Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان وإيران... تاريخ معقد وأسئلة مفتوحة حول فك الارتباط

يرى الباحث حكم أمهز أن فكرة طلب طهران من الحزب تسليم سلاحه غير واردة على الاطلاق لا الآن ولا بعد مليون عام

تمر العلاقة بين لبنان وإيران في واحدة من أكثر المراحل حساسية وصعوبة (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

يرى مراقبون أن مسار فصل الملف اللبناني عن إيران يبقى شاقاً ومضنياً ما دام النظام الإيراني الراهن قائماً و"الحرس الثوري" ممسكاً بمفاصل السلطة، فيما يرى آخرون أنه ​​​​​يمكن تثبيت انتقال لبنان من حال الساحة والصفقة إلى حال الشراكة والسيادة من خلال طرح معاهدة دفاع إستراتيجي مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع الانضمام المدروس لمسار التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية، وتثبيت مظلة عربية راعية تقودها السعودية.

في لحظة إقليمية بالغة التعقيد تتقاطع فيها خطوط النار مع مسارات التفاوض، يبرز سؤال مركزي في المشهد اللبناني: هل يعاد رسم موقع لبنان التفاوضي خارج ظال الاشتباك الإيراني - الأميركي، أم أن ما يقدم من السلطة اللبنانية أخيراً على أنه استقلالية ليس سوى إعادة تموضع داخل المعادلة ذاتها؟ فبين ديناميات الميدان وضغوط الدبلوماسية تتكثف الإشارات المتناقضة، وتعاد صياغة السرديات السياسية وفق ميزان قوى لم يستقر بعد، وفي هذا السياق يكتسب خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون في اليوم الأول من بدء الهدنة بين لبنان وإسرائيل أهمية خاصة، إذ شدد على أن لبنان "يفاوض بنفسه وأنه غير مرتبط بأية قوة خارجية وليس في جيب أحد"، في محاولة لتكريس سردية سيادية تفاوضية مستقلة، وفصل الساحة اللبنانية عن المحاور الخارجية.

وفي ظل قناعة راسخة لدى "حزب الله" مفادها أن الربط اللبناني - الإيراني ليس خياراً سياسياً قابلاً للنقاش بل واقعاً هيكلياً راسخ تُكرسه موازين القوى، وأن أي قراءة تتجاهل هذه الحقيقة إنما تبني على وهم، فإن طرح الرئيس عون يفتح باب التساؤل حول مدى قابلية الفصل الفعلي بين المسارات، في ظل تشابك الملفات الإقليمية، وخصوصاً الارتباط البنيوي بين ساحات النزاع ومراكز القرار الدولية، فهل يشهد لبنان فعلاً لحظة فكّ ارتباط عن المسار الإيراني – الأميركي؟ أم أن التفاوض الجاري يدار ضمن هامش مرسوم سلفاً؟ وهل تمثل هذه المقاربة بداية استعادة القرار السيادي أم مجرد تكتيك مرحلي لاحتواء الضغوط؟ وكيف يمكن قراءة هذا الخطاب في ضوء توازنات القوة الداخلية وحدود قدرة الدولة على احتكار قراري الحرب والسلم؟

أربعة عقود من الارتباط البنيوي

لا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن مساره التاريخي، فمنذ تأسيس "حزب الله" عام 1982 على يد "الحرس الثوري" في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي، لم تكن العلاقة بين طهران والحزب مجرد تحالف براغماتي بل علاقة عقدية تقوم على مبدأ "ولاية الفقيه" التي تمنح المرشد الأعلى الإيراني سلطة دينية وسياسية على أتباعه خارج الحدود، وعلى مدى أربعة عقود وظّفت إيران هذا الرابط لتحويل لبنان إلى ساحة امتداد إستراتيجي تستخدمه ورقة ضغط في مواجهة إسرائيل والغرب، ورافعة للتأثير في معادلات المنطقة، وقد تجلّى هذا الدور في محطات فارقة، من حرب عام 2006 إلى دعم نظام الأسد في سوريا وصولاً إلى حرب عام 2024 التي كشفت بجلاء حدود هذا الارتباط وكُلفه الباهظة على لبنان الدولة والمجتمع.

 

لبنان لا يملك رفاهية التغريد خارج السرب

من طهران يطرح الخبير في الشؤون الإقليمية والدولية الدكتور حكم أمهز رؤية متماسكة مفادها أن "لبنان لم يعد يملك ترف الانفصال عن المعادلة الإيرانية، وأن محاولة تصوير المسارين على أنهما منفصلان إنما هي قراءة مجتزأة للواقع لا تصمد أمام الوقائع"، مفنداً الرواية الرسمية القائلة بأن وقف إطلاق النار جاء ثمرة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية مستنداً إلى تسلسل الأحداث، فقد اشترطت طهران منذ الجولة الأولى إغلاق الجبهات وعلّقت مشاركتها في مفاوضات إسلام آباد، حين تبلّغت باستثناء لبنان من الهدنة، وتحت هذا الضغط قبلت إسرائيل التفاوض مع بيروت بعد أن كانت قد رفضت دعوة رسمية من الرئيس اللبناني قبل أيام قليلة.

وقد وافق الجانب اللبناني، بحسب أمهز، من دون تمحيص كاف، في حين أن ترمب نفسه أقرّ بأن الاتفاق كان نتاج التفاوض الأميركي – الإيراني، ويرى أمهز أن "المرحلة التي أعقبت الحرب على إيران تختلف جوهرياً عمّا سبقها، إذ لم تعد طهران مجرد قوة إقليمية ذات نفوذ محدود بل باتت فاعلاً دولياً بامتياز، يمتد تأثيره ليطاول موازين القوى على المستوى العالمي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا السياق يُكشف أن "ثمة مساع جدية إلى بناء منظومة أمنية إقليمية تجمع الدول المحورية في المنطقة، إيران وتركيا والسعودية ومصر وباكستان وسواها، على قاعدة اتفاقات مشتركة تصون الاستقرار وتُحصن المنطقة في مواجهة التدخلات الخارجية"، معتبراً أن "لبنان لا يملك رفاهية التغريد خارج هذا السرب، لا لضعفه وحسب بل لأن ورقة 'المقاومة' تبقى رصيده الوحيد في معادلات القوة الإقليمية".

إيران لن تطلب تسليم السلاح

ويرفض الخبير في الشؤون الإقليمية والدولية المعادلة التي تربط مصير السلاح بمآلات التفاوض الإيراني - الأميركي، فهو يميز أولاً بين سلاح "حزب الله" وسلاح "المقاومة"، معتبراً أن "الثاني ملك للشعب يتجاوز الحزب ويشمل طيفاً واسعاً من اللبنانيين"، ويجزم بأن "طهران لن تطلب تسليم هذا السلاح تحت أي ظرف كان"، مستدلاً على ذلك بمؤشرات رمزية مثل رفع علم الحزب في الأستوديوهات الإيرانية للمرة الأولى، مضيفاً "بحسب معرفتي بالعقلية الإيرانية ومتابعتي للملف الإيراني وملف 'حزب الله' فيمكن أن أجزم بأن فكرة طلب إيران من الحزب تسليم سلاحه غير واردة على الإطلاق، لا الآن ولا بعد مليون عام"، غير أن الأهم في تحليله هو أن "قرار السلاح يبقى بيد 'المقاومة' لا بيد إيران، وأي حوار جدي في شأن إستراتيجية الدفاع الوطني لن يكون ممكناً قبل استيفاء شروط واضحة، وهي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب وإعادة الأسرى والانطلاق الفعلي في إعادة الإعمار".

فصل جزئي لا قطيعة كاملة

من جهته يطرح الكاتب السياسي مصطفى فحص قراءة دقيقة تتجاوز "ثنائية الفصل أو الوصل بين الملفين اللبناني والإيراني"، مقدماً معادلة من نوع آخر وهي أن "لبنان يفاوض على ما لا يملك صلاحية تطبيقه، وإيران تفاوض على ما لا تملك صلاحية قراره، أي سلاح 'حزب الله'، وهذا بحد ذاته يعني أننا أمام فصل منقوص لا فصل تام".

أما الخطاب الإيراني الذي أشاع أن طهران هي من حقق وقف إطلاق النار في لبنان، فيُفسّره فحص لا بوصفه دليلاً على ترابط الملفين بل رسالة طمأنة موجهة إلى "حزب الله" وبيئته، مفادها أن إيران لم تتخل عنهم، غير أن هذه الرسالة تكشف في الوقت ذاته عجز طهران عن الإمساك فعلياً بهذا الرابط.

وفي قلب الحسابات الإيرانية يضع فحص "حزب الله" بوصفه "أثمن استثمارات طهران الخارجية على الإطلاق، إذ لا تثق إيران إلا بشيعة لبنان لا بشيعة العراق، ولا بالعلويين من قبلهم، مما يجعل هذه العلاقة أكثر من مجرد تحالف بل رهاناً وجودياً، أما ما يعنيه الفصل فعلياً فليس قطع العلاقة بين لبنان وإيران، بل تحرير لبنان من ساحة الصراعات الإيرانية"، ويميز فحص بوضوح بين دورين، إيجابي تؤديه طهران حين تسهم في مشاريع إنمائية، وسلبي حين تحوّل لبنان إلى منطقة نفوذ مسلحة تعطّل الدستور وتهيمن على الدولة، وهذا الدور الأخير يرى فحص أنه بات شبه منته مما يفتح الباب أمام عودة الحزب لدوره الطبيعي كحزب سياسي يحتفظ بعلاقات جيدة مع طهران، من دون أن يكون أداة في يدها"، ولا يخفي فحص تشاؤمه، فمسار الفصل هذا يبقى شاقاً ومضنياً ما دام النظام الإيراني الراهن قائماً و"الحرس الثوري" ممسكاً بمفاصل السلطة.​​

 

على لبنان الانتقال من موقع التلقي إلى المبادرة

في سياق تحليلي متصل يقول المدير التنفيذي لملتقى التأثير المدني الدكتور زياد الصائغ إن "المسار اللبناني - الإسرائيلي يشهد تحولاً بنيوياً يُخرجه تدريجياً من إطار الاشتباك الإيراني – الأميركي، ليُعاد تموضعه ضمن مقاربة جيوسياسية مستقلة، إذ لم يعد لبنان مجرد ساحة لتقاطعات النفوذ، بل بات موضوعاً قائماً بذاته ضمن حسابات الاستقرار الإقليمي وإعادة تركيب توازنات شرق المتوسط"، مضيفاً أن "هذا التحول في المقاربة الأميركية يعكس إدراكاً متقدماً لأهمية لبنان كقيمة إستراتيجية مستقلة، لا كملف ملحق بالتفاوض مع إيران، وهو ما يتجلى في طبيعة الدخول الأميركي المتزايد، سواء عبر رعاية مسارات التفاوض أو من خلال الدفع نحو تثبيت معادلة الدولة السيدة القادرة، وكذلك فإن هذا المسار لم يكن ليتبلور لولا الدور المحوري الذي أداه اللوبي اللبناني في الولايات المتحدة، في إعادة توجيه بوصلة الاهتمام من منطق الساحة إلى حقيقة الشراكة".

ويتابع الصائغ أن "فصل المسارات لا يعني عزلاً تاماً عن السياق الإقليمي بل يعكس قراراً إستراتيجياً أميركياً بإدارة الملف اللبناني وفق أولويات خاصة، ترتبط بأمن الحدود الجنوبية واستقرار الداخل اللبناني، وإعادة التشكيل السيادي لمؤسسات الدولة، وهو ما يفتح نافذة أمام لبنان لإعادة تعريف موقعه، لا كخط تماس دائم بل كركيزة استقرار وشريك محتمل في منظومة أمن وسلام إقليمي ودولي قيد التشكل".

ويخلص الصائغ إلى أن "هذه اللحظة المفصلية تستدعي انتقالاً لبنانياً واعياً من موقع التلقي إلى موقع المبادرة، من خلال طرح معاهدة دفاع إستراتيجية مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع الدخول المدروس في مسار التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية، وتثبيت مظلة عربية راعية تقودها السعودية، فبهذا الخيار فقط يمكن تثبيت انتقال لبنان من حال الساحة والصفقة إلى حال الشراكة والسيادة، حال الدولة الجدية".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات