ملخص
لجنة إدارة غزة تعترف بوجود عراقيل من كل من حركة "حماس" وإسرائيل. مهام الشرطة والصلاحيات الإدارية هي عقبات الحركة، وعدم الدخول إلى القطاع عقبات تل أبيب. فما الذي يحمله قادم الأيام؟
شروط وطلبات "حماس"، وقيود وعراقيل إسرائيل، أخرت وصول لجنة إدارة غزة إلى القطاع، ومنعتها من ممارسة مهامها الصعبة في الميدان، وبعد شهر من تشكيل لجنة التكنوقراط العالقة في مصر، استنجد رئيسها علي شعث بالوسطاء للتدخل وحل المشاكل العالقة من أجل انقاذ المدينة المنكوبة من ويلات استئناف الحرب كما تخطط تل أبيب.
في الـ15 من يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت الإدارة الأميركية تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وعقد أعضاؤها اجتماعهم الأول في مصر استعداداً للدخول إلى القطاع فوراً، لكن إسرائيل حينها كانت تغلق معبر رفح مما عرقل لجنة التكنوقراط من الوصول إلى المدينة المدمرة.
في الثاني من فبراير (شباط) الجاري، أعادت إسرائيل تشغيل معبر رفح أمام المسافرين والعائدين، وكان يفترض وصول إدارة غزة الجديدة إلى القطاع لممارسة مهامها من الميدان في اليوم الأول من عمل المنفذ الحدودي، لكن عدم اكتمال الترتيبات والتفاهمات بين التكنوقراط وتل أبيب و"حماس" أجّل دخول اللجنة.
استعداد علني وفي الكواليس شروط ومطالب
في الواقع، لم تشارك "حماس" أو السلطة الفلسطينية في تشكيل إدارة غزة الجديدة، واختارت الولايات المتحدة والوسطاء أعضاءها، ولكن هذه الخطوة التي لم تتم بتوافق مع الجهات التي تدير غزة منذ 18 عاماً خلقت مشكلات كبيرة، إذ لم تجرَ تفاهمات واتفاقيات في شأن آليات الحكم الجديد في غزة ومصير الحكومة التي تديرها "حماس" في القطاع.
على رغم ذلك أبدت الحركة استعداداً علني لتسليم الحكم للإدارة الجديدة، وطالبت مراراً بتسهيل دخولها القطاع، وأكدت أنها جاهزة لتسليم المقار والملفات الحكومية للتكنوقراط، وحمّلت إسرائيل مسؤولية تأخير دخول اللجنة إلى غزة وعرقلة تنفيذ خطة السلام والازدهار.
كان هذا حديث "حماس" العلني، أما في الكواليس فوضع كثير من الشروط والطلبات التي يجب تحقيقها قبل دخول اللجنة إلى غزة، مما شكل جزءاً من أسباب تأخير وصولها للقطاع، يضاف لذلك قيود وشروط إسرائيلية لا يمكن تجاهلها.
"فيتو" الدخول لغزة
تواجه لجنة إدارة غزة العديد من التحديات تبدأ في استمرار إسرائيل في وضع "فيتو" على دخولها القطاع، وتمتد إلى القضايا المتعلقة بتسلمها الحكم من قبل حركة "حماس"، وأبرزها الترتيبات الإدارية والفنية المتعلقة بآليات العمل، إضافة إلى ملف الموظفين والأمن.
والسؤال: هل يتحول حضور اللجنة إلى إطار نظري فقط بدلاً من سلطة تنفيذية فعلية تنقذ السكان المرهقين من الحرب؟
غزة الشرقية... مرحباً بكم
ترفض إسرائيل دخول التكنوقراط إلى غزة الغربية، حيث مناطق سيطرة "حماس"، وهذا المنع هو القيد الوحيد الذي تضعه تل أبيب أمام اللجنة الإدارية، لكن في خفاياه كثيراً من الشروط المطلوبة من الإدارة الجديدة.
تريد إسرائيل من التكنوقراط العمل في غزة الشرقية، حيث مناطق سيطرتها، وليس ممارسة مهام في القطاع الغربي، لذلك تمنع دخولها لمناطق سيطرة "حماس"، وتحاول تل أبيب من ذلك أن تدفع بخطة "غزة الجديدة" التي أعلنها عضو المجلس التنفيذي لإدارة غزة جاريد كوشنر.
في مؤتمر دافوس، أفصح كوشنر عن التصور الإسرائيلي والأميركي لغزة الجديدة، وقال "اللجنة الوطنية لإدارة غزة ستكون النواة لرفح المدنية، وستعمل في الأماكن التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حالياً".
في رفح، حيث تخطط الولايات المتحدة أن تكون المدينة الجديدة منطقة خضراء ومركز الحكم الجديد وتنطلق منها إعادة بناء غزة الحديثة، سمحت تل أبيب بإدخال كرفانات مكيفة معدة ومجهزة لتكون مقرات حكم وإدارة للجنة التكنوقراط. وليس هذا الإجراء الوحيد الذي تنفذه إسرائيل هناك، بل قامت بإزالة الركام من رفح، وبدأت في تجهيز ما يعرف بـ"رفح الخضراء" أو ما يسميها الغزيون "غيتو رفح الجديد" حيث أنشأت معسكرات كرفانية تخضع لإجراءات تحكّم صارمة استعداداً لنقل الغزيين إلى هناك.
كل هذه الترتيبات إشارات واضحة لرفض إسرائيل دخول التكنوقراط لغزة الغربية، والسماح لهم بالعمل فقط في غزة الشرقية، لتنفيذ مخطط "غزة الجديدة" الذي كشف عنه كوشنر لإعادة بناء القطاع المدمر، وتتخذ تل أبيب من بنود "خطة السلام والازدهار" ذريعة إذ تنص أنه "مسموح للجنة إدارة غزة بالعمل فقط في المناطق الشرقية التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شعث يرفض العودة لمناطق سيطرة الجيش
بحسب المعلومات الواردة، فإن رئيس التكنوقراط علي شعث يرفض أن يدخل غزة الشرقية، حيث ينتشر جنود الجيش الإسرائيلي، ويرى أن هذه "خطوة غير وطنية وتماهٍ مع مخططات إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية".
في السياق، قال الباحث السياسي تيسير عابد "اللجنة الوطنية غير ممنوعة من دخول غزة، هي ممنوعة من دخول أماكن سيطرة (حماس)، رفض عودة التكنوقراط والدخول إلى غزة الشرقية هو رفض من اللجنة نفسها التي لا تتصور أن تعمل هناك، لذلك أتوقع ألا تبقى اللجنة بأعضائها أنفسهم"، وتوقع تقديم استقالات أو استبدال أعضائها "بفريق يقبل العمل تحت حماية وسيطرة الجيش الإسرائيلي".
بحسب المعلومات الواردة، أجرى شعث اتصالات مع المندوب السامي لغزة نيكولاي ملادينوف ومع الإدارة الأميركية طالباً إيجاد حلول. ومن المتوقع أن يفضي اجتماع مجلس السلام الذي ينوي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقده، بعد أيام، إلى وصول اللجنة للقطاع ومباشرة أعمالها.
ملف الأمن والمال مع "حماس"
لكن قبل أن تدخل التكنوقراط إلى غزة هناك ملفان يجب حلهما مع "حماس" للتمكن من ممارسة مهامها من دون أي عراقيل، وهما الملفان الأمني والمالي، إذ تطلب الحركة تولي الإدارة الجديدة دفع رواتب ومستحقات موظفيها، إضافة إلى دمج عناصر شرطتها في القوات الفلسطينية التي تتجهز لدخول غزة.
وفي تفاصيل ملف الأمن، تعترض "حماس" على وصول مسؤول ملف الأمن في اللجنة سامي نسمان إلى القطاع، على خلفية قضايا سابقة، وتطالب باستبداله بشخصية أخرى، على خلفية أن عليه حكماً قضائياً بتهمة التحريض على الفوضى كانت محكمة تابعة للحركة في غزة حكمت عليه غيابياً بالحرب الأهلية القصيرة عام 2006.
وفي الملف نفسه تريد "حماس" دمج نحو 10 آلاف من عناصرها الأمنية في الأجهزة التي ستشرف على عملها اللجنة، في محاولة لفرض وجودها ضمن خطط اليوم التالي للحرب، وأظهرت رسالة داخلية موجهة من حكومة غزة إلى موظفيها أنهم يسعون لدمجهم في حكومة التكنوقراط.
ترفض إسرائيل والولايات المتحدة والوسطاء هذا الطلب، فيما لا يلقى الأمر ذاته رفض اللجنة. ويقول رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "تحاول (حماس) التشبث بالوجود في اليوم التالي للحرب، لكن تعهدت بألا يكون لها أي دور في مستقبل غزة".
أما في الملف المالي، فتطلب حماس 1.7 مليار دولار كرواتب مستحقة لموظفيها في غزة يجب دفعها قبل بدء عمل لجنة التكنوقراط، ومن ثم على الإدارة الجديدة تولي دفع رواتب السلك الحكومي التابع لها بانتظام.
وقال الباحث السياسي عبدالكريم منصور "القضايا العالقة تتمثل في غياب الرغبة من (حماس) في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية، لا أعتقد أن هناك حلولاً قريبة. الملف الأمني هو أكثر تعقيداً".
شعث يستنجد بالوسطاء
يعترف رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث بعراقيل "حماس" وإسرائيل قائلاً "هناك محاولات لعدم منحنا الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة، إضافة إلى المهام الشرطية، ولكن يجب إيجاد حلول لكي نتمكن من أداء المهام في القطاع المحاصر بكفاءة واستقلالية"، وأضاف "يجب أن تكون هناك تفاهمات واضحة ومحددة تتسم بالشفافية وقابلية التنفيذ والمتابعة، وبما ينسجم مع خطة النقاط الـ20 وقرار مجلس الأمن رقم 2803، لا يمكن للجنة الوطنية لإدارة غزة أن تتحمل مسؤولياتها على نحو فعال ما لم تمنح الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة اللازمة لأداء مهامها"، وتعهّد شعث بصون كرامة أهالي غزة وإشراك القادة الوطنيين في إسهامات البناء، لكنه متخوف من العراقيل التي تضعها "حماس" لذلك طلب من الوسطاء تسريع معالجة القضايا العالقة.
من جانبه قال وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي "ندعم لجنة إدارة غزة ويجب التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بدخول التكنوقراط إلى أرض القطاع بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار".
شروط دخول غزة
قال الممثل السامي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف "يجب استيفاء عدد من الشروط قبل أن تتمكن اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة من دخول القطاع والعمل فيه، أولها يجب على حماس نقل السيطرة المدنية عن مؤسسات غزة وهذه ليست عملية سهلة، وتتطلب تخطيطاً دقيقاً إلى جانب المراقبة والتحقق لضمان تنفيذها على النحو الأمثل"، وأضاف "قبل دخول التكنوقراط غزة يجب وقف انتهاكات وقف إطلاق النار، في حال دخول اللجنة غزة مع استمرار الانتهاكات، فإننا بذلك نحرج اللجنة ونجعلها في نهاية المطاف غير فعالة، ويجب زيادة المساعدات المقدمة إلى غزة بشكل جذري، بما في ذلك المساكن الموقتة والخيام والقوافل والأدوية والغذاء حتى يتمكن الناس من رؤية تغيير ملموس في حياتهم سريعاً"، وتابع ملادينوف "أيضاً يجب وضع إطار متفق عليه لنزع السلاح في غزة، والشرط الأكثر أهمية هو نشر قوة أمنية فلسطينية جديدة على الأرض، وإذا تحققت هذه الشروط سيكون من السهل دخول لجنة إدارة غزة للقطاع والعمل هناك بنزاهة وحيادية وشفافية".
"حماس": نحن لسنا عقبة
ونفت "حماس"، في المقابل، وجود أي عراقيل، وقال المتحدث باسمها حازم قاسم "المؤسسات الحكومية في غزة جاهزة للتسليم، كل وزارة لديها تفصيل ضمن نظام وشكل وترتيب كامل لإتمام عملية التسليم بكل سهولة، ومن دون أية معوقات"، وأضاف "(حماس) لا تمنع تسليم إدارة القطاع وعلى المستويات كافة ومن ضمنها أيضاً المجال الأمني، نحن لسنا حجر عثرة، إسرائيل هي أساس المعوقات التي تواجه اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، نتنياهو لا يريد أن ينتقل من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، بينما (حماس) ملتزمة".