Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إثارة الجدل غاية صناع الدراما الرمضانية

أحداث غير منطقية ومشاهد مستفزة لركوب موجة "الترند" واستقطاب تفاعل الناس على الـ "سوشيال ميديا"

مجمد إمام مع الممثلين في كواليس "كوبرا" (وسائل التواصل)

ملخص

لجأ صناع الدراما للتعويض عن الضعف في أعمالهم إلى افتعال أحداث غير منطقية وبعيدة من الواقع وتسلسل الأحداث لخلق البلبلة، خصوصاً وأن اللعبة الدرامية أصبحت تعتمد إلى حد كبير على تفاعل الناس عبر الـ "سوشيال ميديا"

يتعمد بعض صناع الدراما إثارة الجدل في أعمالهم، وهذا الأمر يبدو واضحاً في الموسم الرمضاني 2024 حتى إنه ينسحب على الأعمال الناجحة.

وتبدأ فبركة إثارة الجدل مذ لحظة الإعلان عن ولادة العمل وتمتد إلى مراحل عرضه، عبر آلية ترويجية تعمل شركات الإنتاج على إشعال شرارتها بخطة تسويقية وتحريض مقصود للفت أنظار الناس وإخضاعهم لعملية غسيل الدماغ، وتبقى لكل شركة منتجة أساليبها الترويجية لإثارة حفيظة الناس وتفعيل اللغط حولها وفق خطط مطبوخة مسبقاً.

ولأن النسبة الأكبر من الأعمال الدرامية تفتقد هذا العام إلى النصوص الجيدة، لجأ صناع الدراما للتعويض عن الضعف في أعمالهم إلى افتعال أحداث غير منطقية وبعيدة من الواقع وتسلسل الأحداث لخلق البلبلة، خصوصاً وأن اللعبة الدرامية أصبحت تعتمد إلى حد كبير على تفاعل الناس عبر الـ "سوشيال ميديا"، وهذا ما دفع صناع دراما آخرين إلى اعتماد النهج نفسه من خلال تمرير مشاهد مستفزة أو مبالغ فيها، على رغم حرصهم على تقديم دراما جيدة نصاً وإخراجاً وتمثيلاً لأنهم اعتبروا أنهم بذلك يخدمون العمل ويدفعون المتفرج  إلى التمسك بمشاهدته طوال فترة عرضه، خصوصاً في ظل منافسة ظالمة لا ترحم في الموسم الرمضاني. 

فمن هم صناع الدراما الذين تعمدوا إثارة الجدل في أعمالهم؟ وما موقف النقاد وصناع الدراما أنفسهم من دورها وجدواها؟

ثيمة التأصيل للهوية

الناقد خالد ربيع السيد يفرق بين نوعين من إثارة الجدل المتعمدة ويوضح لـ "اندبندنت عربية" أن "الأول مبني على نص يعرف صناعه مسبقاً أنه سيخلق جدلاً مثل ’صلة رحم‘ الذي يتناول موضوع استئجار الأرحام من خلال دراما اجتماعية تطرح كثيراً من التساؤلات على المستوى القانوني والاجتماعي والشرعي، أي أن الأرضية ممهدة منذ البداية لاشتعال الجدل، وكذلك ’ألو تاكسي‘ الذي يسلط الضوء على قضايا اجتماعية وثقافية في العراق في إطار كوميدي، وصب بعضهم جام غضبه على الألفاظ غير المناسبة لشهر رمضان، ولكنه بدا لي جدلاً حقيقياً وغير مفتعل، لأنه لم تنظم له حملات دعائية كما يفعل المصريون والخليجيون، مع أنني لا أستبعد أن تكون القناة المنتجة للمسلسل قد أعجبها ذلك وربما عملت على تأجيج نيران النقاشات، وكذلك ’زوجة واحدة لا تكفي‘ الذي يتناول تعدد الزوجات والزواج العرفي وزنا المحارم، ووصل الأمر إلى حد المطالبة بإيقافه، إضافة إلى ’الحشاشين‘ الذي يكفي عنوانه لإثارة انتباه الجماهير، وهناك من يرى أن الانتقاد الذي واجهه في الأيام الأولى لعرضه لأنه استخدم اللهجة المصرية العامية كبديل للعربية الفصحى مُعد له ضمن إستراتيجية التسويق والترويج من قبل الشركة المنتجة، عدا عن أن الترويج اتجه نحو إثارة المثقفين والمذهبيين والطائفيين، من جهة التحليل المعرفي والحكم والتظلم من التضييق على ممارسة نشاط الدعوة إلى المذهب الإسماعيلي في مدينة الري، ليبدأ حسن الصباح نشر دعوته في القاهرة التي كانت تحت الحكم الفاطمي، وهذا يفتح أبواباً واسعة للخوض والجدال والتراشق والاختلاف، وكله مدرك ومحسوب وقيد التخطيط والبروباغندا الممنهجة".

ومع أن بعض النقاد يرون أن إثارة الجدل مفتعلة وتسللت إلى بعض الأعمال الخليجية من خلال الاستعانة بممثلات لا يمانعن تقديم الأدوار الجريئة، إلا أن السيد له رأي مختلف إذ يقول "الدراما السعودية والكويتية تماهت مع ثيمة التأصيل للهوية والمكونات الاجتماعية الإنسانية التي تلامس المشاهدين، سواء في ’خيوط المعازيب‘ المسلسل السعودي الملحمي الذي يثير جدلاً ايجابياً ونقاشاً حميمياً يسعى إلى تكريس القيم الرفيعة التي يتمتع بها أهل الأحساء، بينما ذهبت الدراما الكويتية إلى زمن المسغبة الصعب على أهل الكويت من خلال ’الفرج بعد شدة‘ الذي تدور أحداثه في القرن الـ 19 حين عاش الكويتيون سنوات صعبة وعانوا الجوع والكساد والمرض، وكانت مرحلة كشفت عن قوة الشعب ومقاومته وصموده، وهي صفات تعزز الانتماء وحب الوطن".  

سينما هندية

أما الدراما المصرية التي افتقرت إلى النصوص الجيدة ولجأت إلى استنساخ بعض النصوص أو الاستعانة بورشة كتاب فإنها أطلت بشكل مضعضع، مما دفع صناعها إلى استدراك هذه المشكلة والتعويض بطرق مختلفة، كما حصل في ’لانش بوكس‘ وهو النسخة المصرية من المسلسل الأمريكي (Good Girls)، إذ أثار مشهد البحث عن الطفل يوسف في الحلقة السادسة جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبره المشاهدون محاولة للبحث عن "ترند" على حساب دماء أطفال غزّة، لأن إحدى بطلات المسلسل استخدمت عبارة "شعره كيرلي وأبيضاني وحلو"، وهي عبارة كانت قد رددتها والدة الطفل الفلسطيني يوسف عند البحث عنه في المستشفى قبل أن تتفاجأ باستشهاده، مما دفع بالكاتب عمرو مدحت إلى نشر النص الأصلي للمشهد والذي كتب فيه ’أسمر شوية كده ولابس نظارة‘ ليتبين أن هناك من غَيّر النص الأصلي للمشهد.

لكن الناقد الصحافي خالد شاهين يؤكد أن المخرج محمد سامي هو أكثر من سعى إلى افتعال الجدل لكي تنتشر أعماله، ويقول "هو يتعمد الأحداث اللامنطقية، وكل من شاهد مسلسل ’نعمة الأفوكادو‘ وخصوصاً السيدات شعر بالضيق والانزعاج من تصرفات نعيمة مع زوجها واتهموها بالغباء، فالمبالغة واستفزاز الجمهور عنصران أساسان في أعماله خلال السنوات الخمس الأخيرة لأنه شارك في كتابتها، لكنه كمخرج حريص على صورته ولا يعبث فيها أبداً، وكذلك لجأ المخرج أحمد خالد موسى في ’العتاولة‘ إلى أحداث تنتمي للسينما الهندية، عدا عن أن البناء الدرامي للشخصيات غير منطقي ومبالغ فيه، وحتى الأحداث نفسها غير منطقية ولكن ليس بالقدر نفسه الذي يفعله محمد سامي، كما سيطر اللامنطق على أحداث ’كوبرا‘ لمحمد عادل إمام الذي أخذ جزء كبيراً منه من فيلم والده ’المشبوه‘ وأخذ الأداء التمثيلي عن فيلم ’إبراهيم الأبيض‘ وأيضاً بالغت نادين خان مخرجة ’مسار إجباري‘ في استعمال الأنسرتات بين المشهد والآخر، مع أنها لا علاقة لها بأحداث المسلسل ولا تفسير لما فعلته سوى السعي إلى إثارة الجدل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ملكة إثارة الجدل

وعلى رغم نجاحها إلا أن الدراما السورية وجدت أن تعمد إثارة الجدل جزء أساس من حضورها وتصدرها المشهد الدرامي، وخصوصاً في أعمال المخرجة التي تلقب بملكة إثارة الجدل رشا شربتجي، والتي خطفت بمسلسلها "ولاد بديعة" النسبة الأكبر من المشاهدين في الوطن العربي، ولكن شربتجي ردت على هذه التهمة قائلة "لا أتعمد الحقيقة" مكتفية بهذا التعليق لانشغالها بتصوير العمل والمونتاج. 

بينما أشار المخرج محمد زهير رجب إلى أن إثارة الجدل تكون مقبولة في الأعمال التي تطرح قضايا تهم المجتمع، لأنها تلفت الانظار ويحصل تجاذب في الآراء خلال النقاش ويكون الجدل إيجابياً، ثم يردف "لكن هناك أعمالاً تفتعل لفت النظر بطرق مجانية وبلا هدف لجذب المشاهد، ولا تطرح تساؤلات أو نقاشاً مفيداً يغني هذه القضايا أو يبحث عن حلول لها، أما الأعمال الناجحة فتكون الإثارة المتعمدة فيها ضرورية لتحريك المشاهد وإثارة التساؤلات والنقاش، وقد يحصل ذلك أحياناً من خلال تجاوز المحظورات، وقد يكون الهدف منها إضفاء الواقعية أو البحث عن مزيد من المتابعين، وهذا المسار يبدو واضحاً في بعض الأعمال التي تقدمها الدراما السورية وينسحب أيضاً على بعض الأعمال العربية أيضاً، ولكنه لا يخدم العمل دائماً".

الـ "سوشيال ميديا" هي التي فرضت هذا المسار، لأن معظم متابعيها من جيل الشباب من وجهة نظر رجب الذي يردف، "أنا أعذر القائمين على الدراما أحياناً طالما أن هدفهم جذب هذه الشريحة العمرية من خلال استخدام أساليب وعبارات ومشاهد ومقولات تتناسب مع الشارع الشبابي، ولكنها تذهب مع الريح وتنتهي عند انتهاء العمل من دون الوصول إلى أية نتيجة، كونه لم يطرح أو يناقش قضايا أساس تهم المجتمع، وصحيح أن المتعة والتسلية والفرجة من ضمن أهداف الدراما ولكنني ضد أن تكون مجانية في المطلق، وصناع بعض الأعمال يلجأون إليها وإلى الاستعراض المجاني الذي لا يخدم قضية اجتماعية، بل يلامسها من بعد وبشكل سطحي".

الإثارة تساوي دراما

لكن الناقد الدكتور جمال فياض يرى أن التعمد في إثارة الجدل أحد أسباب وجود الدراما، ويوضح رأيه قائلاً "الدراما وجدت من أجل الإثارة، سواء من خلال المشاهد أو الموضوع أو الكلام والمشاهد المبتذلة، وإلا فلا مبرر لها وكل صناعها يسعون إلى حضورها في أعمالهم، وفي حال لم تحقق المطلوب منها يبدأ التحرش بالـ ’سوشيال ميديا‘ ووسائل الإعلام والصحافة لاختراع قضية مثيرة للجدل تجذب المشاهد، وجذب المشاهد يعني النجاح والنجاح يعني المال، حتى إنهم يمكن أن يلجأوا إلى تحريض أحد  المحامين لرفع قضية، ليعود ويتبين أنها وهمية كما حصل في بعض المسلسلات المصرية التي رفع عدد من المحامين قضايا عليها، واقتصر الأمر على الإضاءة عليها في الصحافة، ومن بعدها لم نسمع أنه طلب أحد من صناعها للقضاء.

أما التعمد في خلق الأحداث والمشاهد غير المبررة فيزيد حجم الانتقادات وسخرية الجمهور، ويصبح رد الفعل حول الإثارة سلبياً مع التوقف عن إصدار العمل كما حصل في الجزأين الأخيرين من ’باب الحارة‘".

اقرأ المزيد

المزيد من فنون