Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من تحرير فلسطين إلى محاربة الأنظمة... الإسلاميون و6 أكتوبر

باتت لجماعات الإسلام السياسي مصالحها الكبرى في المنطقة بعيداً من "إنهاء إسرائيل" كشعار براق لا وجود له في الواقع

رفعت هذه الجماعات السلاح في وجه الأنظمة الحاكمة ولعل رفض "الإخوان" خيار التهدئة بعد ثورة يونيو في مصر خير دليل (أ ف ب)

ملخص

كيف تغيرت البوصلة بالنسبة إلى حركات الإسلام السياسي بعد حرب أكتوبر من المطالبة بتحرير فلسطين إلى محاربة الأنظمة الحاكمة؟

تبنت أغلب تنظيمات الإسلام السياسي مقاربة واحدة التعامل مع الشأن الفلسطيني وضرورة تحرير فلسطين واعتبارها أولوية مهمة يجب أن تحظى باهتمام كبير، في ظل ما تتعرض له المقدسات الإسلامية من "تدنيس" وفقاً لوصفهم، لكن بقي هذا الأمر في سياقه النظري ولم نلمح دوراً مؤثراً في إتمام ذلك أو في الأقل السعي إليه.

في المقابل انتقلت حركات الإسلام السياسي بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) من حقبة السبعينيات إلى حقبة التسعينيات وحتى الوقت الراهن إلى محاربة الأنظمة السياسية الحاكمة، وخفت الحديث عن تحرير فلسطين وبات قضية منسية أو في الأقل ليست في مقدمة الأولويات.

تباين الخطاب

والواضح أن هناك فارقاً كبيراً بين الخطابين الإعلامي والسياسي لجماعات الإسلام السياسي، فتاريخياً كانت الجماعات الرئيسة وأهمها "الإخوان" تعمل وفق مبادئ عامة تؤكد الدور الكبير في تحرير الأرض وضرورة المواجهة وتبني خيارات مباشرة، مما أكسب هذه الجماعات حضوراً شعبياً في مرحلة السبعينيات التي تعد الفترة الذهبية لنشأة أغلب التنظيمات الموصوفة بالإسلام السياسي، ويكاد يكون أغلبها خرج من رحم جماعة "الإخوان"، وتبنى خطابها الإعلامي التعامل مع الحكام والأنظمة و"العدو الصهيوني" على حد تعبيرها، أما تنظيمات "الناجون من النار" و"التكفير والهجرة" و"الفنية العسكرية" وغيرها فتبنت خطاباً عدائياً تجاه المجتمع بكل ما فيه.

وكانت مرحلة ما قبل نصر أكتوبر فرصة حقيقية ومدخلاً عملت عليه جماعات الإسلام السياسي لتأكيد فشل النظام السياسي وتردد القيادة السياسية في شأن الحرب والاستمرار في أجواء هزيمة 1967، وبعد الحرب كانت التحفظات الكبرى على زيارة القدس، التي لم تقتصر على هذه الجماعات فقط بل امتدت إلى مؤسسات دينية كبري في مصر، إذ رفض شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق زيارة المدينة المقدسة، وهو ما تكرر لاحقاً في مواقف عدة.

من ثم فإن موقف جماعات الإسلام السياسي كان رافضاً لنهج الدولة وحاكمها، وانتهى بمشهد المنصة واغتيال الرئيس أنور السادات، ولا يمكن فصل مواقف جماعة "الإخوان" وفروعها والتنظيمات الصغيرة التي خرجت من عباءتها عن موقف "الجماعة الإسلامية" التي تبنت خطاباً عدائياً تجاه ما يجري سواء في استمرار التأكيد على الثوابت ورفض معاهدة السلام مع إسرائيل بل وتجريم موضوع التطبيع، والممارسات الإجرامية التي تقوم بها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، مع تأييد خيارات المقاومة الفلسطينية في غزة أو القدس، وتأكيد أن خيار المواجهة سيبقى رئيساً وأساسياً ولا يمكن إسقاطه.

مقاربات مغلوطة

واللافت أن جماعات الإسلام السياسي تتفق على مقارباتها في الطرح والمواجهة، فبعد حرب أكتوبر انتفى الحديث ولو جزئياً عن فشل أنظمة الحكم التي كانوا يرونها كافرة في مواجهة إسرائيل، وانتقل جزئياً في ما جرى بعد ذلك إلى رفض الخطوات التأسيسية للسلام مع إسرائيل وليس فقط التطبيع أو التسوية في ظل غياب الحل الحقيقي، ونشأت حركتا "حماس" و"الجهاد" وعشرات التنظيمات الأخرى التي ولدت من رحم جماعة "الإخوان" لتواجه التنظيمات المقابلة سواء العلمانية أو اليسارية، وتعمل إلى جوارها في إطار التأكيد على تبني خيار المقاومة ورفض التهدئة أو التسوية، إذ رفضت حركة "حماس" السلام مع إسرائيل أصلاً، ولم تعترف باستحقاقات اتفاق أوسلو، وعلى رغم ذلك دخلت الانتخابات وفق نظامها وحققت انتصاراً وحكمت الساحة الفلسطينية، قبل أن تدبر انقلابها على السلطة الفلسطينية وتستمر في الحكم إلى وقتنا الراهن.

في المقابل رفضت حركة "الجهاد الفلسطيني" كل الاستحقاقات السياسية وفضلت المقاومة إلى اليوم في إطار سيناريو مفتوح مع إسرائيل، ولم تقبل بالتهدئة بل بقي نظامها الأساسي يدعو إلى مواجهة إسرائيل، فيما قامت حركة "حماس" بتغيير نظامها إلى إعداد وثيقة شهيرة اعترفت فيها بحدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 مما يعني إسقاط مبدأ "من النهر إلى البحر".

مع ذلك رفعت هذه الجماعات السلاح في وجه الأنظمة السياسية الحاكمة، ولعل رفض جماعة "الإخوان" خيار التهدئة بعد ثورة يونيو في مصر يعد دليلاً على هذا، إذ تبنت مقاربة المواجهة والعنف وبناء مظلومية جديدة في مواجهة الجمهور المصري والنظام السياسي الجديد، ولم يعد للجماعة أي حضور في الملف الفلسطيني أو العربي، واقتصر الأمر على بيانات إعلامية في بعض المناسبات من دون التطرق إلى تفاصيل محددة، كما استمرت سياسة الجماعة تعمل في إطار محدد، ورفضت كل ما يجري بصرف النظر عن بعض المبادرات السطحية التي أطلقها شباب بالجماعة من دون عمق حقيقي للتصالح، على رغم أن قيادات الجماعة لم تقدم على طرح مراجعات حقيقية للعودة للوطن وأغلقت الباب أمام أية مصالحة.

وبمقارنة وضع جماعة "الإخوان" بـ"الجماعة الإسلامية" فإن الأخيرة نجحت في تقديم مبادرات للمراجعة وكتبوا وثيقة "الإمام فضل" وخرجوا من السجون وعادوا للوطن، ومنهم كرم زهدي وناجح إبراهيم وآخرين، ولكن مع فترة حكم "الإخوان" وما بعدها انقلبت بعض قياداتهم على النظام السياسي وثاروا عليه.

نماذج فجة

هناك حالات أخرى تحتاج إلى مراجعات وإشارات من نوع خاص، فجماعة الإخوان المسلمين في الأردن تبنت مقاربات نفعية مع الحكومة والملك والأجهزة الأمنية التي وافقت على إنشاء جمعية لهم لمناكفة الجماعة الأم التي دخلت في جدال مستمر لم يحسم، على رغم أن الملك عبدالله الثاني اعتبر أن جماعة "الإخوان" جزء من النسيج المجتمعي، وبخاصة أن لها أحزاباً سياسية رسمية تعمل في وضح النهار ودخلت الاستحقاقات السياسية تباعاً وتم تمثليهم في مجلس النواب والأعيان، مع ذلك يطالبون بالملكية الدستورية ويقودون دورياً الحراك الشعبي بخاصة في معاقلهم بالجنوب.

الأمر نفسه يتكرر في الجزائر، ومع فارق التجربة فإن مساحات التحرك أمامها محدودة بخاصة مع وجودها في ساحة لها خصوصياتها في المنطقة المغاربية بأكملها، ولهذا لا تقارن الأوضاع الحالية أو حتى السابقة بما قامت به حركة "الإنقاذ" التي روعت الدولة الجزائرية وأدخلتها في دائرة فراغ لسنوات، مع الوضع في الاعتبار أن هذه الجماعات سواء في حال الجزائر أو المغرب مروراً بفلسطين ومصر انتقلت من مبادئها العامة وشعاراتها البراقة الخاصة بالتغيير والمواجهة لاستعادة فلسطين لمواجهة أنظمة الحكم مستخدمة خيار القوة في التغيير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثم خرج تنظيم "داعش" في العراق وسوريا ليؤكد على قدراته وقوته في مواجهة أنظمة "مارقة ودموية" بحسب وصفه، وإلى أن دحر دولياً وإقليمياً ظل التنظيم يرفع شعار المقاومة والمواجهة، وعندما سأل أبو محمد العدناني عن سر عدم مواجهة إسرائيل وتحرير القدس، أجاب "إنها ليست على رأس الأولويات وسيأتي دورها"، وهكذا لم يستهدف "داعش" إسرائيل ولم يوجه لها عملية واحدة على رغم أن عشرات من التنظيمات التابعة للفكر الإرهابي موجودة في الضفة الغربية وفي غزة، وتمثل الحركات السلفية رافداً مهماً لها.

لكنها لم تستهدف إسرائيل أو أمنها، بل ولم يلاحظ سوى إصدار بيانات متقطعة حول الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ومن ثم لا يمكن لمثل هذه الجماعات الادعاء بأهمية فلسطين أو ضرورة تحرير أراضيها أو الذهاب إلى القدس أو حماية المقدسات الإسلامية ورفض الاستيطان والتهويد لمدن الضفة، والأمر نفسه يتكرر مع تنظيم "القاعدة" الذي يتحدث في خطابه العام عن دحر إسرائيل وتحرير الأراضي الفلسطينية من "دنس الصهاينة" على حد تعبيرهم.

توافقت المصالح إذاً بين هذه الجماعات وتنظيم "القاعدة" على عدم استهداف إسرائيل والاتجاه بدلاً من ذلك لمواجهة الأنظمة الجائرة التي لا تعمل لصالح شعوبها، واستبدلت هذه الجماعات هدفها في مواجهة إسرائيل إلى استهداف أنظمة الحكم في العالم بأجمعه، وخرجت لتقوم بعمليات إرهابية في مختلف الدول، وتتابع تشكيل جماعات فرعية في عشرات الدول رفعت شعارات المواجهة والاستهداف لتحقيق أهدافها.

تشترك إذاً معظم الحركات الإرهابية في أنها تتجنب الدخول في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وتعتبره أمراً غير ذي معنى بالنسبة إليها، ولكنها في الوقت نفسه تدخل في صراع دموي واسع النطاق مع الأنظمة والشعوب المسلمة وتقوم بالأعمال التفجيرية والانتحارية وسط المدنيين في تلك المجتمعات، واستمرت "القاعدة" طوال عقود من عملها على هذا المنوال، وواصل تنظيم "داعش" أنشطته على الطريقة نفسها.

بعض التصريحات خرجت من شخصيات سلفية أو قريبة إلى نهج "السلفية الجهادية" لتوضيح موقفها من عدم قيامها بمساعدة الجانب الفلسطيني، وجاءت هذه التصريحات في مقاطع فيديو أو تغريدات اعتماداً على ما يدعون أنها فتاوى شرعية تقوم على ركيزتين، الأولى أن "الجهاد يجب أن يكون بقيادة شرعية"، وهذا ما يعبرون عنه بـ"الآية والأمير"، ويعني أن "من يقوم بالجهاد يجب أن يتبع أميراً حاصلاً على الشروط الشرعية للإمامة الدينية والسياسية في آن معاً، وأن هذا الأمير رفع راية الجهاد، وبما أنه لا وجود للأمير أو الراية في فلسطين، فالقتال أيضاً لا يجوز هناك".

الركيزة الثانية أن تطهير المجتمع الإسلامي له أولوية بالنسبة إلى مقاتلة المجتمعات غير الإسلامية، فطالما أن هناك أنظمة غير مسلمة في البلاد الإسلامية، وهناك مرتدون في العالم الإسلامي، فيجب البدء بقتالهم وتطهير العالم الإسلامي منهم ثم الاتجاه نحو إسرائيل والبلاد غير الإسلامية الأخرى، وعلى هذا الأساس يرون أن قتال "حماس" بوصفها حكومة غير شرعية من وجهة النظر السلفية مقدم على قتال إسرائيل.

الخلاصات الأخيرة

من الواضح أن مقاربة فلسطين والدفاع عنها لم يعد لها حضور حقيقي في أجندة أولويات هذه الجماعات سواء في الإقليم أو خارجه، ومع توالي دعوات التغيير في الشرق الأوسط انحسر الاهتمام أصلاً بالقضية الفلسطينية، وربما لاستمرار حال الانقسام بين الضفة وقطاع غزة، واتجاه هذه الجماعات لاستهداف أنظمة الحكم والعمل على إحداث التغيير المنشود وفقاً لرؤيتها ومبادئها مستخدمة في ذلك خيار القوة والقيام بالأعمال الإرهابية تأكيداً لحضورها في المشهد الإقليمي والدولي، لم تختلف جماعة مركزية مثل "الإخوان" عن تنظيم "داعش" أو حتى تنظيم عالمي مثل "القاعدة"، الذي ما زال يعلن نفسه في نسخ مكررة في دول متعددة، مما يؤكد أن جماعات الإسلام السياسي لها مصالحها الكبرى في استهداف أنظمة الحكم وليس تحرير فلسطين أو إنهاء إسرائيل من الوجود كما تعلن كشعار براق ليس له وجود حقيقي على أرض الواقع.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل