ملخص
ماكينات القتل والقصف والهدم تتقدم وتتطور، لكن تظل النفس البشرية اللاعب الأكبر في الحروب الأرواح المتبقية على قيد الحياة بعد القصف والتدمير، قابلة للتأثير والتأثر بحسب أدوات الحرب غير التقليدية.
حروب جديدة وصراعات حديثة وصواريخ باليستية ورؤوس حربية شديدة الانفجار ودبابات بتقنية الشبح وغواصات نووية ورادارات فائقة الدقة وأسلحة كيماوية وبيولوجية وثالثة جينية... كل هذه التطورات التقنية القتالية والرقمية والمتدخلة في سردية الحرب وتحديد المنهزم وتنصيب المنتصر تبقى أدوات وأسلحة الحروب التقليدية مهيمنة متمكنة معلنة أنها وإن كانت "دقة قديمة"، لكنها باقية طالما بقيت الحروب.
حروب جديدة وصراعات حديثة وصواريخ باليستية ورؤوس حربية شديدة الانفجار ودبابات بتقنية الشبح وغواصات نووية ورادارات فائقة الدقة وأسلحة كيماوية وأخرى بيولوجية وثالثة جينية ومناظير تقدم صوراً ثلاثية الأبعاد وقائمة الأسلحة فائقة التطور مفرطة الضرر تتصاعد وتتطور وتتقدم.
الذكاء الاصطناعي هو الآخر يدلو بدلوه، تارة مطوراً الأسلحة وخطط العمليات العسكرية ومحللاً البيانات بدقة تفوق دقة البشر بكثير، وأخرى موجهاً الأسلحة ومشناً حروباً سيبرانية ومضاعفاً الآثار المدمرة لكل ما سبق، وكذلك معدلاً سردية الحرب بحسب الجهة المستخدمة ليؤثر إيجاباً في الجبهة الداخلية، وسلباً في العدو.
ربما نضرب أو لا نضرب
على رغم كل هذه التطورات التقنية القتالية والرقمية والمتدخلة في سردية الحرب وتحديد المنهزم وتنصيب المنتصر، تبقى أدوات وأسلحة الحروب التقليدية مهيمنة متمكنة معلنة أنها، وإن كانت "دقة قديمة"، لكنها باقية طالما بقت الحروب.
"ربما نضرب" و"قد لا نضرب" و"سنضرب غداً" و"سننتظر قليلاً" و"قد نضرب فجأة"، وغيرها من تشتيت أو تمويه أو تضارب إعلان توقيت شن الحرب، من أقدم التكتيكات المقصودة في الحروب. بمعنى آخر، تواتر التصريحات والبيانات المتضاربة أو التي تعكس تردداً من قبل الدول المنتظمة أو التي توشك على الانتظام في الحروب سلاح نفسي وأمني مفعوله أكيد.
في الضربات التي شنتها أميركا على إيران قبل أيام فسر مراقبون تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتناقضة حيناً، والمترددة حيناً آخر، والمعلنة توقيتات متضاربة أحياناً باعتبارها إحدى أدوات الحرب النفسية.
قبلها، أمعنت الإدارة الأميركية في إرسال رسائل ذات محتوى متضارب، بين ثقة بأن إيران ستذهب إلى طاولة المفاوضات، ثم تبدد ملمح الطاولة، ثم إعلان عن موعد الانضمام إلى الطاولة، وبعدها الإعلان عن مناقشات جيدة جداً مع إيران، ثم تململ من المفاوضات، وبعدها حديث عن السلام، أعقبه حديث عن تبدد خيار السلام، ثم إبقاء باب الخيار موارباً، وبعدها تلويح باحتمال المشاركة في الضرب، ثم تأكيد أن ضرب إسرائيل إيران خالٍ من التدخل الأميركي، ثم سلسلة من التصريحات عن تدخل أميركا وتوقيت التدخل والقائمة طويلة.
سلاح "اللَّخبطة"
تحليل التناقض في التصريحات نفسه متناقض بين فريق يرى أن الغرض تشتيت العدو وشعبه، وآخر يعده انعكاساً لإدارة وقرارات لا تحسم أمرها، وثالث يؤكد أنها جزء من حرب نفسية معروفة في النزاعات والصراعات.
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف نفسه قال إن مواقف الرئيس الأميركي "لا صدقية فيها"، مرجحاً أن تكون تصريحاته إما جزءاً من حرب نفسية أو "أنها تصريحات سخيفة لا معنى لها!".
في كل الحالات أتت "اللَّخطبة" عبر التضارب في البيانات وفوضى التصريحات أكلها، إلى حد كبير، بين متابعي الصراع في العالم والشرق الأوسط، وبصورة أكبر لدى الإيرانيين أنفسهم. رئيس البرلمان الإيراني قاليباف استمر في الدق على "الحرب النفسية التي يشنها العدو (أميركا) على الإيرانيين، والتي تهدف إلى إثارة القلق لدى المواطنين وإثارة الفوضى في البلاد".
إيران من جهتها لم تكن يوماً بعيدة من أدوات الحرب النفسية. على مدار عقود، وهي تلجأ لهذه الأدوات لتغيير حسابات الأعداء وزعزعة الرأي العام، سواء في دول قريبة في المنطقة أو تفصل بينها آلاف الأميال.
ومن التضارب في التصريحات وغموض المعاني وفوضى التهديدات على هامش الحرب الدائرة أو التي تلوح في أرض المعركة، إلى كسر معنويات العدو وشعبه. تبدو الكلمات بدائية، والطريقة عتيقة، لكنها لا تزال سارية المفعول.
بروباغندا الأمس واليوم وغداً
تشير موسوعة "بريتانيكا" إلى أن الحرب النفسية في الحروب تعتمد في معظمها على "البروباغندا". في الحروب، بما فيها الحديثة، يتم استخدام الدعاية ضد العدو، مدعومة بتدابير عسكرية واقتصادية وسياسية بحسب الحاجة. هذه الدعاية تهدف إلى إضعاف معنويات العدو، وكسر إرادته في القتال أو المقاومة. ليس هذا فحسب، بل يعمل هذا النوع من الدعاية أحياناً على جعل الطرف المستخدم لـ"البروباغندا" متعاطفاً ومتضامناً مع "العدو" أكثر من قادة العدو نفسه. وتبقى "البروباغندا"، مع اختلاف وسائلها ومنصاتها، سلاحاً فتاكاً في حروب الأمس واليوم وغداً.
الرئيس ترمب حين كتب على "تروث سوشيال"، "إذا كان النظام الإيراني الحالي عاجزاً عن جعل إيران عظيمة مجدداً، فلماذا لا يكون هناك تغيير للنظام؟ لنجعل إيران عظيمة مجدداً"Make Iran Great Again (MIGA).
استخدم سلاح آخر من أسلحة الحرب النفسية. التشكيك في القيادة، وتقديم طرف آخر باعتباره أكثر حرصاً وتعاطفاً واهتماماً بالشعب، من شأنه أن يسهم في زيادة القلق، لا سيما بينما هناك حرب حقيقية تلوح في الأفق.
هيبة الفيل
في الحروب القديمة التي كانت تدور في حلبة الصراع فعلياً، كان هناك من يركب الأفيال كوسيلة إضافية في ترويع العدو، على رغم أن ركوب الخيل كان من شأنه أن يؤتي بالنتائج العسكرية نفسها، لكن لحضور الفيل هيبة مختلفة.
جاء استخدام الفيلة وليس الخيول ضمن أشهر وأبرز 12 استراتيجية للحرب النفسية التي استخدمت عبر التاريخ، وذلك في مقال منشور على موقع "ذو كولكتور" المخصص لنشر دراسات وأوراق العلوم الإنسانية. وبما أن الفيل هو الحيوان البري الأكبر على وجه الأرض، فإن إضافة قليل من الدروع الواقية والشيفرات إلى أنيابه كفيلة بجعله وحشاً قتالياً مرعباً. ويشير المقال إلى أن جيوشاً عدة استخدمت الفيلة في أفريقيا والهند في أزمة مضت. وفي الهند كان استخدام الفيلة شائعاً لدرجة أنها كانت تشكل فيالق عسكرية كاملة. وعلى رغم أن الفيلة ليست من الحيوانات الجسورة في الحروب، فإن حضوره المهيب وحجمه الرهيب كانا كفيلين ببث الرعب في قلوب وعقول جيوش الأعداء، لا سيما تلك التي كانت تستخدم الخيول، إذ إن كبر حجم الفيل يثير خوف الخيول لدرجة تمنعها من الاستمرار في الحرب والمواجهة.
اختفت اليوم الأفيال والخيول من أرض المعركة، وانتقلت الحروب بفعل التطور والتحديث والعصر الرقمي إلى آفاق قتالية وقدرات مدمرة غير مسبوقة، لكن أثر الفيل ودور الخيل لم يختفِ.
تهويل وتهوين
التهويل من القدرات القتالية في مقابل التهوين من قدرات العدو مستمر إلى يومنا هذا. في حرب القطاع (غزة) التي أوشكت على إتمام عامها الثاني، وعلى رغم حجم الدمار الرهيب، وعداد القتلى المريع، وشبح ضياع القضية الفلسطينية الذي يلوح في الأفق، مع زالت القيادات المتبقية من حركة "حماس" تتحدث عن قدرة الجماعة على مواصلة المعارك ضد إسرائيل في قطاع غزة، وأن إسرائيل تعيش أوهام القوة والهيمنة، وأن مطالبتها بتسليم أسلحتها وهم وخيال. من جهتها ما زالت إسرائيل تلجأ إلى العنف المفرط، لا لزيادة عداد القتلى والمصابين فحسب، ولكن لرفع معدلات الخوف والفزع بهدف تحقيق أهدافها بصورة أسرع.
تشير ورقة عنوانها "تكتيكات الحرب النفسية الإسرائيلية في الحرب على قطاع غزة ولبنان" عام 2024، للباحثة في وحدة الأمن والدفاع في "المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية" هاجر أيمن إلى أن إسرائيل عملت منذ بداية حربها على قطاع غزة على تطويع الاستراتيجيات والأدوات العسكرية كافة، ومن بينها الحرب النفسية التي تجلت في استخدام العنف المفرط والتدمير واسع النطاق لخلق حال من الرعب والصدمة النفسية. وقالت إن الهدف من ذلك هو تسهيل العمليات العسكرية التي تقوم لها لاجتياح القطاع وتهجير الفلسطينيين والقضاء، بصورة كاملة، على حل الدولتين والحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة. واعتبرت أيمن أن توسيع إسرائيل من دائرة الاغتيالات لقادة "حزب الله" والاختراق السيبراني لأجهزة الاتصالات "البيجر" وغيرها، تأتي ضمن جهود إضعاف المعنويات، بالتالي التأثير في مستقبل الصراع.
الصراع - الإسرائيلي النفسي
تشير الباحثة هاجر أيمن إلى أن الحرب النفسية أحد الأركان الأساسية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، وأنها (إسرائيل) استخدمت طوال الصراع العربي - الإسرائيلي أدوات الحرب النفسية بهدف تقويض المعنويات، والتأثير في الرأي العام، والسيطرة على الشعب الفلسطيني من خلال الدعاية، والسيطرة الإعلامية، والاختراقات السيبرانية، والاستراتيجيات العسكرية المصممة لإثارة الخوف. وحددت أبرز أدوات الحرب النفسية التي استخدمتها إسرائيل في حرب القطاع الدائرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، وهي: استراتيجية الصدمة والرعب، وهي تكتيك عسكري يرتكز على الاستخدام المفرط للقوة والعنف من خلال إلحاق خسائر ضخمة في صفوف المدنيين وإجبارهم على النزوح. هذا التكتيك له أهداف داخلية أيضاً إذ يهدف إلى استدراك "الفشل الأمني والاستخباراتي" الذي حدث في السابع من أكتوبر، وتوصيل رسالة للإسرائيليين قوامها أن الجيش الإسرائيلي يملك زمام السيطرة العسكرية والقتالية.
الأداة الثانية هي إسقاط المنشورات وأنظمة التحذير، وغالباً يكون الهدف منها بث الرعب وإرهاب المدنيين. في الحرب الحالية، ترافق إسقاط المنشورات مع إرسال رسائل عبر الهواتف المحمولة، واستخدام الطائرات المسيرة المزودة بتسجيلات صوتية تحمل تحذيرات قبل الضربات الجوية لإثارة الرعب وإجبار المدنيين على النزوح بصورة متكررة.
قنابل المنشورات
اللافت أن "قنابل المنشورات" على رغم قدمها واستخدامها قبل عشرات السنوات، وبعضها يعود إلى أكثر من قرنين مضيا، لكن تظل حروب المنشورات التي يتم إلقاؤها على العدو، شعباً وجيشاً، أو توزيعها، أو تمويهها على هيئة بطاقات أنيقة يتم إرسالها عبر البريد أو صحف مطبوعة بطريقة احترافية ذائعة الصيت، وذات آثاره نفسية مدمرة، وإن بدرجات متفاوتة.
بحسب "مركز ناب البحثي" التابع لجامعة "سالزبوري" الأميركية، استخدمت المنشورات الدعائية الملقاة بالبالونات والطائرات بكثافة في الحربين العالميتين من قبل مختلف الأطراف. في الحرب العالمية الثانية، طورت قنابل خاصة لنشر المنشورات جواً.
وتشير الجامعة إلى أن إلقاء المنشورات على الأراضي التي يسيطر عليها العدو كان تكتيكاً قديماً لإثارة الخوف، وإجبار الجنود والمدنيين على الاستسلام، أو تأليبهم على قيادتهم.
قنابل المنشورات تستخدم اليوم في الحروب العسكرية، وكذلك من قبل الجماعات السياسية والأيديولوجية "المتطرفة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
طوفان المنشورات
على مدار حرب القطاع الدائرة حالياً، والجيش الإسرائيلي ينشر منشورات على أهل القطاع، منها ما يتضمن آيات قرآنية تشير إلى "طوفان نوح"، وتربط بين الطوفان الذي قضى على المشركين وبين عملية "طوفان الأقصى" التي شنتها "حماس". ومن المنشورات ما دعا إلى إخلاء مناطق بعينها في غزة محذراً السكان بضرورة خلاء مساكنهم قبل القصف أو الاجتياح. كما شملت "حرب المنشورات" ما يعد بسجائر وغيرها من "الهدايا" مقابل الإدلاء بمعلومات عن قادة "حماس"، وأبرزهم السنوار (يحيى). وبعد مقتله، نشرت القوات الإسرائيلية منشورات تحوي صورة جثمانه، والغاية واضحة وصريحة. ومما كتب في هذه المنشورات: "السنوار دمر حياتكم، لقد اختبأ في جحر مظلم، وتمت تصفيته وهو يهرب بذعر، (حماس) لن تحكم غزة بعد الآن، أخيراً جاءتكم الفرصة للتحرر من استبدادها، من يلقي سلاحه ويعيد المخطوفين، سيسمح له بالمغادرة والعيش بسلام".
النصر قادم
ولأنه ليس في مقدور "حماس" أن تقدم الوعد نفسه بالعيش في سلام لأهل غزة في ظل الأوضاع الحالية، فإن تكتيكات الحرب غير التقليدية تتضمن كذلك محاولات رفع الروح المعنوية، ولكن في اتجاه آخر. دأبت "حماس" على أن يصرح "قادتها من دون إعلان أسمائهم" لقنوات ومنصات صديقة بأن خططاً يجري سنها، وتكتيكات تدور رحاها، ودروساً يتم استخلاصها، وذلك لمواجهة الجيش الإسرائيلي. وبين "تفعيل استراتيجية دفاعية مرنة وفعالة"، و"الاستعانة بخبرات ميدانية متراكمة"، و"اللجوء لأساليب حرب العصابات"، وغيرها من التكيتكات، ترسل الحركة لأهل غزة دائماً رسائل قوامها "النصر قادم لا محالة".
اللافت أن كثيراً من هذه التصريحات التي تسهب في شرح تفاصيل خطط الهجوم المباغت على "جنود العدو" و"الاستهداف الهادئ لمعداتهم" تبدو وكأنها إفصاح للعدو بالخطط والتكتيكات، وهو ما يرجح كفة أن الغرض الرئيس منها رفع الروح المعنوية في الداخل.
مع خالص التحية
إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية لم تكن هناك هواتف محمولة، لذلك اكتفى البريطانيون بإسقاط منشورات على الألمان، والإيطاليون على النمسا، والأميركيون على اليابان، وهلم جرا. هذه الآونة، تصل الرسائل النصية القصيرة الهادفة إلى بث الخوف، وتدمير الروح المعنوية، والتشكيك في القيادة الوطنية أو ما شابه، إلى هواتف المدنيين المحمولة، وذلك من قبل العدو"، "مع خالص التحية والتقدير".
ومن التحية والتقدير إلى الشتم والإهانة وغيرها من سبل أدوات الحرب النفسية المسيئة، والتي تعتمد على توجيه شتائم وعبارات نابية وغيرها من المفردات والنعوت التي تؤثر سلباً في الحالة النفسية والمعنوية للعدو، جيشاً أو جماعة وشعباً. وصف جيش العدو بـ"الجبان"، أو "الضعيف"، أو "الذليل"، أو "الخائن" وغيرها، ونعت شعب العدو بـ"المنهزم" و"المنسحق" و"الضحية" وغيرها إساءات لفظية مدروسة تؤتي ثماراً متفاوتة في الحروب، على رغم أنف العصر الرقمي والأسلحة فائقة الحداثة.
إشاعات حديثة
العصر الرقمي نفسه يتم استغلال أدواته لتحل محل سلاح الإشاعات الهدام. وسواء كانت الشائعة أن "جيشنا انتصر نصراً عظيماً"، وهو لم ينتصر، أو أن "جيشكم انهزم هزيمة نكراء"، وهو لم ينهزم، يظل سلاح الشائعة المتناقلة شفهياً، وتلك التي يجرى بثها عبر السوشيال ميديا والقنوات التلفزيونية، سلاحاً فتاكاً.
ومعه، وبالقدر نفسه من القدرة على الفتك الأخبار الكاذبة والفيديوهات المركبة، وانضمت إليها أخيراً تقنية المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، والذي أمعن في ضبابية الخط الفاصل بين الصورة الحقيقية والمخلقة، ولو كانت مخلقة لأهداف سامية وأغراض إيجابية.
تظل ماكينات القتل والقصف والهدم تتقدم وتتطور، لكن تظل النفس البشرية اللاعب الأكبر في الحروب. الأرواح المتبقية على قيد الحياة بعد القصف والتدمير، سواء كانت معتدية أو مُعتدَى عليها، قابلة للتأثير والتأثر بحسب أدوات الحرب غير التقليدية. من النيل من العدو عبر سلاح "اللخبطة" حيث تصريحات متضاربة وبيانات متناقضة، وضرب روحه المعنوية في مقتل من خلال منشورات ورقية تنشر جواً أو رسائل نصية ترسل عبر الأثير، وشتائم وإساءات لفظية تضعف الروح المعنوية الضعيفة أصلاً، إلى بث الإشاعات وادعاء النصر والهزيمة، تمضي حروب القرن الـ21 لتؤكد أنه لا غنى عن البشر، قاتلين ومقتولين، ضحايا الحرب النفسية ومبتكريها، صانعي التصريحات المتضاربة ومتلقيها، في حروب تشهد أقصى درجات التطور التقني وأعلى مراتب الحداثة والتقدم. أسلحة الدمار الشامل النفسي لا تقل ضراوة وأهمية عن قرينتها التي تريق الدماء وتهدم البلاد.