Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجح الجزائر في تفعيل مقاربتها بالساحل الأفريقي؟

المنطقة شهدت 40 في المئة من أنشطة الجماعات المتطرفة بالقارة السمراء أغلبها بمالي وبوركينا فاسو ومراقبون يلمحون إلى تدخلات دولية

قائد المجلس العسكري في بوركينا فاسو في جنازة 27 جنديًا قتلوا في هجوم تبناه تنظيم القاعدة (أ ف ب)

ملخص

تسابق الجزائر الزمن من أجل تهدئة الأوضاع ومواجهة خطر الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي

تستيقظ منطقة الساحل الأفريقي يومياً على وقع أعمال عنف تفاقم من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بعد أن تحولت أجزاء واسعة إلى ملاذات آمنة للجماعات الإرهابية المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، على رغم التعديلات المتكررة لاتفاق السلم والمصالحة الذي رعته الجزائر من أجل بسط الأمن والاستقرار.

وفي حين تعرف دولتا موريتانيا وتشاد اعتداءات إرهابية وأعمال مسلحة محدودة، تصنف تقارير مؤشر الإرهاب العالمي بلدان مالي وبوركينا فاسو والنيجر، في مقدمة دول منطقة الساحل الأفريقي التي شهدت خلال الفترة بين 2014 و2022، تصاعداً لافتاً لأعمال العنف، وأدت في مرات عدة إلى صراعات مع حكومات دول المنطقة، ما أفرز وضعاً متوتراً أسهم في حدوث انقلابات عسكرية مثل الذي شهدته دولة مالي خلال عامي 2020 – 2021، ثم بوركينا فاسو عام 2022، إلى جانب المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد رئيس النيجر محمد بازوم في 31 مارس (آذار) 2021 قبل ساعات من تنصيبه رئيساً للبلاد.

ويقول تقرير حديث لمركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، نشر في مارس 2023، إن دول بوركينا فاسو ومالي والنيجر، شهدت 2737 حالة عنف خلال العام الماضي، بزيادة قدرها 36 في المئة مقارنة بأي منطقة في أفريقيا، في أكبر تصعيد مرتبط بالإرهابيين، وارتفع عدد القتلى بـ63 في المئة، وبلغ سبعة آلاف و899 شخصاً.

أرقام ونسب صادمة

وأبرز التقرير الأفريقي، أن منطقة الساحل شهدت تضاعفاً في الوفيات، أي ارتفاعاً بنسبة 90 في المئة، وأكثر من الضعف، بنحو 130 في المئة، في الأحداث العنيفة التي تورطت فيها الجماعات المتشددة منذ 2020، إذ باتت المنطقة تشهد 40 في المئة من الأنشطة العنيفة لتلك الجماعات، وهي الأكبر من أي منطقة أخرى داخل القارة السمراء، في حين أن 90 في المئة من جميع هذه الأحداث وقعت في مالي ثم بوركينا فاسو، وهو الوضع الذي تسبب في نزوح أكثر من 2.6 مليون شخص.

في خضم هذا المشهد تسابق الجزائر، الدولة ذات الحدود الواسعة مع منطقة الساحل، الزمن من أجل تهدئة الأوضاع، ومواجهة خطر الجماعات الإرهابية، بسبب تأثير ذلك على أمنها من جهة، وتنامي نفوذ بعض القوى الدولية على غرار فرنسا وروسيا والولايات المتحدة والصين من جهة أخرى، وهو ما أشار إليه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، حين حذر من خطر تحويل منطقة الساحل الصحراوي إلى بؤرة إرهاب جديدة لا سيما في ظل سهولة التغذي من روافد الجريمة المنظمة كالتهريب والاتجار في السلاح والبشر. وقال إن مساعي الجزائر قائمة أساساً على مبدأ رفض التدخل الأجنبي وتشجيع الحوار الداخلي والحفاظ على الوحدة الترابية والانسجام الوطني للدول.

وقامت الجزائر بجهود كبيرة من أجل منع حدوث انزلاق أمني في منطقة الساحل وبخاصة في مالي، بعد أن تمكنت من إقناع مختلف الأطراف المالية المسلحة وحكومة باماكو بالتوقيع على اتفاق السلم والمصالحة في 2015، لكن يبدو بالنظر إلى الأوضاع التي عليها منطقة الساحل، أن الوثيقة لم تعد تلقى ترحيباً وقبولاً واحتراماً، ولعل اتفاق الجيشين الجزائري والنيجري على تنظيم دوريات عسكرية لمراقبة الحدود بين البلدين الممتدة على طول 951 كيلومتراً، يندرج في سياق التوجس الاستباقي الجزائري من تدهور مرتقب في المنطقة.

زيارات سياسية وعسكرية

ولم تتوقف زيارات المسؤولين الجزائريين، سياسيين وعسكريين، إلى مالي ودول المنطقة، وآخرها تحرك وزير الخارجية أحمد عطاف، الذي اختار أن تكون بلدان الساحل المحطة الأولى لزياراته الخارجية، بخلاف ما كان يحصل في السابق من الذهاب إلى وجهة غربية.

جولة وزير الخارجية الجزائري قادته إلى ثلاث دول هي: موريتانيا ومالي والنيجر، وحازت القضايا الاقتصادية ومشاريع التنمية، على القدر ذاته من المناقشة مع المسائل المرتبطة بالأمن، ما يؤكد رغبة الجزائر في وضع مقاربة التنمية والأمن موضع التنفيذ، في محاولة لإعطاء دفعة لاتفاق السلم والمصالحة من جهة، ومنع انفراد أطراف أجنبية بالمنطقة من جهة أخرى، ما يدلل على ذلك مرافقة مدير جهاز الاستخبارات الخارجية جبار مهنا، لوزير الخارجية.

لا فشل ولكن

في السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية مبروك كاهي في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أنه لا يمكن الحديث عن فشل مقاربة الجزائر لبسط الأمن والاستقرار في المنطقة بل هناك تقدم كبير، وأما تزايد الأعمال الإرهابية فهو نتيجة متوقعة لتعطيل العملية السياسية في دولة مالي بعد أن تم إعداد مسودة الدستور وإعطاء خريطة واضحة للعودة للشرعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف كاهي أن مقاربة الجزائر قائمة على أساس تنموي، لكن من شروط تحقيق هذه الاستراتيجية العودة للنظام الدستوري وتنفيذ كامل لاتفاق السلم والمصالحة، إذ من خلال ذلك يمكن القضاء على الجماعات الإرهابية، مشيراً إلى أن الرسالة الأخيرة التي بعثها الأمين العام للأمم المتحدة ويثني فيها على المقاربة الجزائرية هي شهادة من المنظمة الدولية على جديتها في حل الأزمة.

ويواصل أستاذ العلاقات السياسية المهتم بالشأن الأفريقي، أن المقاربة الجزائرية لا تسعد الجميع، سواء أطرافاً إقليمية أو دولية، حيث كل طرف يضع مصالحه ضمن الأولويات حتى على حساب الشعب المالي، مشدداً على أن ظاهرة الإرهاب معقدة وتتكيف من مرحلة إلى أخرى، لا سيما أنها باتت عابرة للحدود ومتعددة الجنسيات. ولفت إلى أن الأعمال الإرهابية تزداد حدة كلما خطا الماليون خطوة نحو العودة إلى النظام الدستوري، مشدداً على أن المقاربة الجزائرية لم تفشل بل الأمر يحتاج إلى يقظة الأجهزة الأمنية والمجتمع المالي ودعم دولي حقيقي.

وقال كاهي، إن الزيارات الأخيرة لوزير الخارجية إلى المنطقة هي لحل بعض سوء الفهم وإعادة الجميع إلى اتفاق الجزائر، مضيفاً، "شاهدنا الوزير عطاف وقد عقد مشاورات موسعة مع رأس السلطة الانتقالية في مالي ومسؤولي حكومته، إلى مختلف الأطراف الموقعة على اتفاق السلم والمصالحة"، محذراً من أن المنطقة مقبلة على زلزال آخر إذا خرجت الأزمة السودانية عن السيطرة ودخلت البلاد في فخ الفوضى واللانظام. وختم بأن الترتيبات المسبقة يمكن وصفها بالتحصينات لتفادي أي طارئ قد يخلط الأوراق من جديد.

عوامل تعرقل المقاربة

في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية إبراهيم بادي، أن صعوبة تنفيذ مقاربة الجزائر في منطقة الساحل، ترجع لعوامل عدة، أبرزها وقوف أطراف ضدها بسبب مصالحها في استمرار العنف بالمنطقة، موضحاً أن عدم اهتمام بعض الماليين بالمقاربة لا يعكس حقيقة الشعب المالي الذي يبحث عن الاستقرار ورفع مستوى معيشته، حيث يظهر أن الأمر يتعلق بضغوط خارجية وولاءات، وهو ما يجعل المقاربة تسير ببطء. وشدد على أن الجزائر تعتمد على التنمية كمفتاح لبسط الأمن والاستقرار في مالي، ما يتطلب كثيراً من الإمكانات المادية التي يبدو أنها غير متوفرة على الأقل بالحجم المطلوب.

ويتابع بادي، أن تشابك المصالح بين الدول الكبرى يزيد من تأزم الأوضاع، ويجعل مآل كل الحلول المقترحة إلى الفشل، مضيفاً أن المصالحة الحقيقية بين الأطراف المالية تبقى السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة التي تعرفها البلاد، لأن الحل بين أيادي الماليين لا غير.

وفي السياق ذاته، أكد رئيس أركان الجيش الجزائري السعيد شنقريحة، أمس السبت، أن الجزائر رافعت من أجل تبني مقاربة أفريقية جديدة تتعلق بمكافحة الإرهاب وترتكز على محاربة الجماعات المسلحة والوقاية من كل أشكال التطرف. وقال خلال مشاركته في أشغال الاجتماع الـ11 للجنة رؤساء الأركان والاجتماع الـ10 لمجلس وزراء الدفاع للدول الأعضاء في قدرة إقليم شمال أفريقيا، إن المعركة ضد الإرهاب والتطرف العنيف لا يمكن كسبها في غياب مقاربة متكاملة، تهدف إلى التصدي للتطرف العنيف وتجفيف مصادر تمويل الإرهاب، على غرار منع دفع الفدية التي تسهم في دعم صفوف الإرهابيين ومدهم بالأسلحة وتوسيع قدراتهم التدميرية.

المزيد من تقارير