Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حي السفارات: جولة على أعتاب التهديد والتاريخ

عميد السلك الدبلوماسي وسفراء يتحدون المسيّرات الإيرانية ويصلّون في جامع الحي الذي حدثنا مهندسه عن لحظات ميلاده الأولى

"الكندي" بجامعها مصنفة ضمن أروع الساحات حول العالم (مكتب علي الشعيبي)

ملخص

يمتد الحي على مساحة تقارب ثمانية كيلومترات مربعة، ويضم أكثر من 100 بعثة دبلوماسية ومنظمة دولية، إضافة إلى مساكن للدبلوماسيين ومدارس ومرافق ثقافية ومناطق خضراء.

في الطرف الغربي من شمال الرياض، خلف طرق تحفّها الأشجار ومسارات المشي الهادئة، يقع حي صمم ليكون مساحة للدبلوماسية قبل كل شيء.

هنا، حيث تنتشر عشرات السفارات والمنظمات الدولية، اعتاد الدبلوماسيون أن يعيشوا ويعملوا في المكان نفسه، في حي أصبح بمرور العقود أحد أكثر المساحات الدولية حضوراً في السعودية.

لكن مع التوترات الأخيرة في المنطقة واستهداف الحي بالمسيّرات مرات عدة، عاد "حي السفارات" لواجهة الأخبار، ليس بوصفه مشروعاً عمرانياً فريداً فقط، بل باعتباره رمزاً للدبلوماسية التي تجد نفسها أحياناً في قلب العواصف السياسية.

لم يُصمم الحي بوصفه شارعاً للسفارات كما في كثير من العواصم، بل مدينة صغيرة متكاملة، إذ يمتد على مساحة تقارب ثمانية كيلومترات مربعة، ويضم أكثر من 100 بعثة دبلوماسية ومنظمة دولية، إضافة إلى مساكن للدبلوماسيين ومدارس ومرافق ثقافية ومناطق خضراء.

وبعد استهداف السفارة الأميركية وتعرضها لأضرار وصفتها وزارة الدفاع السعودية بـ"المادية المحدودة" في الثالث من مارس (آذار) الماضي من جانب إيران التي نفت لاحقاً مسؤوليتها عن الهجوم، قامت "اندبندنت عربية" بجولة في الحي الذي بدا مصراً على التمسك بشخصيته الوادعة، على رغم التهديد الذي تكرر التصدي له مرات عدة.

صلاة التحدي والدبلوماسية

وقال عميد السلك الدبلوماسي في الرياض سفير جيبوتي ضياء بامخرمة بعد اصطحاب جمع من سفراء الدول الإسلامية في "حي السفارات"، إنهم قاموا بأداء الصلاة داخل جامعه، في خطوة فهمت على أنها تحدياً للمسيّرات الإيرانية، وتهديدها سكينة المجمع الذي كانت طهران أكثر الشهود على حياده، وهي التي كانت بين آخر البعثات التي نظمت فيه يومها الوطني قبل أيام من اندلاع الحرب.

وأضاف "في آخر جمعة من رمضان المبارك، أدّينا الصلاة داخل جامع السفارات، في أجواء مفعمة بالأمن والسكينة والطمأنينة، ولله الحمد"، مشيراً إلى أن الحي بالنسبة إليه وزملائه السفراء "يجسد بما يتميز به من خصوصية ومكانة فريدة على المستوى العالمي، نموذجاً راقياً للتعايش والانفتاح والتلاقي بين الثقافات".

 وأعرب في تدوينة على "إكس" عن امتنانه لتضحيات الجنود السعوديين من الدفاع الجوي، قائلاً إن الدبلوماسيين والسكان في المدينة "ينعمون بالأمن والطمأنينة بفضل الجهود والتضحيات الجليلة التي يبذلونها".

ووفق توضيح الهيئة الملكية لمدينة الرياض، فإن فكرة الحي جاءت خلال أواخر سبعينيات القرن الماضي ضمن رؤية لتطوير العاصمة وجمع البعثات الدبلوماسية في منطقة واحدة توفر بيئة آمنة ومنظمة للعمل الدبلوماسي، وفق رؤية العاهل السعودي الملك سلمان الذي كان لأكثر من 50 عاماً قبل توليه الحكم أميراً للمدينة التي توسعت أثناء عهده، وصارت بين الأكبر مساحة والأكثر سكاناً حول العالم.

ولذلك يقول ضمن أحد التسجيلات النادرة، وهو يتحدث عن الرياض "شهادتي فيها مجروحة، فهي في عيني أجمل البلدان، ورمز لما في المملكة عامة، وعنوان الكتاب".

 وتشير تقارير الهيئة إلى أن الحي صمم ليكون "مجتمعاً حضرياً متكاملاً يجمع بين العمل الدبلوماسي والسكن والخدمات في بيئة عمرانية متوازنة"، مما جعله مختلفاً عن معظم المناطق الدبلوماسية في العالم، حيث تنتشر السفارات عادة ضمن أحياء متفرقة داخل المدينة.

وأجواء الحرب التي أطلت برأسها أخيراً على الحي، سبقتها أخرى، إلا أنها لم تجهض المشروع وهو في المهد، فكيف الآن، وقد غدا أحد صروح البلاد التي تستثمر فيه كواجهة حضارية ودبلوماسية وتنموية.

ويروي مهندس المناظر الطبيعية في المشروع قبل 50 عاماً، الكندي إيريك موستونون خلال حديث إلى "اندبندنت عربية" أنه أثناء مرحلة التخطيط الذي شارك في تنفيذه لاحقاً، سمع بين الخبراء الأجانب أن من بين خيارات تصميم الحي أن يكون على مساحة "تسمح بمرور دبابات الجيش حول جميع السفارات والمساكن الدبلوماسية، لكن التوجه الأخير الذي دعمته الحكومة السعودية هو الخيار الثاني بإنشاء مناطق ترفيهية للمجتمع الدبلوماسي الدولي الذي كان يجري نقله من جدة، وليس المظهر الذي يوحي بأنه قلعة عسكرية".

ومع أن الحرب الإيرانية - العراقية اندلعت عام 1980، وكان ذلك مصدراً لبعض القلق، كما يفيد المهندس الثمانيني "لكنه لم يؤدِّ إلى أية تغييرات في المخطط، وبالمثل، لم يسفر غزو العراق للكويت عام 1990 عن أية تغييرات علمتُ بها".

وتبذل الجهات القائمة على مجمع السفارات، جهوداً لافتة في دعم "أنسنة" المدينة الدبلوماسية التي أصبحت أيضاً مقراً لمؤسسات إعلامية وهيئات حكومية مرموقة، من دون التفريط في الاحتياطات الأمنية التي شهدت ذروتها في المنطقة بعد موجات الإرهاب واستهداف تنظيم "القاعدة" الأميركيين والأجانب عام 2003.

عمارة نجدية بروح عالمية

من السمات التي تميز "حي السفارات" طابعه المعماري، فعلى عكس كثير من الأحياء الدبلوماسية ذات الطراز الغربي، استلهم تصميمه من العمارة النجدية التقليدية، باستخدام ألوان الأرض والفراغات المفتوحة والساحات الداخلية.

ونال المشروع عدداً من الجوائز المعمارية الدولية، بينها جائزة "الآغا خان" للعمارة، تقديراً لنجاحه في المزج بين التخطيط الحضري الحديث والهوية المحلية. كذلك تنتشر في الحي مساحات خضراء ومسارات للمشي والدراجات جعلته أحد أكثر مناطق الرياض جذباً للزوار.

 

ويكشف المهندس السعودي علي الشعيبي عن أن أمير الرياض (الملك لاحقاً) سلمان بن عبدالعزيز قال للمخططين الأجانب إنه "لا يريد لاس فيغاس في الرياض، فهو يريد تجمعات بخدمات عصرية، تنتمي لبيئة السعودية وهويتها، وتلك هي الفكرة التي ولد منها طراز حي السفارات، وكثير من المشاريع النموذجية في العاصمة".

وبمرور الوقت، أصبح الحي ليس فقط مقراً للبعثات الدبلوماسية، بل وجهة ثقافية وسياحية أيضاً، حيث تقام فيه فعاليات ثقافية ومهرجانات ويقصده سكان الرياض للاستمتاع بالمقاهي والمطاعم والساحات العامة.

مجتمع دولي صغير

بالنسبة إلى كثير من الدبلوماسيين، يمثل الحي مجتمعاً دولياً مصغراً، فالسفارات المتجاورة والمساحات المشتركة خلقت بيئة تتيح لقاءات غير رسمية بين ممثلي الدول المختلفة، بعيداً من البروتوكولات الصارمة.

ويقول أحد الدبلوماسيين المقيمين في الحي إن ما يميزه هو "الشعور بأنك تعيش في قرية دبلوماسية، حيث يمكن أن تلتقي زملاء من دول مختلفة داخل مقهى أو أثناء المشي في الحدائق، مما يخلق نوعاً من الحوار غير الرسمي بين الثقافات" ويجعل الحي يوصف أحياناً بأنه أحد أكثر أحياء الرياض "عالمية"، إذ يجمع سكاناً من عشرات الجنسيات المختلفة.

بينما يشير العميد بامخرمة في حديث سابق مع "اندبندنت عربية" إلى أن الحي يكتسب قيمته الأكبر بوجوده في الرياض، التي تقر دول العالم كافة بثقلها السياسي المتزايد، "مما جعل كثيراً من الدول تحرص على إسناد المهمات الدبلوماسية فيها لمبعوثين من ذوي الخبرات العالية والنفوذ في بلادهم، بينهم وزراء سابقون وسفراء فوق العادة وأفراد من العائلات الحاكمة في الدول الملكية"، كما هو القائم في حال دول الخليج على سبيل المثال، فكثيراً ما كان سفراؤها في السعودية من آل الصباح وآل خليفة وآل ثاني وآل نهيان والبوسعيدي، نسبة إلى العائلات الحاكمة لدول مجلس التعاون الخليجي. 

وفي لحظة كتابة هذا التقرير، أحصت "اندبندنت عربية" نحو 10 سفراء ضمن المجموعة العربية والإسلامية، كانوا وزراء في بلدانهم أو سفراء بمرتبة وزير، أمثال التركي والمغربي والموريتاني والقرغيزي.

لكن الهدوء الذي ارتبط طويلاً بصورة "حي السفارات" تعرض لاختبار صعب مع التصعيد الإقليمي الأخير، فاستهداف بعض السفارات أعاد طرح أسئلة حول أمن المناطق الدبلوماسية في أوقات النزاعات.

وبالنسبة إلى الدبلوماسيين، فإن المفارقة واضحة، حي بُني ليكون مساحة للحوار بين الدول ليس منطقياً أن يجد نفسه في قلب التوترات التي تحاول الدبلوماسية أصلاً احتواءها.

ويقول دبلوماسي غربي يعمل في الرياض إن "وجود السفارات في مكان واحد يجعل الحي رمزاً للحضور الدولي في السعودية، لكنه يعني أيضاً أن أي توتر إقليمي يسلط الضوء عليه فوراً".

رمز للدبلوماسية السعودية

مع انتقال معظم السفارات الأجنبية إليه خلال العقود الماضية من جدة، أصبح "حي السفارات" مركزاً غير رسمي للنشاط الدبلوماسي في السعودية، فكثير من اللقاءات الرسمية وغير الرسمية بين المسؤولين والدبلوماسيين تجري داخله، كما أنه يشكل نقطة انطلاق للعلاقات الدولية التي تديرها المملكة من عاصمتها.

وفي ظل التحولات التي تشهدها الرياض وتنامي دورها السياسي والاقتصادي، يزداد حضور الحي بوصفه مساحة تجمع ممثلي العالم في مكان واحد.

ولهذا، فإن أي تهديد يطاول حي السفارات لا يُنظر إليه على أنه استهداف لمبانٍ دبلوماسية فقط، بل لمساحة رمزية تمثل حضور المجتمع الدولي في المملكة ومكاناً صُمم قبل عقود ليكون جسراً للحوار بين الدول، حتى خلال أكثر الأوقات توتراً.

وفي هذا الصدد يشير الناقد العمراني الأكاديمي مشاري النعيم إلى أن المشروع يحمل أبعاداً سياسية وثقافية عميقة، ويؤكد أن "الاعتداء على مكان تجتمع فيه سفارات الدول ويتمتع بحصانة دبلوماسية يُعد تعدياً واضحاً على الأعراف الدولية"، كما أنه يجسد في الوقت ذاته "قيمة رمزية ثقافية للمملكة، ويمثل الاستقرار الأمني والقوة السياسية التي تملكها"، معتبراً أن "استهدافه محاولة فاشلة للنيل من البعدين الثقافي والسياسي اللذين تحظى بهما المملكة".

 

ولا تقتصر رمزية حي السفارات على مباني السفارات وحدها، بل تتجسد أيضاً في معالمه الثقافية والعمرانية التي صممت لتعكس فكرة الحوار بين الحضارات، ومن أبرز هذه المعالم "قصر الثقافة" الذي يستضيف فعاليات فكرية وثقافية متنوعة، و "قصر طويق" الذي أصبح أحد أشهر الرموز المعمارية في الرياض بواجهته الحجرية المقوسة التي تحتضن فعاليات دبلوماسية وسياسية واجتماعية.

وتشكل ساحة الكندي قلب الحي النابض، يتوسطها جامع الكندي الذي يتسع لنحو 5 آلاف مصلّ، فيقول أحدهم إن هذا "الجامع وبقية مساجد الحي الأصغر قد تكون من المساجد القليلة في العالم التي يؤم فيها للصلاة أحياناً دبلوماسيون من دول وثقافات مختلفة"، في مشهد يجسد المعنى الرمزي للحي الذي يجمع ممثلي العالم في مكان واحد.

مفارقة السفارة الإيرانية

ومن المفارقات اللافتة أن إيران التي كانت سفارتها في الرياض من بين البعثات التي اعتادت تنظيم احتفالات بيومها الوطني داخل الحي الدبلوماسي، أصبحت لاحقاً طرفاً في التوترات التي هددت سكينة هذا المكان، فقبل أعوام قليلة من التصعيد الأخير، كانت السفارة الإيرانية وموظفوها وعائلاتهم يعيشون في الحي حياة هادئة كسائر البعثات الدبلوماسية.

وحتى عندما قطعت العلاقات بين الرياض وطهران لنحو سبعة أعوام بعد الاعتداء على البعثات الدبلوماسية السعودية لدى إيران عام 2016، حين تعرضت السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد للاقتحام والإحراق والنهب على يد محتجين، ظلت السفارة الإيرانية في الرياض تحظى بالحماية والرعاية وفق الأعراف الدبلوماسية، فلما عاد الدبلوماسيون وعائلاتهم وجدوا مقارهم كما تركوها من قبل، على عكس المباني السعودية في طهران ومشهد، في دلالة على التزام المملكة قواعد الحصانة الدبلوماسية حتى في أوقات التوتر السياسي.

ومن الخصائص التي تميز حي السفارات أيضاً أنه لم يكُن فضاءً مغلقاً على الدبلوماسيين وحدهم، فمنذ مراحله الأولى أصبح الحي متنفساً مفضلاً لشرائح من سكان الرياض بفضل مساحاته الخضراء ومرافقه النموذجية ومقاهيه التي يطل بعضها على حدائق ومساحات واسعة.

ويروي العم إبراهيم (75 سنة) أن بعض سكان العاصمة قبل اكتمال بناء الفيلات والمنشآت الدبلوماسية كانوا يقضون أمسيات طويلة في طرقاته وأرصفته المفتوحة، مستمتعين بهدوئه ونسماته في مدينة كانت لا تزال تتوسع عمرانياً، غير أن هذا الانفتاح بدأ يتراجع تدريجاً مع تشديد الإجراءات الأمنية في الرياض بعد موجة التهديدات الإرهابية التي شهدتها السعودية خلال الأعوام التي تلت هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، مما جعل الحي أكثر تنظيماً وحراسة، مع احتفاظه على رغم ذلك بطابعه العمراني والثقافي المميز.

مخططات الميلاد الأول

وكشفت الوثائق التاريخية عن تفاصيل دقيقة حول نشأة "حي السفارات" وتطوره، وأوضحت أن المشروع صممه المكتب الألماني ألبيرت سبير وشركاه ونُفذ عبر المهندس إيريك موستونين الذي سبقت الإشارة إليه،  وبدأ العمل في المشروع الضخم بوصفه أحد مشاريع الطفرة الاقتصادية، خلال النصف الثاني من السبعينيات الميلادية، وانتهى عام 1982 الموافق 1403هـ.

وبحسب وثائق المخططات الأولى التي أفرجت عنها أمانة مدينة الرياض في كتاب تاريخي عن "ذاكرة الرياض"، صممت الخطة العامة للحي لضمان الاكتفاء الذاتي، وتشمل مركزاً يجمع الخدمات الأساسية كافة، ويضم خمس مناطق رئيسة، منطقة السفارات ومنطقة سكنية تحوي عمارات ومنطقة الجوار السكني والمنطقة المركزية ومناطق الأنشطة الرياضية والترفيهية والحدائق.

وتقع المنطقة المركزية في موقع متوسط بين منطقة السفارات والمناطق السكنية، وتتخذ شكل شريط طولي يبلغ طوله نحو 1200 متر وعرضه 150 متراً.

 

وعلى صعيد التخطيط السكني، هناك خمس مناطق سكنية حول المنطقة المركزية وفق "الأمانة"، يخترق كلاً منها طريق دائري رئيس. ومن هذه الطرق الدائرية تنشأ شوارع فرعية تؤدي إلى شوارع مغلقة تضمن الوصول إلى الوحدات السكنية المجاورة، وتحد من الحركة المرورية، مما يعزز الخصوصية والأمان في تلك المناطق.

أما الأراضي المحاذية للطرق الدائرية، فمخصصة لعمائر سكنية متعددة الأدوار، بينما الأراضي المطلة على الشوارع الفرعية مخصصة للفلل السكنية المنفصلة والمزدوجة.

وتشمل كل منطقة سكنية مركزاً يحوي مسجداً ومرافق تعليمية وحديقة، إضافة إلى بعض المرافق التجارية.

وتفصل مناطق التنسيق الصحراوي المناطق السكنية عن وادي حنيفة، وتوفر مناطق ترفيهية تطل على الوادي للحفاظ على طبيعته وجماله.

ويرى الأكاديمي المتخصص في نقد التراث العمراني مشاري النعيم أن فهم تجربة "حي السفارات" في الرياض يتطلب العودة للسياق التاريخي الذي نشأ فيه، ويقول "لا بد في البداية  من أن نضع في الاعتبار المرحلة التاريخية التي ظهر فيها حي السفارات"، موضحاً أن الرياض في منتصف السبعينيات كانت تعيش موجة حداثية كبيرة بعد أن بدأت منذ الخمسينيات الانتقال من مدينة تقليدية إلى مدينة حديثة.

 ويضيف "خلال عقدين تقريباً تغيرت ملامح الرياض بالكامل"، مشيراً إلى أن مسابقة تخطيط المدينة التي قدمت عام 1968 واعتمدت عام 1972 كانت من أبرز اللحظات التي أسهمت في هذا التحول الفكري والتخطيطي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويلفت إلى أن التحولات العمرانية خلال تلك المرحلة ترافقت مع مشاريع كبرى لإعادة بناء مركز المدينة مثل مشروع تطوير منطقة قصر الحكم الذي فاز به المعماري الإيطالي روبرتو بني. ويقول إن هذه المشاريع مهدت الطريق لظهور تجربة مختلفة في "حي السفارات" الذي "يمكن اعتباره بداية التحول الحقيقي للرياض إلى عاصمة للعمارة الإقليمية الجديدة أو ما يمكن تسميته ’العمارة التقليدية الجديدة‘ التي كانت مرتبطة برؤية الملك سلمان للعمارة في المدينة"، يوم كان حاكمها الإداري قبل أن يكون ملكاً.

وينظر النعيم في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إلى تجربة "حي السفارات" من زاوية فكرية وفلسفية متكاملة، أكثر منها عمرانية، فهو يرى نموذجه "مختبراً فكرياً يحتضن مجموعة من التجارب التي صنعت توجهاً مختلفاً للعمارة ليس في السعودية فقط بل في العالم العربي"، وهو توجه قال إنه لم يقتصر على المباني الفردية، على رغم أن مشاريع مثل ساحة الكندي وقصر طويق حازت "جائزة الآغا خان للعمارة"، بل امتد إلى المخطط العام للحي نفسه.

ويشرح أن "المخطط الذي أعده المعماري الألماني سبير بلان استعاد ذاكرة المدينة العربية التقليدية، إذ تشكل المنطقة المركزية قلب الحي وتنطلق منها الأحياء المحيطة بشكل إشعاعي، وهي صورة مختصرة للمدينة العربية التقليدية".

ولادة عسيرة لـ"النواة الأولى"

في هذا السياق يروي لنا المهندس علي الشعيبي قصة التحول التي حدثت، فعلى رغم وضع الشركة الألمانية لمساتها الأخيرة على المخطط، فإن التفاصيل أظهرت بعض التحديات التي كشف عن أن التعامل معها، كان مهمة أنيطت به على نحو ما كان على جدول الأعمال.

ويحكي أن نقل السفارات إلى الرياض شكّل لحظة مفصلية في تخطيط العاصمة، إذ لم تكُن المدينة مهيأة في ذلك الوقت لاستقبال هذا الحضور الدبلوماسي، فاستدعى القرار "إطلاق حزمة مشاريع عمرانية كبرى بتوجيه القيادة، فعندما اتُخذ ذلك القرار لم تكن هناك حتى قنصلية واحدة في العاصمة، لذلك كان لا بد من تأهيل المدينة لاستقبال السلك الدبلوماسي".

 وكان ذلك السياق الذي أذن بميلاد عدد من المشاريع المحورية مثل منطقة "قصر الحكم وحي السفارات وإسكان وزارة الخارجية"، في إطار رؤية تقوم على التطوير من دون فقدان الهوية، وقال الشعيبي "كانت الفكرة واضحة، نريد تطويراً لا تغييراً، ولا نريد تقليد الآخرين، بل نبحث عن مزايا جديدة تناسب بيئة الرياض".

 

وكانت البعثات الدبلوماسية لدى البلاد موجودة في جدة والشرقية، بوصفهما منطقتي الثقل الدبلوماسي والاقتصادي في مملكة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، قبل أن تشهد العاصمة الرياض تطوراً تنموياً وسياسياً، جعلها مهيأة لتصبح هي المركز، علماً أن غالبية الدول لا تزال تحتفظ بقنصليات لها في جدة.

ويعود الشعيبي لرواية القصة، مشيراً إلى أنه عندما اعتمد مخطط الحي "كنا سعداء به لأنه قدم قيماً عمرانية لافتة حافظت على هوية المكان، فمن الشروط ألا تأتي كل سفارة وتبني مبنى يعكس طراز بلدها بالكامل، يمكن إضافة لمسات، لكن لا يجوز الخروج عن النمط العمراني للرياض، فلا يمكن أن تبني مبنى استوائياً في بيئة صحراوية".

ويروي الشعيبي أن فكرة تصميم أول مبنى نموذجي في الحي جاءت بعد بقاء جزء من موازنة الاستشاري، إذ اقترح المشرف على المشروع محمد آل الشيخ أن يُكلّف مكتباً محلياً وضع نموذج يحتذى لبقية السفارات، وقال "كُلفت تصميم مبنى بلدية حي السفارات قرب موقع السفارة الأميركية حالياً، لكنني جلست خمسة أيام ولم أستطِع رسم خط واحد"، قبل أن يستوعب لاحقاً أن المشكلة تتعلق بالسياق العمراني، "فإذا أردنا أن نقدم نموذجاً حقيقياً، فلا بد من أن ينطلق من سياق المدينة وثقافتها، من هنا بدأ التفكير في ساحة الكندي باعتبارها مركز الحي، مستلهماً النمط التقليدي للمدن في المنطقة.

وأضاف "عدتُ حينها للمدينة في عالمنا العربي والإسلامي، فاستوعبت أنها تبدأ بالمسجد، ثم الأسواق والدكاكين حوله، وتكون الجهة الإدارية مقابلة له. وهذه العلاقة بين المسجد والحاكم والسوق هي التي شكلت نواة المدن الإسلامية، فقلت في نفسي، ’وجدت فاتحة المشروع‘".

ساحة مسجد الكندي... النواة الروحية

وهكذا كان، فصُمم مبنى مسجد وساحة الكندي من قبل مكتب البيئة (علي الشعيبي وعبدالرحمن الحصيني)، وصنفت الساحة بعد ذلك واحدة من أجمل وأهم الساحات في مدينة الرياض، وتميزت بأنها موقع سياحي تتخلله ممرات المشاة والنوافير، وأحواض الزراعة، وأماكن الجلوس المطلة على عدد من المحال التجارية والمرافق الحكومية. وتكاد تكون، مع قصر طويق، سبباً في معرفة أهالي الرياض بـ"حي السفارات"، نظراً إلى زياراتهم المتكررة لهذين الموقعين.

وأسهم تصميم المسجد والساحة في التشكيل العمراني للحي، وكان للتصميم تأثير كبير في طبيعة الحياة اليومية لمستخدمي المكان.

 ويُعد المشروع بحسب تصنيف أمانة مدينة الرياض مثالاً على استعادة "روح المكان" في التصميم العمراني المعاصر للمدن الإسلامية، إذ "قام المصمم بمحاولة إعادة تقدير القيم التقليدية ودمجها مع المعايير الحديثة للتصميم، من خلال استخدام التكنولوجيا والمواد الحديثة بطرائق تحترم البيئة وتعزز الخصائص الاجتماعية والثقافية التقليدية". وكذلك راعى التصميم أهمية وجود المسجد كجزء لا يتجزأ من مكونات الفراغ العمراني، مما عكس الأهمية الروحية والمجتمعية للساحة.

وفي الجزء الغربي من الحي، ظهرت أيقونة أخرى هي "قصر طويق" الذي شكل هو الآخر علامة من علامات الحي المرتبطة بسكان الرياض فضلاً عن مجمع السفارات، إذ ارتبط مجتمعياً بعدد من مناسبات الأفراح والزواج لبعض أهالي مدينة الرياض، إضافة إلى المعارض والندوات الثقافية والفنية وحفلات الاستقبال الرسمية، وهو الذي يتميز بتصميم معماري عضوي فريد يتبع تخطيطاً منحنياً ومتعرجاً يحاكي الأشكال الطبيعية.

لم تتوقف أيقونات الحي عند النماذج الأولى، التي ابتكرها المهندسون السعوديون والعالميون، فهو لا يزال في تجدد مستمر، ومن آخر التطورات في هذا السياق، وضع حجر الأساس 2023 لمبنى جديد للسفارة الأميركية، أحيط تدشينه بزخم كبير، بالنظر إلى تزامنه مع حقبة شهدت توتر العلاقة، واتجاه واشنطن إلى الانسحاب من المنطقة كلية. مما جعل السفير مايكل راتني يعتبر الخطوة، استثماراً في المستقبل، إذ "تعتبر السفارة الجديدة والتي من المقرر أن تكون أكبر سفارة في المملكة العربية السعودية رمزاً لتوسع العلاقات بين البلدين، فلا تقتصر تلك العلاقات على قطاعي الطاقة والأمن فقط، بل تشمل أيضًا قطاعات الأعمال التجارية والتكنولوجيا والتعليم والابتكار ولا سيما مجالات الفنون والثقافة على نحو متزايد".

السفير راتني أكد حينها أن حجم هذا المشروع ونطاقه الذي يطمح إليه يعكسان الشراكة الاستراتيجية القوية والمتنامية بين الولايات المتحدة والسعودية. وهي رسالة يرى المراقبون أنها صارت أكثر أهمية، بعد محاولات استهداف السفارة الأميركية، ومحاولات تخريب العلاقة التاريخية بين واشنطن وحليفاتها الخليجية.

تبقى أهمية "حي السفارات" كما يلخص الناقد المعماري مشاري النعيم في أنه نقل الأفكار المعمارية من مستوى التجربة المحدودة إلى مستوى المدينة الكاملة، "فهناك فرق بين أن تتبنى فكرة معمارية مثلما فعل حسن فتحي في بعض مشاريعه، وأن تتبنى مدينة كاملة فكرةً وتطبقها عبر مشاريع كبرى متجددة، ولذلك فإن حي السفارات يُعد أحد نقاط التحول الأساسية في تاريخ العمارة السعودية".

ولذلك يعتقد بأن أي تهديد له، هو محاولة مهما فشلت، تستهدف "قيمة البلاد الثقافية والتنموية والسياسية التي جسدتها مجتمعة أيقونة الحي".

أما مصممه الكندي إيريك، فإنه يرى المشروع فاتحة لبروزه الدولي، فقد صار بعده ذائع الصيت في ماليزيا وأنحاء أخرى من آسيا، وألهم نموذجه آخرين لبناء تجارب مماثلة في سياقات أخرى غير الدبلوماسية.

ويضيف "ربما معظم الأشخاص الذين عملوا في مشروع حي السفارات منذ أكثر من 45 عاماً تقاعدوا الآن أو توفوا. أما أنا فتقاعدت أخيراً في سن الـ80. إلا أنه كان أول مشروع دولي مهم بالنسبة إلي. وقالوا لنا في ماليزيا إنهم اختاروا فريقنا بسبب خبرتنا في السعودية".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات