Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليس للغرب أن يقرر مصير أفغانستان

يجب مراعاة نقطتين قد تضيعان كلياً وسط تركيز العالم الغربي شبه التام على النساء الأفغانيات

بعد أكثر من أربعة عقود من الحروب المتواصلة نوعاً ما، لا بد أن تعطى الأولوية للسلام (غيتي)

في هذا الوقت من العام الماضي، أطلقت لجنة الكوارث الطارئة- التي تنسق عمل أكثر من 12 منظمة خيرية بريطانية استجابة لكوارث كبرى- نداء في عيد الميلاد من أجل أفغانستان. حذر النداء من المجاعة التي تتربص بـ20 في المئة من السكان، ومن النقص الحاد في المياه النظيفة والمأوى والإعانات الطبية.

قد تقولون، كم تتغير الأولويات! فتركيز كل منظمات الإغاثة، سواء في المملكة المتحدة أو في معظم العالم الغربي، يصب اليوم على أوكرانيا، وهذه الحال مستمرة منذ بداية الغزو الروسي من 10 أشهر أو أكثر. ما عادت التطورات في أفغانستان تشغل مكاناً في الحيز العام إجمالاً- سوى من جانب وحيد، ومهم، بفضل عناد بعض الناشطين الغربيين وإصرارهم: وضع المرأة وحقوقها.

لا بد أنكم تذكرون مشهد الفوضى التي عمت مطار كابول في أغسطس (آب) 2021، عندما أنهت القوات الغربية تدخلها العسكري بعد 20 عاماً وسارعت لإجلاء أصدقائها قبل أن ترسخ طالبان عودتها إلى السلطة. عُقدت الآمال على اختلاف طالبان هذه عن تلك التي أسهم التحالف الذي قادته الولايات المتحدة بإزاحتها في عام 2001، وحتى أعطيت تأكيدات على هذا- فهي مختلفة لأنها تعلمت بعض المهارات الدبلوماسية الأساسية، ومختلفة لأنها قادرة على القيادة بشكل أفضل، والأهم أنها مختلفة من حيث موقفها من النساء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان أحد الآمال بالتحديد أن تظل النساء والفتيات قادرات على الحصول على التعليم، أو المواظبة عليه. لكن مع مرور الأشهر، فُقد تدريجياً الجزء الأكبر من التقدم الذي أُحرز طيلة جيل كامل. خلال زيارة أخيرة -ونادرة- إلى الريف الأفغاني، أبرزت مراسلة سكاي نيوز أليكس كراوفورد مقاومة الشابات، اللاتي يُمنع عليهن التعليم الرسمي إلى حد كبير، ومحاولاتهن لإيجاد منافذ جديدة لقدراتهن. وختمت بالإشارة إلى أن التعليم العالي يشكل استثناء؛ فما زالت النساء قادرات على الالتحاق بالجامعات.

للأسف، لم يكد يمر أسبوعان على بث برنامجها قبل أن تعلن طالبان حظر الدراسة الجامعية على النساء فوراً، ما عدا بعض الاستثناءات القليلة. في غضون أيام قليلة، منعت طالبان النساء من العمل لدى منظمات خيرية دولية ومنظمات غير حكومية، حيث يمكن أن يعملن جنباً إلى جنب مع الرجال وهن سافرات.

يبدو أن الفرص المستقبلية المتاحة أمام النساء قد عادت الآن إلى ما كانت عليه منذ أكثر من 20 عاماً. كما أن عديداً من المنظمات الخيرية أعلنت إيقاف عملها في أفغانستان. يظهر أن الخيار الوحيد المتاح أمام النساء المتعلمات، والفتيات اللاتي يرغبن بالتعلم في الوقت الحالي هو البحث عن مستقبل لهن في الخارج.

قلة من الأشخاص لا تعتبر هذا التطور انتكاسة تبعث على الكآبة- ولا شك أنني لست من بين هؤلاء. إنما يجب مراعاة نقطتين قد تضيعان كلياً وسط تركيز العالم الغربي شبه التام على النساء الأفغانيات.

أولهما أن نشاط الغرب طيلة 20 عاماً في مجال تعليم الفتيات الأفغانيات لم يحرز يوماً النجاح الذي أرادت الحكومات الغربية والناشطون أن يوهمونا به. نعم، حققت بعض النساء نجاحاً مهنياً- ومنهن طبيبات، ومحاميات وبعض السياسيات- لكنهن قلة وقد حصلن جزءاً من تعليمهن على الأقل في الخارج.

هذا ليس استخفافاً بإنجازاتهن أو شجاعتهن، ولكنهن كن إجمالاً ينتمين إلى طبقة تتمتع بمميزات. وأقول كن، لأن عديداً منهن إما هربن خلال الإجلاء الغربي أو فررن بأنفسهن. وتبدو سلسلة الأحداث هذه مألوفة جداً. حاولنا "نحن" تحديث أفغانستان (أو جعلها أشبه بالغرب) عبر خلق طبقة جديدة تشبهنا، ثم تخلينا عن أفراد هذه الطبقة أو اصطحبناهم معنا عندما غادرنا البلاد. كما يحدث في أغلب الأحيان، كانت جذور التغيير الاجتماعي الذي سعينا إلى تحقيقه بالغة السطحية.

قد لا يحظى هذا الرأي بشعبية، لكن النساء والرجال الأفغان سيغيرون مجتمعهم إن أرادوا ذلك، ومتى أرادوا ذلك. لا يمكن للغرباء أن يفعلوا ذلك نيابة عنهم؛ لا سيما الغرباء الذين لا يقدرون كما يجب طريقة عيش أغلبية الأفغانيات حتى يومنا هذا. تبين ثورة النساء على نظام الحكم الديني في إيران مدى صعوبة تحقيق هذه التحولات الجذرية- على الرغم من أن معظم الإيرانيات في المدن يملكن مثالاً عن طريقة عيش مختلفة جداً تمتعن بها بأنفسهن أو عاشتها أمهاتهن أو جداتهن في السنوات السابقة للثورة الإسلامية. هذا لا يعني أن تعليم النساء في أفغانستان قضية خاسرة؛ بل يعني أن التطور الحقيقي أبطأ بكثير مما يريده ناشطون غربيون كثر- أو مما يزعمونه.

أما الاعتبار الثاني، المفقود غالباً في موضوع أفغانستان اليوم، فيمكن إيجاده مطموراً كما لو كان ملاحظة جانبية في سياق الشكاوى الكثيرة حول محنة النساء في ظل حكم طالبان. وتأتي الملاحظة العرضية على هذا الشكل تقريباً: قالت إحدى الأمهات في الريف إنها ما عادت على الأقل تخشى على سلامة ابنها أو ابنتها الصغيرين إن ذهبا لاستخراج الماء من البئر.

هذا اعتراف بالواقع: بعد رحيل القوات الخارجية، عم السلام إجمالاً في أفغانستان. دعوني أكرر كلامي: بعد رحيل القوات الأجنبية عن أفغانستان، باتت تنعم بقدر من السلام لم تعرفه منذ جيل كامل. مع عودتها إلى الحكم، أبرمت حركة طالبان صفقات مع الأسياد المحليين وقد ظلت هذه الاتفقات صامدة إلى حد كبير. ربما لا تستمر، لكن معارضة طالبان لا تزال ضعيفة.

وهذا يوصلنا إلى اعتبار ثالث. في عالم مثالي، ينعم الجميع بالسلام والأمن، ويسود التقدم الاجتماعي كذلك، وهو يضم في أعلى سلم الأولويات، المساواة في الحقوق أو مزيد من الحقوق للنساء بما في ذلك تعليم الفتيات. لكن إن لم يكن الأمران متاحين في الوقت الحالي، أيهما تختارون؟ بل فعلياً أيهما يجب أن يأتي أولاً؟ 

ما معنى الديمقراطية الانتخابية مثلاً، ذلك النظام المحبب على قلب الغرب- الذي قد يتضمن طبعاً حق النساء في التصويت- إن كنت تعيشين في خوف يومي من أن يُقتل زوجك أو والدك أثناء القتال؛ وأن يُمحى منزلك بصاروخ أو يُغتصب طفلك على يد جندي غازي. هل أساء الغرب، وفي المقام الأول، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فهم بعض الأمور؟

خلفت الحروب في العراق وليبيا واليمن وسوريا- التي إما تسبب بها التدخل الخارجي أو فاقمها وأطال أجلها- وراءها شعوباً مصدومة وفقيرة ومنقسمة، هذا إن انتهت أساساً. خلال العام الماضي، شهد الأوروبيون دخول بلد مجاور كان ينعم بالسلام- ما عدا في أحد أطرافه- في أتون الحرب بين ليلة وضحاها بسبب الغزو الروسي. 

إن كان لهذا الصراع من نتيجة إيجابية ولو غير مقصودة، فقد تكون في أنه أظهر لكل أولئك الأوروبيين الذين ولدوا في زمن السلام شكل الحرب الحقيقي: الموت العشوائي وحجم الدمار وانعدام اليقين المستمر والبحث الدائم عن أمان مفقود.

عرف كل الذين عاصروا الحرب العالمية الأولى أو الثانية هذه الحقائق حتى لو لم يتكلموا عنها سوى في النادر. لكن أطفالهم وأحفادهم لم يعرفوها- سوى الآن ربما. إن الميداليات والنصب التذكارية التي تقام عن الحروب تختلف كل الاختلاف عن التجربة الملموسة للصراع المسلح وكل ما يصاحبه. ولهذا السبب لا يمكنني أن أؤيد شحنات الأسلحة الغربية الأكبر والأعظم التي تطيل أجل الحرب ليس إلا. يجب تفضيل القنوات الدبلوماسية.

ولهذا السبب كذلك، أخشى أن يكون تسليط الضوء العالمي- كما فعل الغرب في الآونة الأخيرة- بشكل شبه حصري على موقف الطالبان من النساء، الذي ينتمي للعصور الوسطى، منذ إعادة سيطرتها على أفغانستان، تعتيماً للمشهد كاملاً. لا شك أنه من وجهة نظرنا، من الخطأ ومن قصر النظر أن تمنع طالبان التعليم على الفتيات وأن تمنع الأفغانيات من العمل لدى المنظمات الأجنبية حيث يمكن أن يتعلمن أسلوب الحياة الغربي أو يخترنه. 

لكن لا بد أن يقرر الأفغان، وليس نحن، مصير بلادهم بأنفسهم. وبعد أكثر من أربعة عقود من الحروب المستمرة، لا بد أن تعطى الأولوية للسلام. أو، بعبارات أخرى، سوف يأتي وقت تتمكن فيه كل الفتيات الأفغانيات من ارتياد المدرسة لكن لا يرجح أن يحل ذلك الوقت قبل أن يتأكد كل والد ووالدة أفغان من أن ولدهم سيعود آمناً سالماً بعد أن يحضر المياه من البئر.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء