ملخص
عرف الشعر التونسي خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحولاً، إن على مستوى الحمولات الدلالية أو على مستوى صيغ وأشكال الكتابة وخصائصها التقنية. والغريب أن المراكز الثقافية العربية لم تكلّف نفسها عناء الانتباه إلى هذا التحول ومواكبته نقدياً وإعلامياً وأكاديمياً.
أسهم شعراء تونس بأنفسهم في هذه العزلة الشعرية. فالقراء العرب، ومعهم الناشرون والنقاد والإعلاميون والأكاديميون، لا يذهبون إلى الشعر إلا لماماً، فهم عادة ما ينتظرون أن يصل إليهم عبر قنوات أخرى، كالجوائز والترجمة والارتباط بحدث ما. ذلك أنهم لا يبذلون المجهودات المطلوبة في البحث والتنقيب عن الأسماء الجديدة التي تكشف تجاربها عن وعي في الكتابة، وإدراك لما تتطلبه الاشتغالات الشعرية من عمق وراهنية وإصرار على التجديد، كي لا تظل التجربة المحلية منفصلة عن تجارب العالم، ومتأخرة عن ركب الشعر الذي يُكتب بلغات أخرى، وفي جغرافيات وجدنا أنفسنا نراها بشكل بدهي كمناطق للتفوق الأدبي.
لقد أسهمت الأجيال الجديدة في صنع مرحلة مفصلية في الشعر التونسي، من خلال انفتاحها على ثقافات العالم، وقراءتها للشعر بلغات أخرى، وسعيها إلى الانفصال عن مدارس المشرق العربي، والخروج من عنق تلك الزجاجة التي أنتجت شعراء ظلوا يكررون مفردات وتعابير مستنسخة من بيروت والقاهرة ودمشق، ولا تنتمي على الإطلاق إلى الثقافة المتداولة في تونس والمنستير والقيروان وغيرها. لقد ظل شعراء تونس، والشعراء المغاربيون عموماً، على مدار سنوات الحداثة الشعرية يوظفون أساطير المشرق العربي، وينسون أساطيرهم، ويتوسلون لغة المشارقة من دون لغتهم، بما فيها من أسماء الشهور والأشجار والنباتات والأزياء والأمكنة، فضلاً عن التوليفات اللغوية وبناء الجمل وأدوات الربط والعلاقات النحوية.
هذا السعي إلى بناء تجربة شعرية غير مرتهنة إلى جغرافيا مؤثرة من دون غيرها، يترجمه العمل الجديد للشاعر التونسي محمد العربي "اختراع العالَم" الصادر عن دار ميّارة بالقيروان. فهناك جنوح إلى تشكيل عالم شعري يقطع مع المحلية أو القطرية الثقافية، ويسعى إلى خلق مساحات هائلة، تتيح للشاعر أن يتحرك بقدر كبير من الحرية التي تسمح له بإنتاج نصوص يمكن أن تُقرأ في كل مكان من العالم، وأن تحافظ على نضارتها وتوهجها على رغم تقلبات طقس التلقي والترجمة.
تمجيد العزلة
حين نبحث، في سياق مسألة التأصيل، عن جذور الكتابة لدى محمد العربي، سنجد الجواب في الصفحات الأولى من "اختراع العالم". يقول الشاعر التونسي: "أنا سليلُ كُسور لا تنتهي/ أنبح في وجه العالم/ ولا يكف العالم عن النباح في وجهي/ كأنني صوته/ كأنه صداي المكسور". قد يذكّرنا هذا المقطع بصرخة قديمة للشاعر المغربي الأمازيغي الراحل محمد خير الدين الذي اختار الكتابة باللغة الفرنسية: "أنا سليل سلالة منسية/ لكنني أحمل في يدي بقايا نارهم". غير أن صرخة خير الدين تبدو ترافعاً عن ثقافةٍ جمْعية بصوت مسموع، فيما تبدو صرخة محمد العربي كتيمةً وتعبّر عن همّ فردي.
عادة ما ينحاز الشعراء إلى العزلة، على الأقل في كتاباتهم، ويمجدون الانفصال عن ضجيج العالم. غير أن الحياة الجديدة تحول دون مثل هذه النِّعم، وتقف ضد الوصول إلى حالات السكينة. لذلك يقول الشاعر: "بعيدةٌ هي الغابة/ لكنّ وحوشاً تستيقظ في روحه كلّ ليلة".
يحس قارئ "اختراع العالم" أن الشاعر يبذل جهداً لإحداث قطائع مختلفة مع ثقافة الاستنساخ. فثمة جنوح كبير إلى العزلة والاختلاف والانقطاع. ذلك أن الكائن الذي ينأى عن العالم، يكون قد اختبر المسافة التي تتيح له قراءته، واتخاذ موقف منه، بل تجعله يحلم باختراع عالم جديد، كما يشير إلى ذلك عنوان الكتاب بشكل صريح. إن العزلة انعتاق، وهي في الآن ذاته مصدر قوة واتزان. يقول نيتشه في هذا الصدد: "العزلة ضرورية لاتساع الذات وامتلائها". لا يملك الكائن القدرة على محاكمة العالم ما لم تكن ذاته ممتلئة، أي أنها مكتفية بما يوجد فيها، زاهدة في ما يتهافت الآخرون عليه. بالتالي تعمل العزلة على تشسيع مساحات الحرية. يقول شوبنهاور: "يمكن للرجل أن يكون حراً، فقط طالما كان وحيداً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ينتقد الشاعر هذه الوحشية التي تبطّن عالم اليوم وتغلفّه، ويلوذ بالتخوم القصية هارباً من كل ضراوة. يقول: "كل ما أرجوه من الريح إن قدمت/ ألا تحمل برابرة في طريقها". بل إنه يحلم بأن يُقتلع من الأمكنة الضاجة بالعنف، ويحلق بعيداً منها. وحلمه يصير حلمَ شجرة بـ "أن ينبت لها بدل الأغصان أجنحة/ بدل الأوراق ريش". يتوجس الشاعر من الآخر والارتهان إلى هواجسه والارتباط النمطي به، لذلك يمجّد الهروب على الدوام: "أحلم/ أن أمشي في طريق لا تنتهي ببيت/ في حب لا ينتهي بالندم".
مواجهة العنف بالسريالية
ينتمي الشاعر إلى أقلية تحس أنها تتماس مع العالم، وتعاني من سوء الفهم من لدن كائناته، وتخاف أيضاً مما قد يترتب عن هذا الوضع. لذلك اختار أن تكون عتبة الكتاب على هذا النحو: "أنا خائف من أن يتمكنوا منا، قبل أن يتمكنوا من فهمنا". واللافت أن هذه القولة هي لشاعر أميركي شاب من أصل فيتنامي اسمه أوشن فونغ (مواليد 1988). ولهذا الاختيار أيضاً دلالته، فهو يستشهد بكاتب ينتمي إلى جيله، كأنما يريد أن يذكّرنا بأن الأجيال الجديدة لها فهمها الخاص للمسألة الإبداعية، وقراءتها للعالم قد لا تشكل في الضرورة امتداداً لقراءات وفهم الأجيال السابقة.
يواجه محمد العربي وحشية العالم بوحشية موازية في اللغة، فثمة قدر هائل من الصور الشعرية العنيفة التي تشكل جواباً على عنف العالم، نقف عند بعض النماذج: "جثة متعفنة/ تشبه رأس ذئب مقطوع وسط غابة/ أو أمعاء خنزير ملفوفة حول شجرة"، "صادفت ذئاباً بأطراف مقطوعة/ خنازير مبقورة/ وطيوراً جارحة تنقر من رؤوس البشر"، "لكن أطرافاً متعفنة من بشر وحيوانات/ كانت تملأ فراشي". هذا العنف اللغوي هو نتاج للخطاب الفجائعي الذي يحمله كتاب العربي "العالَم كله ينتحب". لذلك يلوذ الشاعر التونسي بالسريالية، وهو يشكل صوره الشعرية، إيماناً منه بأن الجنون لا يمكن مواجهته بالعقل، بل بجنون مواز، لذلك تبدو الغرائبية هي الميسم الأبرز لبناء التشكيلات البصرية التي يتحفنا بها الشاعر: "أحاول حشو غابة في أصيص"، "أظنني كنتُ جبلاً في حياة سابقة/ كلما فتح ذراعيه/ تساقطت من عينيه صخور".
يبدو محمد العربي، في غمرة انتقاده لوحشية العالم وشراسته، حالماً ومتطلعاً إلى غد يختلف كلياً عن الحاضر، فهو يحمّل نفسه مهمة جسيمة، وهي "أن يحوّل مقبرة إلى مدينة ألعاب/ مشنقة إلى أرجوحة/ صرخة إلى زغاريد/ مهنته الجميلة/ أن يحول كل هذا العدم إلى موسيقى". هذا ما يقوله الشاعر ويسعى إليه، لكنه حين يدرك أن هذه المهمة تنتمي إلى مناطق المعجزة، يستطرد، في آخر مقطع من الكتاب، محاولاً في النهاية أن يكون لعبوره أثر: "يداه المحتشدتان بالحب/ بالعتمة/ والقصائد/ يداه الغاضبتان/ تحاولان لمرة واحدة/ ألا ينهار العالَم".