Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل انهارت مخزونات النفط الأميركية؟

تستورد الولايات المتحدة نحو 7 ملايين برميل يومياً أغلبها من كندا ودول أميركا اللاتينية

الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم ورابع أكبر مصدر له (رويترز)

ملخص

باختصار ليس هناك خوف من الوضع النفطي في الولايات المتحدة، وما ذكر في تقرير "بلومبيرغ" لا يرقى إلى مستوى التقارير الصحافية المرموقة، ولا يتعدى كونه صحافة صفراء.

انتشر خبر في "تويتر" من أحد كبار المغردين يقول إن وكالة "بلومبيرغ" قالت كذا وكذا، والحقيقة أن خبر "بلومبيرغ" بالأصل كان خاطئاً ويجب أن يوضع في إطار خاص، لكن التغريدة نشرت معلومات كاذبة، ومعلومات أخرى ذكرت بعكس ما يريده كاتب المقالة. قالوا إن الغاية تبرر الوسيلة، وهنا "الإثارة" تبرر التغريدة!

ثم قامت بعض القنوات التلفزيونية بنشر تقارير عن الموضوع وتوسعت في المعلومات الخاطئة والتفسيرات العجيبة، بعد هذا انتقل الأمر إلى "يوتيوب"، وتحول الموضوع إلى مهزلة! فما الحقيقة؟

ملخص مقالة "بلومبيرغ"

كان عنوان المقالة "مغارات نفطية ضخمة فارغة وتحتاج إلى سنوات لملئها"، وهذا إشارة إلى المخزون النفطي الاستراتيجي الذي يتكون من كميات كبيرة من النفط مخزنة في مغاور ملحية كتيمة وعميقة في باطن الأرض.

جاء بعد هذا العنوان الرئيس عنوانان فرعيان:

مخزون النفط للدولة (يقصد الولايات المتحدة) في أدنى مستوى له منذ 40 عاماً بعد السحب التاريخي منه.

الخبراء يقولون إن إعادة الملء قد تستغرق عقوداً، هذا إذا ملئ أصلاً (في إشارة إلى أنه قد لا يملأ على الإطلاق).

قبل الخوض في التفاصيل، ما الجديد في العنوان الرئيس والعنوانين الفرعيين؟ الجواب: لا شيء. هذه المعلومات معروفة من أشهر لكل مهتم في هذه الأمور، وإذا احتج قائل بأنه لو كان معروفاً فلماذا نشرته "بلومبيرغ" إذاً؟ المشكلة في القائل لأنه يعطي "بلومبيرغ" مستوى أعلى من مستواها الحقيقي. إبداع "بلومبيرغ" في البيانات التي تجمعها وتبيعها، لكن في الأخبار والتقارير مثلها مثل أية وسيلة أخرى تحاول أن ترضي أكبر ديكتاتور في التاريخ: غوغل! وهنا لا بد من ذكر حقيقة مفادها بأن "بلومبيرغ" لم تحصل على دعوة إلى حضور مؤتمر "أوبك+" الأخير، ولا لحضور سيمنار "أوبك" الذي يعقد كل عامين، وذلك بسبب المعلومات الكاذبة التي تنشرها عن السعودية و"أوبك".

لو نظرنا إلى عناوين "بلومبيرغ" ومحتوى المقالة لوجدنا أن العناوين مبالغ فيها بشكل كبير، فالمقالة تتكلم عن محطة "هاكبري" للخزن النفطي الاستراتيجي، إذ يتكلم الصحافي بانبهار بأن حجم كل مغارة أكبر من حجم عمارة "أمباير ستيت" في مانهاتن بمدينة نيويورك، وهي معلومة شائعة ومعروفة منذ السبعينيات، لكن يذكر بعدها أمراً يوضح مدى المبالغة في العنوانين، ويوضح أن الناقلين العرب تجاهلوها أو لم يقرأوها أصلاً: المغارات ليست فارغة، وإنما نصف ممتلئة!

ثم ينتقل الكاتب وبشكل يتنافى مع المهنية في الصحافة ويقول إن إدارة بايدن سحبت 180 مليون برميل من المخزون الاستراتيجي وإن إعادة ملء المخزونات إلى "طاقتها القصوى" يحتاج إلى سنوات بحسب ما قاله الخبراء.

هناك خطآن مجحفان: الأول أن الصحافي تكلم عن محطة "هاكبري"، وهي واحدة من أربع محطات، والمخزون الذي فيها كان ربع إجمالي المخزون، لكنه انتقل فجأة إلى الكمية التي سحبتها إدارة بايدن، وهذه الكميات مسحوبة من محطات مختلفة وليس "هاكبري" فقط.

الثاني أنه تكلم عن الكميات المسحوبة ثم انتقل فجأة إلى الطاقة الاستيعابية لكل المحطات، وذكر أن الخبراء قالوا إن ملأها قد يستغرق عقوداً. كمية المخزون في المغاور شيء، والطاقة الاستيعابية لها شيء آخر، وليس هناك أي حديث عن ملء المخزون لطاقته الاستيعابية على الإطلاق.

هذا الخلط بين محطة واحدة والكمية المسحوبة من محطات عدة وبين كمية المخزون والطاقة الاستيعابية يدل على أن الصحافي جاهل بهذه المواضيع أصلاً، وقامت المصادر العربية بنقل الخطأ عنه و"زادت عليه حبتين" للإثارة!

ثم ينتقل كاتب التقرير للقول "في غضون ذلك، مع وجود المخزون (النفطي الاستراتيجي) عند أدنى مستوى له منذ 40 عاماً، يمكن أن تكون الولايات المتحدة عرضة لأزمة ارتفاع أسعار النفط. وهذا يعني أيضاً أنه خلال أزمة الإمدادات المحلية، ستكون الدولة (الولايات المتحدة) تحت رحمة المصدرين العالميين مثل السعودية وروسيا وبقية منظمة ’أوبك+‘ الاحتكارية. ونتج من عملية السحب أيضاً عاصفة سياسية أخرى، إذ انتقد الجمهوريون إدارة بايدن بسبب السحب القياسي من المخزون".

ما ذكر غير صحيح، إذ إن المخزون لا يزال يحتوي على نحو 345 مليون برميل، وما يحتاجون إليه في حال الطوارئ لا يتجاوز 60 مليون برميل كما تشير البيانات خلال العقود الثلاثة الماضية، كما أنه لا يعرف أحد ما الحجم الأمثل للمخزون حتى يحكم إذا كان مستواه يعرض البلاد للخطر أم لا، ولكن الكاتب تجاهل أهم نقطة على الإطلاق: ثورة النفط الصخري أضافت 9 ملايين برميل يومياً من النفط منذ عام 2010! هذا يعني أن النفط الصخري ينتج ما تنتجه السعودية حالياً من النفط. لماذا تحتفظ الولايات المتحدة بمخزون ضخم أقر في عام 1974 وإنتاجها زاد بمقدار 9 ملايين برميل يومياً، لماذا يتباكون على سحب 180 مليون برميل في عام 2022 والنفط الصخري أنتج أكثر من 3 مليارات برميل في الفترة نفسها! أكرر: 3 مليارات برميل!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما ذكره لغضب الجمهوريين من دون ذكر تاريخ الجمهوريين مع المخزون الاستراتيجي فهي سقطة صحافية أخرى: مرت فترات أراد فيها الجمهوريون إلغاء وزارة الطاقة والمخزون الاستراتيجي بالكامل! ومنذ بداية ثورة النفط الصخري، طالب عدد من الساسة الجمهوريين بخفض المخزون الاستراتيجي لأن وجوده بالحجم الذي كان عليه هدر للمال العام.

والسؤال للصحافي: لماذا تجاهل رغبة ترمب في عام 2018 بيع نصف المخزون الاستراتيجي، وهي كمية تفوق الكمية التي باعها بايدن؟

يقع الكاتب في خطأ آخر: يقول إن متوسط كلفة ملء المخزون في الماضي 29.70 دولار للبرميل، والآن 75 دولاراً للبرميل. وهنا سؤال للقارئ الكريم لتوضيح الفكرة، لو استدان شخص أميركي ألف دولار منذ 40 عاماً من صديق له أو بنك، هل يقبل هذا الصديق أو البنك ألف دولار الآن كوفاء للدين؟ الفكرة هنا أن المقارنة بين 29.70 دولار و75 دولاراً مقارنة خاطئة، 29.70 وقتها تساوي نحو 120 دولاراً بدولارات اليوم.

يتضح الهدف من المقالة التي احتفل بها بعض كبار المغردين السعوديين والمحطات التلفزيونية عندما تتكلم عن المقاطعة النفطية العربية التي حدثت منذ 50 سنة، وتتحدث عن معاناة الأميركيين مع طوابير البنزين، وكيف أن هذه المقاطعة هي التي أدت إلى إنشاء المخزون الاستراتيجي، وكيف أن الولايات المتحدة على رغم ثورة الصخري ما زالت تستورد النفط، ومن ثم فهي في حاجة إلى الإبقاء على المخزون الاستراتيجي للطوارئ.

هنا يقع الكاتب في خطأين، الأول أن حديثه يستلزم بالضرورة وجود مخزون أقل، ومن ثم فإن فكرة خفض المخزون التي ينتقدها التقرير والعناوين المبالغ فيها تتعارض مع هذه الفقرة. والثاني أنه يتحدث عن الواردات والمقاطعة النفطية العربية، ثم يستدل بالأعاصير في خليج المكسيك وانخفاض الإنتاج الأميركي على ضرورة وجود المخزون الاستراتيجي، ما علاقة ذلك بالواردات والمقاطعة العربية؟

الواقع النفطي لأميركا

الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، ورابع أكبر مصدر له، ومن أكبر مصدري المشتقات النفطية، كما أنها أكبر منتج للتقنية المستخدمة في حفر الآبار وإكمالها. وإذا رفعت بعض القوانين البيئية، فإن إنتاج النفط الخام الأميركي سيقفز إلى 15 مليون برميل يومياً بسهولة.

تستورد الولايات المتحدة نحو 7 ملايين برميل يومياً، أغلبها من كندا ودول أميركا اللاتينية. اعتمادها على دول الخليج ضعيف للغاية، إذ تستورد نحو 60 في المئة من إجمالي واردات النفط الخام من كندا، بينما تبلغ نسبة وارداتها من السعودية عشر تلك النسبة: ستة في المئة، ومن العراق 3.7 في المئة.

يبلغ إجمالي مخزون السوائل النفطية في الولايات المتحدة أكثر من 1.1 مليار برميل، منها نحو 345 مليون برميل في المخزون الاستراتيجي، لهذا فإن القول إن هناك "انهياراً" في المخزونات الأميركية هو محض افتراء، لم تقله حتى مقالة "بلومبيرغ".

أما قول فضائية خليجية إن طوابير البنزين ستعود للولايات المتحدة فإن تقرير "بلومبيرغ" لم يقل ذلك أيضاً، وإنما أشار إلى ما حدث أيام المقاطعة العربية منذ 50 سنة. ويبدو أنه غاب عن معد البرنامج للقناة أن النفط في المخزون الاستراتيجي هو نفط خام، ولا علاقة له بوفرة البنزين أو ندرته! كما غاب عنه أن المصافي الأميركية تقوم بتكرير 17 مليون برميل يومياً، وهي كمية أكبر من إنتاج دول الخليج مجتمعة من النفط الخام!

هناك انخفاض في مخزون البنزين في الولايات المتحدة، لكن ما زال المستوى قريباً مما كان عليه في فترات سابقة، وما زال هناك 218.4 مليون برميل من البنزين مخزنة لدى الشركات، علماً أن الولايات المتحدة تصدر نحو 3 ملايين برميل يومياً من المنتجات النفطية منها نحو 800 ألف برميل يومياً من البنزين. احتمال أن يؤدي انخفاض مخزون النفط "الخام" الاستراتيجي إلى طوابير في محطات البنزين هو مجرد وهم، بسبب عدم فهم معد البرنامج للموضوع.

باختصار ليس هناك خوف من الوضع النفطي في الولايات المتحدة، وما ذكر في تقرير "بلومبيرغ" لا يرقى إلى مستوى التقارير الصحافية المرموقة، ولا يتعدى كونه صحافة صفراء، وما تم تداوله عن التقرير في الإعلام العربي ووسائل الاتصال أسوأ مما ذكر في التقرير.

كل ما ذكر كان يخوف من السعودية والدول العربية، وهذا يتناقض مع الواقع ومع مصلحة هذه الدول. هذه الدول مصدر آمن للطاقة، وتحاول جاهدة أن تفصل بين سياساتها الحالية وما حصل منذ 50 سنة.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء