Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

100 نص في "أنطولوجيا ثنائية اللغة للفلسفة في الإسلام"

حملت المختارات الفرنسية أسماء 33 فيلسوفاً مسلماً وقدمت باللغات الأصلية

الفلاسفة والفلسفة الإسلامية (صفحة الفلسفة الإسلامية - فيسبوك)

ملخص

يجمع كتاب"أنطولوجيا ثنائية اللغة للفلسفة في الإسلام" (منشورات دياكريتيك 2025) بين باحثين هما فارس جلون أستاذ الإسلاميات واللغة العربية في جامعة إكس-مرسيليا في فرنسا، المتخصص في المذهب الشيعي الإسماعيلي وأصوله الفكرية وفي الفلسفات الأفلاطونية الحديثة وأثرها في الفكر الإسلامي، وماتيو تيرييه الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية في ميدان العلاقات بين التشيّع والفلسفة والتصوف في الحقبة الكلاسيكية من التاريخ الإسلامي.  ويقع الكتاب الذي يندرج في سلسلة "مصادر وتاريخ المصادر"، الهادفة إلى التعريف بالتراث الفكري الإسلامي الذي لا يزال مجهولاً لدى كثير من الأوروبيين، في 706 صفحات قدم لها كريستيان جامبيه، عضو الأكاديمية الفرنسية، رفيق هنري كوربان في دراسة الإسلام الشيعي واللغة والفلسفة الفارسية.

يضم كتاب "أنطولوجيا ثنائية اللغة للفلسفة في الإسلام" مجموعة من النصوص المختارة من الفلسفة الإسلامية تحوي 100 نص حملت توقيع 33 فيلسوفاً مسلماً، قُدمت بلغاتها الأصلية، عنيت العربية أو الفارسية، مع ترجمتها إلى الفرنسية بلغة دقيقة واضحة متملكة من المفاهيم من دون الوقوع في فخ الابتكارات أو المصطلحات المنفّرة. وبهذا، يمكن للقارئ الرجوع إلى النصوص الأصلية إن كان يعرف العربية أو الفارسية، كما يمكنه فهم النصوص المترجمة بسهولة.

تقدم هذه النصوص أبرز المسائل والمواضيع التي تطرق إليها الفلاسفة المسلمون كمسألة الوجود وذات الله والنفس والدين والمنطق والمعرفة وسواها، كاشفة عن تراث غني في تاريخ الفكر الإسلامي، يستحق إعادة النظر في دور هذه الفلسفة في الحضارة العالمية.

تعود بعض هذه النصوص لأعلام الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية كالكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن الراوندي والرازي وابن رشد، وكذلك لمؤسسي مدارس فلسفية وصوفية كالسهروردي الملقب بـ"شيخ الإشراق". واستُلت معظمها من أهم الكتب والرسائل الفلسفية الإسلامية، ككتاب "حكمة الإشراق" و"هياكل النور" و"المشارع والمطارحات" للسهروردي الذي ناقش فيها قضايا الفلسفة من خلال مثلث "الله والكون والإنسان"، مقدماً مفهومه الخاص لكل منها، وعلاقة كل منها بالآخر، شأنه في ذلك شأن أي فليسوف، علماً أن السهروردي تصدى للفلسفة المشائية أي الأرسطية، معرباً عن تبرمه بها وحرصه على تخطيها بالاتجاه نحو فلسفة تنم عن أعماق شجونه الفكرية والروحية، رابطاً الفلسفة بالتصوف، مميزاً بين نوعين من الحكمة، "الحكمة البحثية" المعتمدة على التحليل والتركيب والاستدلال البرهاني والساعية إلى الوصول إلى الحقيقة، و"حكمة الإشراقيين"، مؤكداً أن ليس ثمة تعارض بين الحكمتين لأن الإشراقي الحقيقي هو الذي يتقن الحكمة البحثية، وينفذ في الوقت عينه إلى أسرار ما يسميه "الحكمة الذوقية".

وفي الكتاب أيضاً مختارات من نصوص الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي كـ"الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم" وكتاب "شجرة الكون و"كتاب اليقين"، ومن كتابات الفيلسوف والفقيه الشيعي الميرداماد أو مير أحمد الملقب بـ"المعلم الثالث" أستاذ الملا صدرا صاحب "الحكمة المتعالية" الذي تصل مؤلفاته إلى أكثر من 100 كتاب، على رأسها كتاب "القبسات" وهو أهم مؤلفاته الفلسفية، فضلاً عن نصوص بعض تلاميذهم وخصومهم.

أصول الفلسفة

ليس هناك شك في أن للكتاب بعداً تربوياً تعليمياً، فهو يضع في متناول الطلاب المبتدئين بدراسة الفلسفة الإسلامية والأساتذة الجامعيين المتخصصين مجموعة ضخمة من نصوص الفلسفة الإسلامية يستقيها مباشرة من أصولها، مما يجعله مناسباً للاستخدام في الثانويات والجامعات. فهو يعزز فهماً دقيقاً لمشكلات الفلسفة الإسلامية وحلولها النظرية، كما يعكس بصورة متقنة التنوع الفكري في العالم الإسلامي. ونشر الكتاب بدعم من مؤسسة "الإسلام في فرنسا" بهدف تمكين الجمهور الناطق باللغة الفرنسية من التعرف إلى المفاهيم الفلسفية الأساسية في الفكر الإسلامي وفتح الباب واسعاً أمام الدراسات المعمقة لهذا التراث.

ولا بد من القول إن معدّي الكتاب قصدا في استخدامهما لعبارة "الفلسفة في الإسلام"، الدلالة على الإسلام لا كدين، بل كأفق تاريخي وحضاري، متجاوزين بذلك المفهوم البسيط للأنطولوجيا بمعناها الاشتقاقي، أي "مجموعة مختارة من النصوص".

إن مشروع جلون وتيرييه يتجاوز في الواقع تقديم مختارات ونماذج من النصوص الفلسفية الإسلامية، ليجري تأملاً عميقاً في ما يعنيه فعل التفلسف في سياق إسلامي. وتتضح أهمية هذا التوجه منذ المقدمة المطولة التي تتجاوز الـ50 صفحة والتي يعرض فيها المؤلفان المبادئ المنهجية التي وجهت اختياراتهما للمواضيع والنصوص، بل الأهم من ذلك، لمقاربتهما الفلسفة في الإسلام. فيطرحان في فاتحة الكتاب سؤالاً حاسماً، عما نتحدث بالضبط عندما نجمع في مؤلف واحد، من بين كثير من الفلاسفة المسلمين، أي أولئك المنتمين إلى الدين الإسلامي الذين عملوا على معرفة العالم والروح البشرية بواسطة المناهج العقلية وتأملوا في قضايا لاهوتية باستخدام أدوات المنطق والميتافيزيقا اليونانية، مقتطفات من كتابات الفارابي (نحو 872-950) المعروف بفلسفته السياسية، ومن ابن رشد (1126-1198) شارح فلسفة أرسطو، ومن الغزالي (1058-1111) ناقد الفلاسفة المشائين ومؤلف مصنفات أساسية في علم الكلام الصوفي والعقلاني، ومن السهروردي المقتول (1155-1191) شيخ الإشراق، أو من ابن عربي (1165-1240) الذي أثّرت صوفيته التأملية بعمق في التاريخ الفكري للعالم الإسلامي؟

مفاهيم ومصطلحات

ولتعريف الفلسفة، يستند المؤلفان إلى العبارة الشهيرة لجيل دولوز وفليكس غاتاري الواردة في كتابهما "ما هي الفلسفة؟" التي تقول إن التفلسف هو أساساً نحت للمفاهيم والمصطلحات، مما يسمح لهما بتجاوز التصور الضيق الذي حصر طويلاً الفلسفة في الإسلام بمفهومها الأرسطي. وبهذا المعنى الواسع، يدخل أيضاً في إطار الفلسفة فكر الصوفيين من أمثال ابن عربي والسهروردي.

"أنطولوجيا ثنائية اللغة للفلسفة في الإسلام" هي إذاً طريقة مغايرة في كتابة تاريخ الفلسفة ضمن السياق الإسلامي، وهو تاريخ يعود أصله لحركة الترجمة من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية التي بدأت في القرن التاسع الميلادي. فقد أسهمت هذه الترجمات من السريانية ثم إلى العربية أو تواً إلى العربية لكتابات أرسطو وبعض حوارات أفلاطون، والنصوص الأفلاطونية في تشكيل معظم المصطلحات الفلسفية في السياق الإسلامي، وطرح كبرى المسائل التي أعاد المفكرون المسلمون صياغتها وتطويرها.

وعلى رغم أن الفلسفة الإسلامية نشأت من التربة القديمة نفسها التي انبثقت منها الفلسفة في أوروبا، فإنها اتخذت مساراً مختلفاً، ففي حين فضّل الغرب النشاط النظري البحت، وضع التقليد الإسلامي في صميم تفكيره البعد الديني. فلم يكُن فعل التفلسف في العالم الإسلامي تأملاً فكرياً بحتاً، بل كان أسلوب حياة هدف إلى تحول داخلي على طريقة الفلسفة اليونانية القديمة يوم كانت "حكمة". ومن هذه الزاوية، فإن فلاسفة إيرانيين كـملا صدرا الشيرازي (نحو 1571-نحو 1640)، أدخلوا ابتكارات مفاهيمية كبرى تقع عند تقاطع الميتافيزيقا وعلم الكلام والتجربة الداخلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكي ندرك أهمية مقاربة ماتيو تيرييه وفارس جلون، يكفي أن نقرأ الفصل الأول المعنون "الوجود واللاوجود والكينونة"، لنتتبع خيط تساؤل يخترق مجمل تاريخ الفلسفة في الإسلام. من السجستاني (نحو 910 – بعد 971) إلى ابن عربي، مروراً بابن سينا (980-1037) والكرماني (نحو 996 – بعد 1020)، والسهروردي، نشهد تفتح تأمل متواصل حول أنماط الوجود ودرجاته وعلاقاته باللاوجود والتجلي في مستويات مختلفة ومترابطة بعمق.

وتظهر هذه التعددية في المقاربات لموضوع واحد مدى الاتساق الداخلي والخصوبة التأملية لتقليد طالما وضع على هامش القانون الفلسفي الغربي.

ويتألف الكتاب من 19 فصلاً، عالجت مواضيع في الأنطولوجيا والأخلاق ونظرية المعرفة والفلسفة السياسية والإسخاتولوجيا، مرفقة كلها بمقدمات تفسيرية وضعت على شكل مربعات تفسيرية وبلائحة بيبليوغرافية، من دون أن ننسى الفهارس والجداول الزمنية لأهم الأحداث التاريخية والفكرية، مما يسمح للقارئ بتتبع تطور هذا الفكر واختيار النصوص وفق اهتماماته الخاصة.

باختصار، يشكل كتاب "أنطولوجيا ثنائية اللغة للفلسفة في الإسلام" مدخلاً علمياً إلى تقليد فلسفي ما زال مجهولاً إلى حد كبير في الغرب، كاشفاً عن كنوز الفلسفة الإسلامية التي لا ينبغي الخلط بينها والفلسفة العربية، ذلك أن مفهوم "العربية" في الاستخدام الشائع لا يتطابق مع المفهوم الديني لـ"الإسلام"، ولا مع حدوده الجغرافية والثقافية. كما أن وصف "العربية" لا ينبع من استخدام هذه اللغة فقط، إذ إن ذلك يستثني مفكرين بارزين كتبوا بالفارسية أو بلغات أخرى، وصولاً إلى المفكرين المعاصرين الذين يستخدمون العربية الفصحى أحياناً والفارسية أو لغات ثانية أحياناً أخرى. ولئن استمدت الفلسفة الإسلامية مصادرها من الإسلام نفسه، فإنه لا بد من التذكير أنها نهلت أيضاً من معين الفلسفة اليونانية والرومانية والفكر الإيراني ما قبل الإسلام والفلسفة الهندية.

وإذا اعتبرنا أن الفلسفة تهدف إلى بناء تصور شامل ومتكامل للكون والحياة، فإن هذا الكتاب وإن عاد لنصوص قديمة، أظهر لنا أهمية هذه النصوص في حياتنا المعاصرة.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب