Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في محبة يوتوبيا الخرسانة

كتاب "مدينة اليوم الميتة" لديس فيتزغيرالد يقول فيه إن "المدن وبال علينا ملوثة وصاخبة ومنافية جوهرياً للطبيعة"

مدينة تيلوسا المستقبلي في الولايات المتحدة كما يتخيلها مصممها (مواقع التواصل الاجتماعي)

هدد عماد أبو صالح بقطع علاقته بي تماماً إن أنا عدت إلى مثل ما قلته. وما قلته، مشيحاً بيدي، هو هذا: وهل لدى الهنود الحمر حضارة أصلاً؟ الحقيقة أنني لم أصادف أحداً أشد حباً للهنود الحمر وتعاطفاً مع مأساتهم من الشاعر المصري عماد أبو صالح (الذي أعتزم أن أكتب هنا قريباً عن كتابه الحديث "يا أعمى" لتكون المرة الأولى ولعلها الأخيرة التي أتناول فيها كتاباً مؤلفاً بالعربية).

وعبثا حاولت أن أوضح له أني قصدت تحديداً أن الجانب المادي في حضارة سكان أميركا الأصليين لم يكن قابلاً للتطور بحيث يستوعب تعقيد العالم الحالي، خلافاً للجانب الروحاني والفكري. فكيف يمكن تطوير الكوخ؟ كيف يمكن تسكين هذه المليارات من البشر في أبنية مستلهمة من الأكواخ؟ هكذا تساءلت فأجابني بأنني أقمع الشاعر في نفسي، وأتحالف مع أعدائه الذين لا يريدون العالم إلا مادياً جامداً رافضاً روح الإنسان. وربما كان عنده حق.

فها هو كتاب حديث صدر بعنوان "مدينة اليوم الميتة" من تأليف ديس فيتزغيرالد أستاذ الدراسات الإنسانية الطبية والعلوم الاجتماعية بجامعة كوليدج كورك في إيرلندا ويوشك فيه أن يقول مثل قولي، بل بصورة أعنف.

وهكذا يروج الناشر للكتاب، "المدن وبال علينا. ملوثة، صاخبة، منافية جوهرياً للطبيعة. ونحن في حاجة إلى فضاء أخضر، لا خرساني. أشجار لا أبراج. هكذا تمضي الحجة الشائعة، لكن أهي صحيحة؟ يأخذنا ديس فيتزغيرالد في رحلة ضرورية لا تنسى إلى مستقبل حياة المدينة، مؤسساً حجة بوجوب الاحتفاء بمدننا كما هي قائمة اليوم، بكل ما فيها من مجد صاخب ومصطنع ومبني".

لا يكتفي ديس فيتزغيرالد بالثناء على مدننا، الخرسانية المادية، بل إنه يتجاوز ذلك إلى محاربة حلفاء منطقيين للإنسان، من قبيل الخضرة. ففي استعراض مجلة "كيركوس رفيو" للكتاب أن مخططي المدن استسلموا إلى فكرة أن مزيد من المساحات الخضراء تؤدي إلى مدن أفضل وآمنوا بأن "في مدننا ببساطة ما هو وبال علينا".

ولا جدال في أن المدن التي توافد إليها البشر منذ فجر القرن الـ19 كانت مزدحمة وقذرة وضارة بصحة أي شخص عدا الأثرياء. ومع تقدم هذا القرن، قللت الإصلاحات والتكنولوجيا من أسوأ هذه السمات، لكن حتى يومنا هذا، يبقى من الاعتقادات المقبولة أن المدن المزدحمة هي محل التوتر والمرض العقلي.

ومنذ أواسط القرن الـ19 توصل مخططو المدن من أمثال فردريك لور إلى الحل، "لنرجع بالعالم الطبيعي مرة أخرى إلى المدينة، فما عادت المدنية مدينة أصلاً"، ولكن حديقة هائلة الحجم فيها مئات المباني فيوضع المواطنون في ناطحات سحاب مبعثرة وسط مساحات شاسعة من الأراضي المفتوحة مخصصة للراحة واللعب، وتتصل عبر طرق سريعة متعددة الحارات بمناطق بعيدة مخصصة للمكاتب والمصانع.

المستقبل هو الماضي

يكتب ديس فيتزغيرالد عن مدينة تيلوسا التي يجري إنشاؤها من الصفر في الولايات المتحدة و"يقود بناءها رجل الأعمال شديد النجاح مارك لور. ويلاحظ القائمون على المشروع أن مدننا القائمة حالياً غير ناجحة بالقدر الذي نرغب فيه. فهي غير مستدامة أو كفؤة، ويستشري فيها التفاوت (بين الناس)".

يعترف فيتزغيرالد أن "المدينة في أكثر الأحيان ليست بالمكان اللطيف، فهي غير مرحبة أو احتوائية. وتمتلئ في الغالب بالتوتر. فيركز مشروع تيلوسا على فلسفة المساواتية الاقتصادية، وذلك لأنه فور الشروع في تطوير منطقة، ترتفع قيمة الأرض فيها كثيراً. وبموجب المساواتية، لا تصب هذه القيمة المتصاعدة في جيب مالك الأرض، فرداً كان أم شركة، ولكن يتوجه صعودها إلى وقف جماعي يخصص ريعه لمشاريع من قبيل الرعاية الصحية وما إلى ذلك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"يقول مارك لور إنه استلهم هذه الفكرة من عالم الاقتصاد في العصر الفيكتوري هنري جورج، الذي ألهم أيضاً بمشروع تجديد حضري شهير قديم بعض الشيء يعرف بـ"حركة المدينة الحدائقية" الذي بدأ في إنجلترا في نهاية القرن الـ19 ثم انتشر في العالم. وتشترك المدينة الحدائقية وتيلوسا في دافع واحد هو بناء فضاءات حضرية أكثر اخضرارا وطبيعية واستدامة".

يكتب فيتزغيرالد "لقد زرت أحد مشاريع حركة المدينة الحدائقية هذه، وهي ويلوين غاردن سيتي، التي لا تزال قائمة إلى اليوم غير بعيد من لندن. وأكثر ما لفت نظري هو مدى التشابه بين رؤية المستقبل الحضري في 2023 وما كان الناس يرونه ويسعون إليه قبل 150 سنة في عصر شديد الاختلاف. وفي ظني أنه قد تكون ثمة مشكلة في أن يكون تصورنا للمستقبل الحضري في واقع الأمر محض ردة، تضرب بجذورها في الفكر الاقتصادي والاجتماعي للقرن الـ19.

"قد لا يكون لنا كثير من المستقبل الحضري أصلاً. قد لا نرى عند النظر إلى الأمام إلا خطوة إلى الوراء في مفهومنا عن ماهية المدينة، والطبيعة، والعدالة، وعن شكل الحياة الإنسانية الطيبة".

الخرسانة أيضاً طبيعية

يضرب فيتزغيرالد أيضاً فكرة حبيبة لدينا عن الطبيعة، وهي أننا نكون أكثر ارتياحاً بين أحضانها. ويستعين على ذلك بعالم الأحياء التطورية إدوارد ويلسن الذي أسس مفهوم "الولع الحيوي"، ويقصد به أن إرث البشر التطوري غرس فيهم ارتباطاً غير واعٍ بالكائنات الحية، وذلك من جراء العيش طويلاً في بيئة طبيعية سابقة لحضارتنا الحديثة. ويقول إنه "ما من سبب وجيه للقول إن الخرسانة (وهي مادة شديدة القدم مصنوعة من مواد طبيعية تماماً) هي أقل انتماءً إلى الطبيعة من الخشب. ما من سبب للقول إن البرج الجميل الدافئ المعزول حرارياً المقام بالكامل من خامات وجدناها نحن البشر حولنا هو أقل انتماءً إلى الطبيعة من بيت الشجرة. فكرة أن البرج ليس من الطبيعة فكرة غير محترمة فلسفياً أو مادياً، وما هي غير انحياز ثقافي".

"ماذا لو أن ما نسميه الطبيعة ليس شيئاً، ليس مادة أو بيئة، ولكنه بالأحرى فكرة في أذهاننا عن العالم؟ ماذا لو أن الطبيعة اسم لفكرة أن طريقتنا الراهنة في الحياة غير جيدة، وأننا غير متوازنين بيئياً وسيكولوجياً؟ ماذا لو شرعنا في الفصل بين الفكرة والمادة؟ ماذا لو حاولنا حل أزماتنا الكثيرة مع تلك القصة المسماة بـالطبيعة؟ ماذا لو تخلينا عن المفاهيم الرديئة، من قبيل الولع الحيوي؟ قد نستطيع حينئذٍ أن نفكر بصورة أفضل وأقوى في العالم الذي نرغب فعلاً في أن نعيش فيه".

أسباب الجنون الحقيقية

وينقض فيتزغيرالد في كتابه فكرة أخرى شائعة منذ منتصف القرن الـ20 مفادها أن ثمة علاقة بين فضاء المدينية والصحة النفسية وأن في تجربة الحياة المدنية ما قد يتحول إلى مشكلة صحية كبيرة لبعض الناس، فمنذ أن بدأ العلماء يعدون إحصاءات الأمراض العقلية الشائعة لدى نزلاء المصحات النفسية الأولى "عرفنا أن العيش في مدينة، أو الميلاد فيها، أو الانتقال إليها، يزيد خطر الإصابة بمرض عقلي، لكننا لا نعرف سبب هذا على رغم قرن من البحث العلمي. وأخيراً صار الناس يفسرون ذلك بالبيئة المادية".

"ثمة بحوث كثيرة تذهب إلى أن الغياب النسبي للمادة الطبيعية في المدن هو سبب هذه المشكلة. وما من شك في وجاهة القول بدور قوي، ولعله عارض، للحياة المدينية في المرض العقلي لدى كثير من الناس، لكن ما من شيء جوهري في المدينة يتسبب في هذا. ما من خصيصة فريدة في المدينية لها هذا التأثير في الناس، لكن من يحاولون إدانة عامل المدينة إنما يبحثون عن اتصال بالفضاء الأخضر. ومع أن الطرح لطيف، لكن هذا العامل أقل إزعاجاً من أشياء أخرى من قبيل عدم أمان السكن، وعدم استقرار العمالة، وضغط العمل، والتفاوت، والإحساس بأن الحياة صراع".

"أخشى أننا حينما نخبر الناس في المدن بأن يهتموا بصحتهم بقضاء استراحة الغداء في حديقة أو شراء نباتات لمكاتبهم، فإننا نصرف أنظارهم عن المشكلات الاجتماعية المملة الصعبة المعقدة التي لا يريد كثير من الناس (وبخاصة أصحاب السلطة والثروة) أن ننظر إليها. فأسهل وأرخص أن تطلب من الناس زيارة غابة في العطلة الأسبوعية من إصدار تشريع في شأن الحد الأدنى لعقود العمل أو بناء مساكن اجتماعية جماعية.

يكتب فيتزغيرالد أن الجدل في هذه النقطة متشعب، ولكن "لو أردنا أن نتناول بجدية العلاقة بين الصحة الذهنية والضغط المديني، فعلينا أن نتوقف عن الحديث عن الأشجار".

قناع الطبيعة

يبدد مؤلف "مدينة اليوم الميتة" أيضاً فكرة شائعة بأن للعمارة أثراً على الروح. "يقول البعض إن العمارة الحديثة عديمة الروح، مملة، وغير مقامة من أجل البشر، وأنها تخلت عن المعرفة والحكمة التي تراكمت للمعماريين على مدى القرون. وينطلقون من هذا وصولاً إلى الزعم بأن الطرز التراثية أو الكلاسيكية تجعلنا أفضل حالا، وأنها خير لسكنانا، بل إنها قد تجعل منا أشخاصاً أفضل".

والحقيقة أن هذا الطرح المعماري إنما يتخفى - بحسب فيتزغيرالد - وراء رطانة جمالية أو صحية وهو في حقيقته طرح سياسي مناهض للقيم الاجتماعية والاقتصادية مثلما تعبر عنها بيئتنا المبنية"، وذلك جوهر ما قاله الفيلسوف روجر سكراتون في سبعينيات القرن الماضي الذي كان يعادي العمارة الحديثة فلا يراها رديئة أو قبيحة وحسب، وإنما عديمة الأخلاق.

 

 

يقول فيتزغيرالد "أعتقد أننا ينبغي أن ننصت إلى من يتكلمون عن الطرز التراثية باعتبار أنهم يتكلمون عن أخلاقيات تراثية، ولعلهم يقيمون حجة محافظة دفاعاً عن الترتيبات الاجتماعية والسياسية ذات الطبيعة الهيراركية، المنافية للمساواة، وغير الديمقراطية، فذلك ما كان يسود العالم قبل القرن الـ20".

ويمضي فيقول إننا ينبغي أن نشرع في تقدير النسيج المعماري للعالم الحديث، لأنه يحوي ويجسد قيمنا الحديثة من قبيل دولة الرفاه، والإسكان الكثيف، والدمقرطة، والنزعة الاستهلاكية، والتنوع، والمرح. فالعمارة المحيطة بنا كلها سياسة".

يوتوبيا الأثرياء فقط

يحكي فيتزغيرالد "عندما زرت للمرة الأولى مدينة ويليوين الحدائقية، وهي في جوهرها ضاحية ثرية، أتذكر خاطرا خطر لي وهو أن هذه يقيناً هي اليوتوبيا، ولكن: يوتوبيا من؟ لقد عفا الزمن على الرؤية الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزت حركة المدينة الحدائقية، ولم يبق منها إلا جيب مسور رمزياً مقصور على الأثرياء، فعلى جانبي الطرق سيارات الدفع الرباعي والسيارات الضخمة، والبيوت الجميلة".

ويروي أيضاً أن الفكرة الفاسدة التي استولت على مؤسسي حركة المدينة الحدائقية من أمثال إبينيزر هوارد هي الفكرة الفاسدة التي لا تزال قائمة اليوم، وهي أن المدينة تقنية لإصلاح العالم وأن "أفقا معينا من الإصلاح الاجتماعي والنفسي ينشأ عندما نصلح مبانينا، ونخطط لبعض المناطق السكنية اللائقة، ونضيف بعض الخضرة على الأسطح. فثمة وهم مفاده أن البيئة المادية والعمارة ينطويان على وصفة للمجتمع الجيد، وعلى طريق ملكي ما إلى مستقبل أفضل".

يتساءل فيتزغيرالد، ماذا لو نحينا هذه الرؤى كلها جانبا وتعلمنا أن نحب الأماكن الحقيقية التي نمتلكها الآن، بكل ما فيها من فوضى وتنوع وارتباك، بل وتفاوت وتوتر؟ "ولن يعني هذا أن نتخلى عن محاولات تحسين مدننا، إنما يعني أن نتوقف عن تأجيل المستقبل وانتظار ما لن يأتي".

في استعراضه للكتاب (ديلي تلغراف ـ 8 يناير 2023) يكتب دارين أندرسن أن فيتزغيرالد يفرض على نفسه تحدياً كبيراً هو أن يواجه مسلمة شائعة بين مخططي المدن، وبيننا جميعاً في واقع الأمر، وهو أن المدينة الملوثة الضاغطة الصاخبة عبء على سكانها، ليتساءل: هل هذا صحيح؟

يكتب أندرسن أن "لفيتزغيرالد عينا لاقطة للتناقضات، وموهبة في استخلاص الأفكار العظيمة من غير مظانها" والحق أننا قد نختلف مع كثير من أطروحات فيتزغيرالد، وقد لا نرتاح إلى بعضها، بل إن منا من قد يختلف معها جميعاً، لكن لا أحس أن منصفاً يمكن أن يزعم أن أفكاره جميعاً ليست طريفة، وطازجة، ومحرضة دائماً على التفكير وإعادة النظر في مسلمات".

غير أنني أحدس، ولا أزيد عن اعتباره أكثر من حدس، أن دافع فيتزغيرالد العميق إلى تفكيره هذا كله هو الخوف من القديم، الخوف من عودته، وتملكه مرة أخرى لزمام الحياة. وقد يكون محقاً في هذا. فحيثما يعيش، قد يكون الحاضر تخلص من كثير من الطغيان، سواء طغيان مؤسسة الحكم أو مؤسسة الدين، واقترب بعض الشيء من يوتوبيا المساواة بين البشر، وتلك، وإن تكن خطوات محدودة نحو مثال بعيد، مغانم ثمينة جديرة بأن يخشى عليها من بطش اليمينيين والشعبويين الذين قد يتخفون وسط غصون الشجر. ولعل رضاه هذا عن الحاضر هو الذي يجعله زاهداً حتى في المستقبل، لكن لعل الخوف هو الذي جعله كثيراً ما يخلط بين القديم والجميل، والقديم والمريح، أو يجعله يتحوط فرفض حزمة كاملة من القيم، خوفاً من بعض ما يندس وسطها من مخاوف مشروعة.

ومرة أخرى قد يكون فيتزغيرالد محقاً في تخوفه. فلو أنه أدار عينيه إلى مناطق أخرى في العالم، ولا بد أنه أدارهما، لرأى الماضي حاضراً، متمكناً، يقيم مدائن في الصحارى لا تصلح لسكنى غيره.

عنوان الكتاب:  The City of Today is a Dying Thing

تأليف:  Des Fitzgerald

الناشر: Faber

اقرأ المزيد

المزيد من كتب