يحقق فيها العرب انتصاراً ميدانياً. فبعد استعدادات سرية، شن العرب في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973، حرباً مباغتة على إسرائيل، تمكنت خلالها القوات المصرية والسورية من عبور قناة السويس والتقدم في سيناء وعمق جبهة الجولان.

رد الفعل الإسرائيلي كان فوضوياً في البداية، لكن سرعان ما استعادت تل أبيب زمام المبادرة بعد أيام من ترتيب صفوفها ومدها بالأسلحة الأميركية المتطورة عبر جسر جوي أقامته الولايات المتحدة، مقابل الدعم العسكري السوفياتي لمصر وسوريا.

على صعيد قناة السويس، عبرت القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية وسيطرت على منطقة واسعة امتدت إلى تخوم مدينة السويس. أما في الجولان، فتمكنت بعد أربعة أيام من صد الهجوم وإعادة القوات السورية إلى مواقعها، كما بدت دمشق مهددة بالسقوط لولا مساعدة القوات العراقية والمغربية.

انتهت الحرب في الـ21 من أكتوبر بإصدار مجلس الأمن قراراً بوقف إطلاق النار وافقت عليه مصر وإسرائيل، بينما واصلت سوريا عملياتها العسكرية ضمن ما يعرف بـ"حرب الاستنزاف" التي استمرت 80 يوماً.

ومن أبرز نتائج الحرب إعادة مدينة القنيطرة إلى سوريا والانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال الحرب ومن أجزاء أخرى من الأراضي السورية كانت قد سيطرت عليها في حرب الـ67، كما وافقت إسرائيل على إعادة ضفة قناة السويس  الشرقية، إلا أن مصر تمكنت لاحقاً من استرداد السيادة الكاملة على القناة وجميع أراضيها في سيناء بالسبل الدبلوماسية بعد توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.

أما الأراضي الفلسطينية التي ضمتها إسرائيل عام 1967 فبقيت تحت سيطرتها، واستمرت فيها عمليات التهويد والتغيير الديموغرافي، فزادت عمليات الهدم ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات في كل أراضي فلسطين التاريخية بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي موازاة ازدياد الممارسات الإسرائيلية تلك، خسرت "منظمة التحرير" الفلسطينية بين عامي 1982 و1987 قاعدة عملها في لبنان نتيجة الاجتياح الإسرائيلي لهذا البلد حنقاً على الفلسطينيين، وكانت الأراضي المحتلة تعيش ناراً تحت رماد اشتعلت عام 1987 حين انطلقت شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

الحجارة في وجه السلاح الإسرائيلي

اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى بعد مقتل أربعة فلسطينيين إثر حادثة دهس سائق شاحنة إسرائيلية لمجموعة من العمال الفلسطينيين شمال قطاع غزة، في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 1987.

بدأت من مخيم جباليا في غزة وتوسعت رقعتها إلى باقي المدن والقرى الفلسطينية واستمرت ست سنوات.

أطلق عليها اسم "انتفاضة الحجارة" لأن الأحجار كانت الأداة الرئيسة للتصدي للقوات الإسرائيلية، بينما استخدمت إسرائيل "تكسير العظام" وسيلة لعقاب الفلسطينيين.

قتل خلالها قرابة 1550 فلسطينياً وجرح نحو 70 ألفاً، وظهرت فيها تنظيمات فلسطينية جديدة بينها حركة "حماس".

انتهت "انتفاضة الحجارة" بتوقيع "منظمة التحرير" الفلسطينية وإسرائيل اتفاقية أوسلو عام 1993.

اتفاقية أوسلو... الفرصة الضائعة

بعد ثورات وحروب استمرت أكثر من 60 عاماً، عقد في العاصمة الإسبانية مؤتمر مدريد برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عام 1991، وكان الأول من نوعه الذي يجلس فيه العرب والإسرائيليون على طاولة مفاوضات واحدة، وكان الهدف منه إقامة سلام دائم بين الطرفين.

ثم عقدت على مدى العامين التاليين 11 جولة من المفاوضات في واشنطن، من دون نتيجة تذكر. ومع انتهاء مسار مؤتمر مدريد فعلياً، بدأ مسار آخر سري عندما أقام الإسرائيليون اتصالات سرية بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أفضت إلى اتفاق أوسلو.

في حديقة البيت الأبيض بواشنطن، في الـ13 من سبتمبر (أيلول) 1993، وقع عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين بحضور الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون اتفاقية تعرف رسمياً باسم "إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي".

مهد الاتفاق لمرحلة جديدة من تاريخ القضية الفلسطينية، ونص على إقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية في غزة وأريحا وتمتد تدريجاً إلى مناطق في الضفة الغربية، إضافة إلى إقامة مجلس تشريعي للشعب الفلسطيني. أما قضايا الوضع النهائي، وهي القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والمياه، فقد اتفق على تأجيل بحثها إلى ما بعد ثلاث سنوات من بدء عمل السلطة الفلسطينية، على أن تنتهي المفاوضات خلال عامين، أي عام 1999، وينتج منها حل دائم للقضية الفلسطينية.

أنعشت اتفاقية أوسلو آمال الفلسطينيين  في إنشاء دولتهم، لكن حتى اليوم لم يتحقق ذلك، علماً أن الاتفاقية لم تشر بالأساس إلى قيام دولة فلسطينية.

لم يكن الفلسطينيون متفقين على رؤية واحدة، فقد برزت أطراف فلسطينية لم تعترف بالاتفاقية، بينما اعتقدت "منظمة التحرير" أنها ستؤدي إلى قيام الدولة التي يحلم بها شعبها في نهاية المطاف، على رغم أن ياسر عرفات نفسه قال في خطاب جماهيري، "إن كان لأحدكم اعتراض على ما حدث، فأنا عندي 100 اعتراض".

وهناك اعتقاد سائد مفاده أن تغير موازين القوى عقب سقوط الاتحاد السوفياتي، وخروج "منظمة التحرير" من لبنان، وفقدانها بعضاً من التضامن العربي جراء اصطفاف عرفات مع الرئيس العراقي صدام حسن في غزوه للكويت، وما تبع ذلك من متغيرات دولية وإقليمية تجاه القضية الفلسطينية، دفع المنظمة للتوقيع على الاتفاقية، لكن كثراً من الفلسطينيين يعتبرون أن تلك العوامل مجرد ادعاءات، وأن المنظمة أخطأت خطأً فادحاً بإقدامها على تلك الخطوة.

كان اغتيال إسحاق رابين على يد يهودي يميني متطرف انتقاماً منه لتوقيعه اتفاقية أوسلو، مؤشراً لما سيأتي لاحقاً. فما حصل هو أن إسرائيل، وباعتراف دانيال ليفي، أحد المفاوضين الرئيسين في الاتفاقية، واصلت "مشروعها الاستعماري" وتوسعت في بناء المستوطنات لتقطع أوصال الأراضي الفلسطينية، ونسفت مبدأ حل الدولتين. وما كان تحت سيطرة السلطة من أراض بعد الاتفاق، أعادت إسرائيل إخضاعه لها بعد أقل من ثماني سنوات.

"اتفاقية أوسلو"
أبرز نتائجها

الاعتراف بدولة إسرائيل وسيطرتها على 78% من أرض فلسطين التاريخية

اعتراف إسرائيل بـ"منظمة التحرير" كممثل للشعب الفلسطيني وبحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي في الضفة الغربية وغزة

إسرائيل تحمي منطقة الحكم الذاتي من التهديدات الخارجية فيما تنشأ قوة شرطة فلسطينية لتولي الأمن الداخلي

انطلاق "مفاوضات الوضع الدائم" بعد 3 سنوات للبت في مصير القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية

الانتفاضة الثانية... هبة الأقصى

في الـ28 من سبتمبر عام 2000، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عقب اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون المسجد الأقصى.

أرييل شارون

أرييل شارون

انطلقت في القدس وسرعان ما امتدت إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. وتميزت عن الانتفاضة الأولى بكثرة المواجهات وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل.

حصلت هذه الانتفاضة في ظل تغييب عدد من القيادات والشخصيات الفلسطينية إما عبر الاعتقال أو الاغتيال. واجتاحت إسرائيل خلالها المناطق التي سيطرت عليها السلطة الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو، وبنت ما يعرف بـ"جدار الفصل العنصري".

استمرت الانتفاضة الثانية خمس سنوات وأسفرت عن مقتل 4412 فلسطينياً وإصابة قرابة 49 ألفاً. في المقابل، قتل 1100 إسرائيلي، بينهم 300 جندي، وجرح نحو 4500 آخرين.

الطفل محمد الدرة

الطفل محمد الدرة

قمة بيروت وخطة السلام العربية

دخل الشعب الفلسطيني الألفية الثالثة بخيبة أمل كبيرة لعدم التوصل إلى أي حل لقضيته، وكان 2002 عاماً صعباً على الفلسطينيين شهد غارات متواصلة وحظر تجوال طويل الأمد، إلا أن مساعي التوصل إلى السلام بقيت حاضرة. ففي ذلك العام، عقدت في العاصمة اللبنانية "قمة بيروت" التي تبنت مبادرة الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز  الذي كان حينها ولياً للعهد.

الرد الإسرائيلي على المبادرة العربية كان سريعاً، ففي اليوم التالي لاختتام أعمال القمة، بدأ الجيش عملية عسكرية موسعة ضد مدن الضفة الغربية عرفت باسم "السور الواقي"، انطلقت بهجوم عسكري شامل على مكتب عرفات في رام الله  وحاصرته فيه. وحتى قبل أن تقر القمة العربية المبادرة السعودية، اعتبر شارون حينها أن الانسحاب حتى حدود ما قبل حرب 67 يعني نهاية إسرائيل.

بعد ذلك بشهر، وبمبادرة إسبانية، شكلت اللجنة الرباعية للشرق الأوسط بمشاركة أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بهدف دفع عملية السلام في الشرق الأوسط، لكنها لم تنجح في مهمتها، ثم عقدت اجتماعات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في شرم الشيخ عام 2005، وفي أنابوليس بالولايات المتحدة عام 2007، وقد خلت التفاهمات الناتجة من الاجتماعات من أي التزام حقيقي لإسرائيل إزاء الفلسطينيين.

في الأثناء، وقع الانقسام الفلسطيني حاملاً معه تداعيات خطرة على الفلسطينيين استمرت حتى اليوم. وتذهب معظم التحليلات إلى أنه من المستبعد أن يحصل أي تقارب أو اتفاق بين السلطة الفلسطينية التي تحكم الضفة الغربية، وحركة "حماس" التي تحكم غزة، نظراً إلى الاختلاف السياسي والأيديولوجي. فـ"حماس" حركة ذات مرجعية إسلامية تؤمن بالكفاح المسلح لحل القضية، بينما لحركة "فتح" توجهات علمانية تؤمن بالتفاوض والطرق السلمية. وعلى رغم عقد مفاوضات على مدى 16 عاماً، فشل الطرفان في التوافق على رؤية موحدة خدمة للقضية الفلسطينية. 

الانقسام الفلسطيني

حرب الـ2008 وتعثر عملية السلام 

بعد فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية وسيطرتها لاحقاً على غزة بالقوة، فرضت إسرائيل حصاراً خانقاً على القطاع، مما أدى إلى ارتفاع منسوب الأعمال العدائية بين الطرفين.

وفي منتصف عام 2008 وبرعاية مصرية، تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الحركة وإسرائيل دام ستة أشهر، لكن عملية "الرصاص المصبوب" التي شنتها تل أبيب في ديسمبر من ذلك العام أنهت التهدئة.

كان الهدف من العملية إنهاء حكم "حماس" ومنعها من قصف إسرائيل، والوصول إلى مكان الأسير جلعاد شاليط الذي اعتقلته الحركة واتخذته رهينة في 2006.

استمرت الحرب 23 يوماً وراح ضحيتها أكثر من 1430 قتيلاً فلسطينياً، و13 إسرائيلياً بينهم 10 جنود. عطلت العملية العسكرية كل شيء، بما في ذلك عملية السلام في الشرق الأوسط التي تسارعت في الـ2008، ولم تتمكن إسرائيل من تحرير جلعاد شاليط سوى في أكتوبر 2011 بعد مفاوضات استمرت أكثر من خمس سنوات.

خيبة أمل جديدة

انتعشت آمال الفلسطينيين مرة أخرى مع مجيء الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى سدة الحكم عام 2009. وقتها أعلن أن بلاده لن تدير ظهرها لرغبة الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وعين ممثلاً خاصاً له في الشرق الأوسط لدفع عملية السلام قدماً، كما تمكن من جمع القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية في أكثر من مرة.

ولكن الرجل الذي ربما بدا مقتنعاً بإمكانية حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، ترك منصبه بعد ثماني سنوات من دون أن ينجح في التوصل إلى تسوية نهائية لهذه القضية، كغيره من الرؤساء الأميركيين.

كذلك شهدت فترة حكم أوباما استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية، وتأكيداً لأبدية التحالف بين واشنطن وتل أبيب، وتواصل الحصار على غزة، وثلاث حروب شنتها إسرائيل على القطاع، من بينها حرب 2014 "الجرف الصامد" التي اعتبرها أوباما أنها تندرج ضمن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.

خطة ترمب

تمسك جميع الرؤساء الأميركيين بفكرة حل الدولتين، ولكن دونالد ترمب كان استثناءً، إذ أكد بعد أسابيع من وصوله إلى الحكم أن واشنطن لم تعد متمسكة بحل الدولتين، وأنه سيترك لطرفي الصراع التوصل إلى اتفاق يتضمن حل دولتين أو لا يتضمنه.

ترك ترمب تركة ثقيلة على الفلسطينيين من خلال اعترافه بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقله السفارة الأميركية إليها، كما قطع المساعدات عن الحكومة الفلسطينية ومنظمة "أونروا"، وأيد الاستيطان، بما في ذلك خطة الضم الإسرائيلية لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، والأهم من ذلك كله أنه كان مهندس ما يعرف بـ"صفقة القرن" التي تهدف إلى تحقيق السلام وحل النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن على طريقة ترمب الخاصة.

خطة ترمب للسلام في الشرق الأوسط

إقامة دولة فلسطينية بلا جيش على مساحة 70% من الضفة الغربية

عاصمة الدولة الفلسطينية أبو ديس شرق القدس

سيطرة إسرائيل على معظم الضفة الغربية وضم المستوطنات

القدس تبقى موحدة تحت السيادة الإسرائيلية

تحمي إسرائيل الأماكن المقدسة في القدس مع ضمان حرية العبادة لجميع الديانات

إقامة صندوق استثماري بـ50 مليار دولار لدعم الاقتصاد الفلسطيني واقتصادات الدول العربية المجاورة على مدى 10 سنوات

تعترف إسرائيل بالدولة الفلسطينية

توقف إسرائيل بناء المستوطنات لمدة 4 سنوات

تعترف فلسطين بحدود إسرائيل الجديدة

تنزع فلسطين السلاح في غزة وتتنازل عن حق العودة وعن المطالبة بالقدس عاصمة

"اتفاقات أبراهام"

يعتبر الفلسطينيون أن خطة ترمب للسلام ما هي إلا محاولة لتصفية قضيتهم، فرفضوها بصورة قاطعة.

لكن ترمب لم يتراجع، فقد نجح في رعاية ثلاث اتفاقيات سلام وقعتها إسرائيل مع كل من الإمارات والبحرين والمغرب في ما يعرف بـ"اتفاقات أبراهام"، بينما تعرقلت الاتفاقية الرابعة مع السودان بسبب التطورات الداخلية في هذا البلد.

استنكر الفلسطينيون تلك الاتفاقات، ووصفوها بأنها "خيانة" ستكون لها تداعيات كارثية على قضيتهم. في المقابل، رحب بها آخرون معتبرين أنها ستعزز عملية السلام في الشرق الأوسط وقد تسهم في حل الصراع بصورة أسرع.

ووسط تلك الأجواء، سارت أحاديث عن اتفاق سلام محتمل بين السعودية وإسرائيل، لكن شرط السعودية كان واضحاً: لا تطبيع مع إسرائيل قبل اتفاق سلام دائم وكامل يضمن للفلسطينيين دولتهم.

مساعي السلام بين إسرائيل وفلسطين

توقيع "اتفاق أوسلو" وتبادل الاعتراف بين إسرائيل و"فتح" كطرفي تفاوض

توقيع "اتفاق القاهرة" وموافقة إسرائيل على الانسحاب جزئياً من كل من غزة وأريحا

توقيع "اتفاق أوسلو 2" في شأن إدارة الحكم في الضفة الغربية وقطاع غزة

فشل قمة "كامب ديفيد" بين الإسرائيليين والفلسطينيين بسبب خلافات في شأن القدس وعودة اللاجئين

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة تقدم "خريطة طريق السلام" وتشمل: وقف العنف الفلسطيني وتجميد المستوطنات اليهودية في الضفة وإنشاء دولة فلسطينية بحلول 2005

مبادرة السلام العربية وفق مبدأ "الأرض مقابل السلام"

مؤتمر أنابوليس وتعهد الإسرائيليين والفلسطينيين بالتوصل إلى اتفاق سلام بحلول 2008

إسرائيل تشن حرباً على غزة والسلطة الفلسطينية تنسحب من عملية سلام أنابوليس

محادثات مباشرة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن

بدء مفاوضات سلام مباشرة استمرت 9 أشهر بين الطرفين برعاية أميركية لكنها انهارت على وقع التصعيد

مجلس الأمن الدولي يصدر قراراً يطالب بوقف بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقدم خطته للسلام في الشرق الأوسط ولاقت رفضاً قاطعاً من الفلسطينيين

حرب مستمرة

توقف قطار السلام بعد عام 2020 من دون أن يخرج عن مساره. ومنذ نوفمبر من ذلك العام، بدأ الفلسطينيون يتنفسون الصعداء مع الإعلان عن فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة.

قدم بايدن خلال حملته الانتخابية وعوداً للفلسطينيين، وبعد تنصيبه رئيساً، اتخذ مجموعة من القرارات لصالح قضيتهم كإعادة الدعم لوكالة "أونروا" واستئناف المساعدات للسلطة الفلسطينية، كما أكدت إدارته التزام الولايات المتحدة بحل الدولتين، لكنها لم تتخذ أي خطوات فعلية على هذا الصعيد في السنوات الثلاث الأولى من حكمه.

نهاية عام 2022، شكل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حكومته اليمينية الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، وهو ما انعكس سلباً على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. جاء ذلك في وقت كانت فيه القدس تشهد غلياناً غير مسبوق وهجمات متكررة على المسجد الأقصى الذي كثيراً ما شكل مصدر توتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ومع تصاعد الأنباء عن احتمال التوصل إلى اتفاق وشيك بين السعودية وإسرائيل، جاء هجوم "حماس" في السابع من أكتوبر  ليفجر الأوضاع في قطاع غزة والمنطقة. ففي ذلك اليوم، نجح عناصر الحركة في دخول مستوطنة نتيف الإسرائيلية على الحدود مع غزة، في هجوم أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص وأسر نحو 240 حسب حصيلة تل أبيب، ما دفع إسرائيل إلى الرد بشن حرب مدمّرة على غزة سقط فيها أكثر من 30 ألف شخص حتى كتابة هذه السطور. 

وعلى أثر ذلك، علقت السعودية المفاوضات غير المباشرة مع الإسرائيليين. وأكدت مجدداً أن أي اتفاق لا بد أن يؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية. وعلى وقع الحرب الدموية في غزة، عادت الأصوات تتعالى في الشرق والغرب لإنهاء الصراع وتطبيق حل الدولتين.

غير أن الطريق أمام نشأة الدولة الفلسطينية ما زال معبداً بالصعاب، فلا الفلسطينيون يقبلون بالشروط التي تمليها إسرائيل لإنشاء دولتهم، ولا تل أبيب تريد دولة فلسطينية ذات قوة إلى جانبها، وفق ما يرى كثر.

كتابة
فراس بارودي

تحرير وإعداد
إيليانا داغر

التنفيذ والغرافيك
مريم الرويغ

رئيس التحرير
عضوان الأحمري