Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من السويداء إلى الشرق السوري... هل تدفع تجربة العشائر "قسد" نحو الدولة؟

"تحول في انتقال الحكومة إلى الخيار الأمني بعد فشل المفاوضات على مدار أشهر وتزايد التدخل الإسرائيلي"

الحل العسكري الذي تم تطبيقه في السويداء لا يمكن تطبيقه في شمال شرقي سوريا (رويترز)

ملخص

الحل العسكري الذي تم تطبيقه في السويداء لا يمكن تطبيقه في شمال شرقي سوريا، لأن أي عمل عسكري مع قوات سوريا الديمقراطية ستكون تركيا طرفاً فيه لمصلحة دمشق، وفي حال حصول ذلك لن يتدخل التحالف الدولي عسكرياً لمصلحة "قسد" لأن تركيا جزء من التحالف، وحتى من دون تدخل العشائر فإن المعركة محسومة، وتدخل العشائر ستكون فائدته الوحيدة هو تسريع الحسم، لكن رغم التباين الواضح في القوة بين الطرفين فإن "قسد" والحكومة السورية يبدو أنهما يتجهان لحل سلمي وسريع.

على وقع أصوات الرصاص في السويداء جراء الاشتباكات بين مقاتلين من العشائر العربية، والمسلحين التابعين لحكمت الهجري، يكشف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، عن لقاء جمعه بقائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي، وأعلن أنهما اتفقا على أن "الوقت قد حان لسوريا الموحدة"، في إشارة إلى اندماج "قسد" بالدولة السورية وحل مسألة شمال شرقي سوريا سلمياً.

قبل هذا الإعلان بيومين، كانت إسرائيل قد شنت غارات جوية على العاصمة دمشق، في محاولة لإضعاف الدولة السورية وفق تحليل المراقبين، إلا أن أمراً لم يكن ليخطر على بال أحد، بل وفاجأ الجميع بما فيهم إسرائيل والولايات المتحدة، وهو دخول العشائر العربية على خط المواجهات، الأمر الذي أربك المشهد وغير حسابات اللاعبين، فقدِم طوفان بشري من أبناء العشائر العربية من مختلف جغرافيا البلاد إلى الجنوب السوري، والعدد الأكبر جاء من محافظة دير الزور التي تسيطر "قسد" على أجزاء واسعة منها، كما أن غالبية سكان المناطق التي تسيطر عليها "قسد" هم من أبناء القبائل العربية، وهنا يُطرح السؤال: تلك القبائل التي تحركت دعماً للدولة السورية في أقصى جنوب البلاد، أليس من المنطقي أن تتحرك وهي في مناطقها الأصلية إن اقتضت الحاجة؟

إذاً، كيف تنظر "قسد" إلى طوفان العشائر، وهل غيرت حساباتها في التعامل مع دمشق التي أضحت اليوم تملك ورقة قوية لم يكن أي طرف يحسب لها أي حساب، خصوصاً أن تلك العشائر كانت منقسمة على بعضها خلال سنوات الثورة، أما اليوم فأضحت تأتمر بأمر الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، وهل تصريحات براك بخصوص "سوريا الموحدة" تعني أن "قسد" استلمت الرسالة التي يجب أن تصلها، وأن الخلافات بينها وبين دمشق يمكن تجاوزها بتقديم بعض التنازلات؟

الحل الأمني

الباحث في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، محمد السكري، يقول في تصريحات خاصة لـ"اندبندنت عربية"، إن "قسد ترى نفسها أمام تحد كبير، مع ازدياد مؤشرات الانتقال من التفاوض نحو الحل الأمني، بعدما انتقلت الحكومة السورية من مسار التفاوض إلى المسار الأمني من أجل إتمام احتكار العنف على كافة الأراضي السورية، حيث تعد معركة السويداء هي الأولى التي تعكس تحولاً في انتقال الحكومة إلى الخيار الأمني بعد فشل المفاوضات على مدار أشهر، وتزايد التدخل الإسرائيلي في الملف السوري".

 

ويضيف السكري أن "أهم درس يمكن ملاحظته أن وصول الملف إلى الخيارات الأمنية سيتبعه تحديات كبيرة على المستوى الوطني والإنساني، وأن الخيار الأمني سيؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، في ظل توفر مناخ دولي داعم للحكومة السورية، ومع ارتداد العملية العسكرية في الجنوب على الواقع السوري، تقل خيارات قسد أمام تعقيدات المشهد في حال تعطيلها المسار التفاوضي، بينما تزداد فرص الدولة في بسط سيطرتها على كافة الأراضي السورية".

الباحث الكردي السوري شيرزان أحمد يقول، إن "عناصر قسد ليس جميعهم أكراد، فهناك آلاف العناصر والضباط العرب، ورغم ذلك فإن القيادة الكردية في قسد تدرك أن ولاء العشائر ليس مضموناً إلى الأبد، مما أعطى قوات سوريا الديمقراطية غطاء سياسياً وعسكرياً هو التحالف الدولي، ومن الواضح جداً أن التحالف يدعم الحكومة السورية الجديدة، ورغم أن التحالف لن يضحى بهذه القوات لكنه لن يبقى حامياً لها إلى الأبد، أما العشائر العربية، فإذا شعرت أن الدولة السورية هي الطرف الأقرب إلى ضمان مصالحها القبلية والاقتصادية، فإنها قد تنقلب فجأة على قسد، وهذا الانقلاب إذا تحول إلى عسكري، فإن خسارة الأخيرة للمعركة محسومة، فلا يمكن لطيران التحالف الدولي أن يقصف سكان شمال شرقي سوريا إذا انتفضوا ضد قسد، فهذه مناطقهم، ولهم الحق في تقرير مصيرهم. لذلك، يبدو أن قسد تفكر بجدية في تسريع عملية اندماجها في الدولة السورية، وكل هذا مرهون بكيفية نهاية قضية السويداء".

على النقيض، يرى الصحافي الموالي لـ"قسد" محمد جوان، أنه "لا يمكن لحكومة دمشق حسم كل الأمور عسكرياً، لقد فشل الحسم العسكري في الساحل ولا تزال تداعياته مستمرة إلى اليوم، وفشل العمل العسكري في السويداء وتسبب في تدخل إسرائيل واستهداف دمشق مباشرة، ولا تزال الفوضى هي سيدة الموقف في السويداء، ولا يمكن تكرار هذا في شمال شرقي سوريا. ومن ناحية أخرى، فإن القيادة لم تُلمح يوماً إلى نيتها التمرد على الحكومة المركزية، بل لديها مطالب واضحة ومشروعة، ولن يتخلى المجتمع الدولي عنها. وفي ما يتعلق بالمخاوف من انتفاضة العشائر، فالأمر مستبعد جملة وتفصيلاً، لأن العشائر أحد أهم أركان قسد، فكيف ينقلب المرء على نفسه؟ العشائر هم جزء أساس من هذه القوات، لذلك لا يمكن أن يكون هناك صدام بين الطرفين، ولن تستطيع الحكومة استخدام العشائر لحل قضية شمال شرقي البلاد. بمعنى آخر، يمكننا القول إن ملف قسد سوف يتم حله سلمياً، لكن ليس بسبب التلويح بالعمل العسكري أو بدور العشائر، وإنما لرغبة الطرفين في حل الأمر سلمياً، وإلا فلماذا تم إعلان الاتفاق بين السيد مظلوم عبدي والسيد أحمد الشرع من دمشق؟".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانب آخر، يرى السياسي الكردي علي تمي أن "قسد" تراقب الوضع في السويداء عن كثب، فمصيرها مرتبط بلا شك بمصير السويداء. تحاول عن طريق ماكينتها الإعلامية تجييش الناس ضد الحكومة ومحاولة خلط الأوراق بشتى الوسائل. ومع ذلك، يجب أن تعيد الحكومة النظر في سياستها بشكل جذري، وعدم الاكتفاء بالتواصل مع الفصائل المسلحة فقط، حيث أثبتت هذه الأحداث أن كل فصيل مرتبط بأجندات خارجية لا يمكن أن يلتزم بأي اتفاق أو تفاهم داخلي. لهذا السبب، على الحكومة فتح الخطوط مع النخب المجتمعية ومحاولة تصحيح الأخطاء لعدم تكرارها في السويداء، والتعامل مع ملف الأقليات بشكل منظم ومدروس، وتسليم هذه الملفات لأصحاب الخبرة ومن له اطلاع كامل على أدق التفاصيل"، كما يستبعد علي تمي إمكانية حل الملف سلمياً.

فتنة النظام السابق

الشيخ عبدالله عبد الكريم، أحد وجهاء قبيلة البكارة في محافظة دير الزور، يقول إنه "لا شك أن الأكراد جيراننا، وكنا نعيش معهم طوال العقود الماضية من دون أي مشاكل. في عام 2004، حاول النظام المخلوع زرع فتنة على أساس عرقي بين العرب والأكراد في شمال شرقي سوريا، لكن بفضل الوعي لدى الطرفين، ولأن العرب لا يعتدون على جيرانهم، لم يتمكن النظام من تحقيق أهدافه. وخلال سنوات الثورة السورية، لم يقف الأكراد إلى جانب النظام ضدنا، ولم يشاركوا في قتلنا، وهناك صِلات قربى بيننا وبينهم، لذلك نحن معاً. وبعد انتصار الثورة، حان الوقت لنقترب من بعضنا البعض أكثر، ونكون كلنا في قارب الدولة السورية وتحت علمها. لا أريد الحديث عن القوة، لأن استخدام القوة غير مطروح لدينا حتى الآن، ولا ننوي ذلك ما دام الجميع يريد السلام، فنحن أول من يدعو للسلام. نريد من إخوتنا الأكراد أن يكونوا شركاء معنا في بناء هذا الوطن الذي يعاني دماراً كبيراً تسبب فيه النظام المخلوع وحلفاؤه".

ويضيف عبدالكريم أن "القبائل العربية تقف إلى جانب الدولة السورية وتدعم خطواتها نحو بناء الوطن، وسنبقى حريصين على دعم هذه الحكومة كي تستطيع قيادة سوريا. وعندما يحتاجنا الوطن، سنكون على أهبة الاستعداد في أي وقت. لكن، كما أوضحت، نحن حريصون على العيش المشترك مع الأكراد. هذه البلاد ليست لكردي أو لعربي، هذه البلاد للسوريين بمختلف الأعراق والأطياف".

عشائر سوريا

بحسب المصادر الإسرائيلية، فإن التدخل العشائري في السويداء جاء مفاجئاً للفاعلين الغربيين الذين اعتادوا التعامل مع العشائر كعنصر محلي لا وزن عسكرياً له، لكن دخول العشائر إلى ساحة الاشتباك ونجاحهم في تعطيل بعض المشاريع المناهضة للدولة قلب المعادلة، إذ إن ما جرى في الجنوب السوري أظهر أن العشائر ليست فقط كيانات اجتماعية، بل يمكن أن تتحول إلى جماعات شعبية مسلحة ومنظمة بدوافع وطنية، وهذا ما لم تحسب له إسرائيل أو الولايات المتحدة حساباً. وبحسب هذه المصادر، بدأت بعض الاستخبارات الغربية في تحديث تقييماتها حول البنية العشائرية في سوريا، خصوصاً بعد أن ثبت أن هذه البنية قادرة على التحرك خارج حسابات القوى التقليدية.

من جهة أخرى، يشير الناشط السياسي من الرقة، خالد الموحان، إلى أن "الضغوط المتزايدة على قسد من الداخل العشائري تجعل من خيار الاندماج مع الدولة السورية احتمالاً واقعياً أكثر من أي وقت مضى. أما الدرس المستفاد من أحداث السويداء فهو واضح: من يربح ولاء العشائر، يربح المعركة، وقسد رغم تسليحها ودعمها الجوي، تبقى كياناً غير طبيعي في البيئة العشائرية".

هل تتجه "قسد" إلى التسوية؟

في ظل هذه المعطيات، يبرز احتمال اندماج "قسد" بالدولة السورية كأحد السيناريوهات المطروحة، خصوصاً مع المؤشرات التي تؤكد تغيراً في المزاج الدولي تجاه القضية الكردية، والأهم من ذلك هو الموقف التركي الذي يعد قضية شمال شرقي سوريا شأناً داخلياً تركياً نظراً لارتداداته المباشرة على الأمن القومي لأنقرة. ومن المعروف أن تركيا حليف وثيق وموثوق لواشنطن، وتربط أنقرة وتل أبيب علاقات تاريخية حتى لو توترت في كثير من الأحيان، إلا أنها تبقى علاقات استراتيجية من خلال المؤسسات بين البلدين. وبلا شك، لا يمكن للغرب أو لإسرائيل خسارة تركيا مقابل كسب ولاء "قسد"، لذلك فإن وجود تركيا في المعادلة إضافة إلى ورقة العشائر تعد هذه عوامل قوة لمصلحة الحكومة السورية، ويمكن بذلك حل الأمر سلمياً.

إذاً بالنتيجة، الحل العسكري الذي تم تطبيقه في السويداء لا يمكن تطبيقه في شمال شرقي سوريا، لأن أي عمل عسكري مع "قسد" ستكون تركيا طرفاً فيه لمصلحة دمشق، وفي حال حصول ذلك لن يتدخل التحالف الدولي عسكرياً لمصلحة قوات سوريا الديمقراطية لأن تركيا جزء من التحالف، وحتى من دون تدخل العشائر فإن المعركة محسومة، وتدخل العشائر ستكون فائدته الوحيدة هو تسريع الحسم، لكن رغم التباين الواضح في القوة بين الطرفين فإن "قسد" والحكومة السورية يبدو أنهما يتجهان لحل سلمي وسريع للقضية تجنباً للفوضى، وحفاظاً على المصالح الاستراتيجية للطرفين.

المزيد من تقارير