سودان الأزمات

الرحلة داخل السودان أشبه بالتجوال في قارة مصغرة نظراً إلى المساحة الجغرافية للدولة وتنوعها، لوحة من نسج الخيال، تراث ومعالم وخيرات طبيعية ومواقع أثرية وتاريخية وثروة من الكنوز والجزر الرائعة لنهر النيل العظيم فضلاً عن الأهرامات.

لكن في 15 أبريل (نيسان) 2023، أصبح التجوال في السودان رحلة ملغومة بعدما دوت أصوات الرصاص في أنحاء البلاد وتردد صداها في أرجاء العالم شتى. صراع أهلي اندلع في هذا البلد ووضعه في واجهة الأحداث الدولية ليتصاعد القلق من تداعيات المعارك على المنطقة والعالم. فكيف وصل السودان إلى هذه الحال ومن ينقذ شعبه من هول المأساة؟

يقع السودان في شمال شرقي أفريقيا ويمتد على مساحة حوالى 1,882,000 كيلومتر مربع، ما يجعله ثالث أكبر دولة من حيث المساحة في أفريقيا والعالم العربي

يطل السودان على البحر الأحمر من الشمال الشرقي وتحده سبع دول: مصر شمالاً وليبيا من الشمال الغربي وتشاد غرباً وجمهورية أفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي وجنوب السودان جنوباً وإثيوبيا من الجنوب الشرقي وإريتريا شرقاً

يتوسط السودان دول حوض النيل، ويقسم النهر أراضيه إلى شطرين شرقاً وغرباً، وتقع العاصمة الخرطوم عند ملتقى النيلين الأزرق الأبيض

يتخذ السودان الفيدرالية نظاماً لحكم
18 ولاية

ديموغرافيا السودان

ثروات السودان

على رغم الحروب والفقر والصراعات التي لا تنتهي، فإن السودان يعد من أغنى الدول الأفريقية بالموارد الطبيعية والثروة الحيوانية والمعدنية، فلديه رواسب غنية من الكروميت والمغنيسيوم واليورانيوم، ويعد ثالث أكبر منتج للذهب في القارة السمراء، إذ تصل احتياطات الذهب فيه إلى نحو 1550 طناً، وشكلت صادرات المعدن الأصفر أكثر من 45 في المئة من إجمالي صادرات البلاد بقيمة 1.7 مليار دولار في عام 2021، بحسب البيانات الرسمية. ويشغل التعدين حوالى 173 ألف كيلومتر، تعادل 16 في المئة من مساحة السودان.

وبحسب تقارير رسمية، تتمتع البلاد بحوالى 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، غير أن المستغل منها لا يتجاوز 40 مليوناً. كما تملك ثروة حيوانية هائلة، لكنها أيضاً غير مستغلة بكامل طاقتها.

إضافة إلى ما سبق، يملك السودان ثروات نفطية تناقصت بعد انفصال دولة جنوب السودان في عام 2011، ليصل الإنتاج إلى ما دون 60 ألف برميل يومياً.

أزمات وصراعات

الدولة الغنية بالموارد وذات الطبيعة الساحرة، أقعدتها الأزمات المتعددة وأسهمت في عدم تطورها ولحاقها بركب الدول المتقدمة. نزاعات لا تنتهي وتعقيدات سياسية بسبب الصراع على السلطة وحروب تتجدد وإن تغير اللاعبون الأساسيون. الأسباب عديدة من الصراعات القبلية والانقلابات العسكرية إلى الخلافات والنزاعات الأيديولوجية الشرسة بين العلمانيين واليساريين من جهة والإسلاميين إخواناً وحركات صوفية من جهة أخرى.

كان السودان من ضمن الدول العربية والأفريقية التي تبنت باكراً التعددية الحزبية، فمنذ استقلاله عن بريطانيا في عام 1956، برزت ضرورات سياسية واجتماعية لأنشطة تسهم في تطوير هوية وطنية متسقة مع التغيير الكبير وقادرة على مواكبة مرحلة الانتقال السياسي التي كانت قد صاغتها الحركة الوطنية. ومنذ ذلك الحين، تباينت توجهات الأحزاب من اليمين إلى اليسار بينما انشطرت أحزاب صغيرة من أخرى قومية.

أبرز الأحزاب السودانية

حزب الأمة القومي

الحزب الاتحادي الديمقراطي

الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل

حزب المؤتمر الوطني (إخوان مسلمون)

حزب المؤتمر الشعبي

الحزب الشيوعي السوداني

حزب البعث السوداني

حزب التجمع الاتحادي

حزب المؤتمر السوداني

الاستقلال وما بعده

شكل مؤتمر الخريجين في عام 1938، واجهة اجتماعية ثقافية لخريجي المدارس العليا في السودان، لكنه سرعان ما نادى بإنهاء الاستعمار في البلاد ومنح السودانيين حق تقرير مصيرهم. لم تكن المسيرة سهلة أو قصيرة، فقد استغرق الأمر أكثر من 17 عاماً من النضال لتحقيق الهدف الذي تحقق في عهد الزعيم إسماعيل الأزهري الذي انتخبه البرلمان عام 1954 رئيساً للوزراء، فكوّن حكومة وطنية من حزبه "الوطني الاتحادي". وعلى رغم أنه كان من مؤيدي الاتحاد مع مصر، فإنه تقدم باقتراح إعلان الاستقلال من داخل البرلمان. وفي 19 ديسمبر (كانون الأول) 1955، اجتمع البرلمان وأعلن استقلال البلاد وطالب دولتي الحكم الثنائي بريطانيا ومصر بالاعتراف بدولة جمهورية السودان المستقلة.

عقب استقلاله، شهد السودان تطورات سياسية جمة في غياب اتفاق على نظام محدد لحكم الدولة، فترأس البلاد بداية مجلس سيادة تولى السلطة إلى جانب الحكومة. في عام 1956، سقطت حكومة الأزهري وخلفتها أخرى وطنية برئاسة عبدالله خليل، الذي رأى فيه الإنجليز شخصية متمتعة بالشجاعة حكمت السودان بحزم أثناء حرب السويس.

بعد عامين تفاقمت الخلافات والانقسامات داخل وما بين الأحزاب السودانية، ليمهد ذلك لأول انقلاب عسكري ضد أول حكم مدني ديمقراطي، قاده الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1958 وحكم على إثره البلاد على مدى ست سنوات، شهد خلالها السودان في عام 1962 اندلاع الحرب الأهلية في الجنوب بين الجيش وحركة "أنانيا"، التي كانت تطالب بحكم ذاتي جنوباً وترفض التوجه العربي والإسلامي الذي أقرته حكومة عبود.

بلغت الأحداث ذروتها في أكتوبر (تشرين الأول) 1964، حين قامت انتفاضة شعبية عقب اقتحام الشرطة ندوة جامعية وإطلاق رصاصة واحدة قتلت الطالب أحمد القرشي، ليشكل ذلك الشرارة الأولى لاندلاع تظاهرات في كل أنحاء السودان أسفرت عن أول إطاحة شعبية بحكم عسكري في المنطقة، بعدما اضطر عبود لحل حكومته تحت وطأة الضغط الشعبي.

بقي عبود في السلطة حتى تكوين مجلس سيادة من خمسة أعضاء وحكومة انتقالية حزبية برئاسة سر الختم الخليفة الذي تولى السلطة في 16 نوفمبر 1964. ضمت هذه الحكومة إلى جانب أحزاب "الأمة" و"الوطني الاتحادي" و"الشعب الديمقراطي"، كلاً من "جبهة الميثاق الإسلامي" و"الحزب الشيوعي"، فضلاً عن سبعة مقاعد وزارية لتمثيل النقابات والمنظمات المهنية، ووزيرين لجنوب السودان.

لم يبقَ سر الختم الخليفة طويلاً في منصبه، فبعد انتفاضة أكتوبر الشعبية، وعلى الرغم من تعاقب مجلسي سيادة لإدارة المرحلة الانتقالية، استمرت التفاعلات والضغوط الحزبية المهولة بوجه الحكومة، ما اضطر سر الختم الخليفة إلى تقديم استقالته في يونيو 1965. إثر ذلك، عاد الأزهري إلى ترؤس مجلس السيادة لنحو أربع سنوات، تشكلت خلالها ثلاث حكومات: الأولى مكونة غالباً من الأحزاب التقليدية برئاسة الشاعر والدبلوماسي الشهير محمد أحمد محجوب وقد سارعت إلى تنظيم انتخابات مبكرة، والثانية برئاسة برئاسة الصادق المهدي الذي ترأس الحكومة في يوليو 1966 بعد انشقاق في "حزب الأمة"، قبل أن يعود محجوب لتولي المنصب مرة أخرى بعد أقل من عام في مايو 1967 بفعل تشكيل ائتلاف ثلاثي بين الجناح المنشق من "حزب الأمة" و"الحزب الوطني الاتحادي" و"حزب الشعب الديمقراطي".

في 25 مايو (أيار) 1969، استولى اللواء جعفر محمد نميري على السلطة في انقلاب عسكري وضع حداً للنظام الديمقراطي الحزبي في البلاد وأطلق حقبة نميري التي استمرت 16 عاماً أحكم خلالها قبضته على السلطة عبر تنظيم "الاتحاد الاشتراكي" الذي استأثر وحيداً بالحياة السياسية في السودان.

الأزمات الاقتصادية الحادة التي ولدها حكم النميري، شكلت الشرارة لثورة شعبية انطلقت في نهاية مارس (آذار) 1985 وتعززت بعصيان شامل تعطلت فيه المؤسسات والخدمات العامة في البلاد، وصولاً إلى إنشاء جسم نقابي وحزبي موحد في الخامس من أبريل من العام نفسه، الذي  وقعت أطرافه ميثاق "تجمع القوى الوطنية لإنقاذ الوطن". وفي السادس من أبريل، تلقفت القوات المسلحة المبادرة، وأعلنت بقيادة الفريق محمد حسن سوار الذهب تنحية النميري وتشكيل مجلس عسكري انتقالي من 13 ضابطاً، إلى جانب حكومة مدنية انتقالية برئاسة الجزولي دفع الله، أحد قادة الانتفاضة.

خلال السنة ونصف السنة التي ترأس فيها سوار الذهب المجلس الانتقالي، نشطت حركة الأحزاب من جديد في السودان وظهرت أحزاب وتجمعات عدة إلى جانب الحزبين الكبيرين "الأمة" بزعامة الصادق المهدي و"الحزب الاتحادي الديمقراطي"، إذ عاد الإخوان المسلمون بقوة بزعامة حسن الترابي، وبرز الحزب الشيوعي وتشكلت أحزاب وتجمعات أصغر مثل "الحزب الناصري" والبعثيين، أما الجنوبيون فكانوا على حنقهم الشديد من نميري ورأوا في المجلس العسكري الانتقالي برئاسة سوار الذهب "نميريين من دون نميري" وفق ما قال زعيمهم جون قرنق. غير أن سوار الذهب حدّد بوضوح هدف المجلس العسكري الانتقالي، وهو إجراء انتخابات ديمقراطية. وهذا ما حصل بالفعل في أبريل 1986، حين أدلى نحو 4.5 مليون سوداني بأصواتهم بسلام، وتصدر "حزب الأمة" بزعامة الصادق المهدي النتائج مع 38 في المئة من المقاعد البرلمانية، فيما حاز "الاتحادي الديمقراطي" على نحو 29 في المئة، بينما أحدث فوز "الجبهة الإسلامية" بـ17 في المئة من الأصوات مفاجأة. وفي ضوء نتائج الانتخابات، حل سوار الذهب المجلس العسكري والحكومة الانتقالية وسلم السلطة في السادس من مايو 1986 لحكومة برئاسة المهدي فيما ترأس أحمد الميرغني مجلس السيادة.

حكم المهدي الهش لم يصمد سوى ثلاث سنوات، فقد انقض عليه هذه المرة حلفاؤه السابقون، وعلى رأسهم صهره حسن الترابي زعيم "الجبهة الإسلامية" التي كانت شريكة للمهدي في واحدة من حكوماته المتعددة خلال فترة حكمه القصير. ففي 30 يونيو (حزيران) 1989، استولى عمر البشير على السلطة في انقلاب عسكري أحكم من خلاله قبضته على البلاد لمدة 30 عاماً رزح فيها السودانيون تحت حكم "الإخوان المسلمين" في حزب "المؤتمر الوطني".

في عهد البشير، شهد السودان نزاعات عسكرية وأزمات اقتصادية ومشاكل إنسانية. فهذا العسكري نزع أكثر وأكثر إلى القمع والحكم بيد من حديد، حتى وصل به الأمر إلى الانقلاب على شريكه في الحكم حسن الترابي عام 1999، حين حل البرلمان الذي كان يرأسه الأخير. وشهد حكمه انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم وتفجر أزمة حرب دارفور.

 إسماعيل الأزهري (الحكومة السودانية)

 إسماعيل الأزهري (الحكومة السودانية)

إبراهيم عبود (أ ف ب)

إبراهيم عبود (أ ف ب)

سر الختم الخليفة (الأرشيف الوطني الهولندي)

سر الختم الخليفة (الأرشيف الوطني الهولندي)

جعفر محمد نميري (الحكومة الأميركية)

جعفر محمد نميري (الحكومة الأميركية)

عبد الرحمن سوار الذهب (مصور عسكري مجهول)

عبد الرحمن سوار الذهب (مصور عسكري مجهول)

الصادق المهدي (ويكيميديا)

الصادق المهدي (ويكيميديا)

حرب دارفور

تفجرت حرب دارفور عام 2003 عندما أعلنت حركتان مسلحتان هما "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" تمردهما على السلطة المركزية في الخرطوم، متهمتين إياها بتهميش إقليمهما واضطهاد السكان غير العرب، لا سيما بعد قرار حكومة البشير عام 1994 بتقسيم دارفور إلى ولايات بدلاً من إقليم واحد.

انخرطت في صراع دارفور جماعات عدة اصطفت في معسكرين: الأول يضم القوات المسلحة السودانية والشرطة وميليشيات "الجنجاويد" المكونة من قبائل عربية خصوصاً البدو، والثاني يضم مجموعات متمردة بما فيها "حركة تحرير السودان" بقيادة مني أركو مناوي و"حركة العدل والمساواة" بزعامة خليل إبراهيم وهي تتألف من مجموعات عرقية مسلمة غير عربية مثل الفور والزغاوة والمساليت. 

وقد شنت حكومة البشير حملة تطهير عرقي ضد سكان دارفور غير العرب، ما أدى إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين ونزوح وتهجير الملايين قسراً. الفظائع التي ارتُكبت في الإقليم دفعت مجلس الأمن الدولي إلى تكليف المحكمة الجنائية الدولية عام 2005 بفتح تحقيق في شأن جرائم الحرب في دارفور.

في عام 2006، منح الانشقاق في "حركة تحرير السودان" بين زعيمها عبدالواحد نور وقائدها الميداني أركو مناوي، الأفضلية في الصراع للحكومة. وفي العام نفسه، نجح فريق وساطة أفريقي بإبرام اتفاق سلام بين حكومة البشير و"حركة تحرير السودان" بقيادة مناوي بعد مفاوضات شاقة في العاصمة النيجيرية أبوجا. وفي عام 2008، اضطرت الحكومة السودانية تحت الضغط الدولي بقبول نشر بعثة حفظ سلام مشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في المنطقة. وخلصت البعثة في تقرير وضعته إلى أن عدد القتلى جراء الصراع المسلح في إقليم دارفور بلغ نحو 300 ألف فيما نزح نحو 2.5 مليون شخص. لكن سلطات الخرطوم رفضت التقرير مؤكدة أن عدد القتلى لم يتجاوز 10 آلاف شخص.

وفي مارس (آذار) 2009، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق البشير، إثر اتهامه بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن الرئيس السوداني رفض الاعتراف بالمحكمة، معتبراً أنها مجرد "أداة استعمارية موجهة ضد القادة الأفارقة".

وبحلول نهاية 2009، فقدت الحركات المسلحة في دارفور الدعم الذي كان يوفره لها الرئيس التشادي إدريس ديبي الذي تحسنت علاقاته مع الحكومة السودانية بعد توقيع اتفاق يمنع أي طرف من دعم متمردي الدولة الثانية.

وبعد سنوات من القتال وثلاثة أعوام من المفاوضات برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وقطر، وقعت حركتا "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في يوليو (تموز) 2011 في الدوحة، اتفاق سلام مع الخرطوم، لكن بقية الحركات رفضت الانضمام للتسوية على رغم الدعم الدولي الذي حظيت به. وبناء على اتفاق الدوحة، تشكلت سلطة إقليمية في دارفور آلت رئاستها إلى التجاني السيسي، ليشهد الإقليم بذلك هدوءاً استمر حتى اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع".

(غيتي)

(غيتي)

(غيتي)

(غيتي)

(الأمم المتحدة)

(الأمم المتحدة)

(السودان اليوم)

(السودان اليوم)

عمر البشير (محمد خدير/شينخوا)

عمر البشير (محمد خدير/شينخوا)

حرب جنوب السودان
يُنظر إلى الحرب في جنوب السودان عادة على أنها قتال بين سكان الجنوب غير العرب وحكومة الشمال العربية، علماً أن الاختلافات بين الجانبين كثيرة عرقياً وثقافياً ودينياً.

تحت الحكم الاستعماري، سعت بريطانيا أولاً إلى فصل الجنوب عن الشمال، فمنعت تولي الشماليين أي مناصب في الجنوب وعملت على إضعاف الثقافة واللغة العربية في هذه المنطقة واستبدالها باللغة الإنجليزية.

 لكن في منتصف الأربعينات ، وفي ضوء التخلف الذي ساد جنوباً، تحوّلت السياسة البريطانية جذرياً وراح الاستعمار يسعى إلى تعزيز الاندماج بين المنطقتين، فأصبحت اللغة العربية لغة الحكم في الجنوب وبدأ الشماليون يحظون بمناصب في المنطقة.

وبعد انتهاء الاستعمار البريطاني ونيل السودان استقلاله عام 1956، خضع الجنوب لسلطة الحكومة الشمالية في الخرطوم وراحت الاختلافات بين الطرفين تتعمق.

وفي أغسطس 1955، أطلق تمرد كتيبة من الجنود الجنوبيين في مدينة توريت ضد سلطات الشمال، شرارة حرب أهلية مدمرة امتدت حتى عام 1972، حين وقع الطرفان اتفاقية أديس أبابا التي أعطت للإقليم الحكم الذاتي في إطار السودان الموحد

غير أن السلام لم يدم أكثر من عقد من الزمن، فخلال حكم جعفر نميري تدهورت العلاقات بين الشمال والجنوب حتى اندلعت الحرب الأهلية الثانية عام 1983 ودارت أحداثها بمعظمها في منطقة الحكم الذاتي. هذه الحرب التي تعتبر إحدى أطول وأعنف الحروب إذ راح ضحيتها نحو 1.9 مليون من المدنيين، وتسببت بنزوح أكثر من أربعة ملايين

انتهت الحرب رسمياً في يناير 2005 مع توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام بين الشمال برئاسة عمر البشير وقائد قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق

بنود اتفاقية نيفاشا للسلام

استقلال الجنوب

جو قرنق (GETTY IMAGES) 

جو قرنق (GETTY IMAGES) 

جون قرنق، أحد عرابي اتفاق نيفاشا، لم يعش ليرَ مفاعيله تتحقق على أرض الواقع، فقد توفي في أغسطس 2005 في حادثة تحطم مروحية كانت تقله وسقطت إثر اصطدامها بسلسلة جبال الإماتونغ في جنوب السودان نتيجة انعدام الرؤية، وتوفي إلى جانبه ستة من مرافقيه وسبعة من أفراد طاقم الطائرة الرئاسية الأوغندية.

وفيما كان موعد استفتاء تقرير المصير يقترب، كانت رغبة الجنوبيين بالاستقلال تزداد. فالغبن على مر السنوات دفعهم إلى السعي للابتعاد عن قبضة المركز والتخلص منها، ومن أهم أسباب ذلك تمادي النخب الشمالية الحاكمة في تبني الهوية العربية الإسلامية التي حددها جيل الحركة الوطنية، فضلاً عن تجارة الرقيق التي أسهم فيها تجار شماليون، علاوة على  إقصاء السياسيين الجنوبيين عن مسائل جمة مرتبطة بحكم السودان والتنمية غير المتوازنة في الجنوب مقارنة بالشمال. كما هناك عوامل خارجية أسهمت في انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم، منها الإغراءات بتدفق الأموال على هذا البلد.

ومع حلول موعد الاستفتاء ما بين التاسع و15 يناير 2011، أقبل الجنوبيون بأعداد كبيرة على ممارسة حقهم المدني وبلغت نسبة الاقتراع نحو 97 في المئة من نحو 3.8 مليون ناخب مسجل. ومع انتهاء الفرز، أيد أكثر من 98 في المئة من الناخبين الانفصال، وأعلنت دولة جنوب السودان رسمياً في التاسع من يوليو 2011 استقلالها بعد نضال دام 50 عاماً، لتكون بذلك أحدث دولة تنشأ في العالم إثر تقسيم أكبر بلد في أفريقيا من حيث المساحة. بعد التصويت، توالت الاعترافات الرسمية بجنوب السودان، حتى إن السودان نفسه اعترف بالنتيجة مباشرة وتوجه الرئيس عمر البشير بنفسه إلى جوبا حيث شهد على رفع علم دولة الجنوب على سارية القصر الرئاسي وإنزال علم السودان.

جنوب السودان

أصبحت العضو الـ193 في منظمة الأمم المتحدة بعد اعلان الإستقلال

الإطاحة بالبشير

(أ ف ب)

(أ ف ب)

في 19 ديسمبر 2018، خرج مئات السودانيين في تظاهرات بأنحاء مختلفة من البلاد احتجاجاً على غلاء المعيشة وقرار الحكومة زيادة أسعار الخبز ثلاثة أضعاف في خضم أزمة اقتصادية حادة. سريعاً، وصلت الاحتجاجات إلى الخرطوم وبدأت المطالبة بإسقاط نظام البشير. رد الرئيس بوعود بالإصلاح لم تقنع المتظاهرين الذين واصلوا تحركاتهم، فقابلتهم السلطة بقمع عنيف.

(أ ف ب)

(أ ف ب)

وعلى رغم الاعتداءات على المدنيين، بدأ في السادس من أبريل 2019 اعتصام شارك فيه آلاف الأشخاص أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم. سمعت قيادة القوات المسلحة النداء الشعبي، وأعلنت في 11 أبريل إقالة البشير ووضعه تحت الإقامة الجبرية. كما اعتقل الجيش جميع وزراء البشير، وحل المجلس النيابي وشكل مجلساً عسكرياً انتقالياً لإدارة البلاد.

غير أن إطاحة البشير لم تكن كافية، إذ واصل السودانيون اعتصامهم مطالبين بحكم مدني. وإثر ذلك، وقع المجلس العسكري الانتقالي وممثلو المعارضة في أغسطس (آب)، اتفاقاً لتقاسم السلطة ينص على تكوين مجلس حاكم انتقالي من المدنيين والعسكريين، يعمل على تمهيد الطريق نحو انتخاب حكومة مدنية. وفي سبتمبر (أيلول) 2019، أعلن رئيس الوزراء عبدالله حمدوك تشكيل حكومة مدنية لمدة ثلاثة أعوام.

 

الانقلاب على الثورة

عبدالله حمدوك (مكتب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية)

عبدالله حمدوك (مكتب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية)

استطاعت الحكومة المدنية برئاسة عبدالله حمدوك تحقيق نجاحات عديدة. فقد أبرمت اتفاق جوبا للسلام مع قادة الحركات المسلحة في أكتوبر 2020 لتنخفض وتيرة العنف في البلاد، واتخذت سلسلة قرارات لمكافحة الفساد وعززت الحريات وحقوق النساء في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ووضعت الحكومة برامج لإصلاح أجهزة الدولة واعتمدت سياسة خارجية متوازنة تحقق المصالح الوطنية العليا تكللت بشطب الولايات المتحدة اسم السودان رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبإسقاط 50 مليار دولار من ديون البلاد في واحدة من أضخم عمليات إسقاط الديون عبر اتفاق تاريخي مع البنك الدولي.

لكن مع مرور الوقت، بدأت الخلافات والأزمات تواجه حكومة حمدوك وسط انشقاقات في صفوف القوى المدنية و"قوى الحرية والتغيير" الممثل في الحكومة. وراحت الخلافات تتعمق إلى أن بلغت الأزمة ذروتها في 17 أكتوبر 2021، حين نظم محتجون اعتصاماً قبالة القصر الجمهوري في الخرطوم استمر عدة أيام ورددوا خلاله هتافات مناوئة لحكومة حمدوك، وسط مطالبات تراوحت بين توسيع المشاركة في الحكومة وحلها بالكامل وتسليم السلطة للعسكريين.وفي 25 أكتوبر من العام ذاته، انقلب الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان على شركائه المدنيين واستولى على السلطة بعدما حل مجلسي السيادة والوزراء، متعهداً عدم تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة. وعزا البرهان قراراته التي وضعها تحت مسمى "تصحيح مسار الثورة"، إلى صراعات المكونات المدنية الحاكمة والانقسامات التي أنذرت بخطر وشيك على أمن الوطن. ومنذ ذلك الحين وحتى كتابة هذه السطور، يسيطر العسكريون على حكم السودان

صراع الجيش و"الدعم السريع"

إحكام العسكريين قبضتهم على السودان لم يسلم البلاد من النزاعات، بل أدخلها في أتون صراع دام لا تحمد عقباه. فمع توليهم السلطة، راحت الخلافات بين رئيس مجلس السيادة قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، ونائبه في المجلس قائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (المعروف بحميدتي)، تطفو إلى السطح.

بدأ كل من الجنرالين بنسج تحالفاته الخاصة مع القوى المدنية المنقسمة. حميدتي من جهته حاول النأي بنفسه عن انقلاب 25 أكتوبر وتقديم ذاته مؤيداً لانتقال السلطة إلى القوى المدنية، وكان لا بد له أن يسعى لتلميع صورته الملطخة بالدور الذي لعبه في دارفور خلال حكم البشير وبالـ"مجزرة" التي ارتكبتها قواته خلال فض اعتصام السودانيين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم عام 2019. وجّه حميدتي سهامه باتجاه البرهان واتهمه بالسعي إلى استمالة "الإسلاميين" من قوى النظام السابق، وفق تصريحات علنية أدلى بها في فبراير (شباط) 2023. وقد رد البرهان بتحذير قوات "الدعم السريع" من التصرف كقوة مستقلة عن الجيش، مطالباً بالإسراع بدمجها في القوات المسلحة.

تحولت قضية دمج القوى العسكرية إلى مسألة خلافية أساسية بين الطرفين، تقارب على إثرها حميدتي أكثر مع القوى السياسية والمدنية وتبنى مطالبها داخل ورشات التفاوض على اتفاق إطاري لنقل السلطة إلى المدنيين. قائد قوات "الدعم السريع" الذي كان يبحث عن حاضنة سياسية تدعمه في صراعه مع البرهان، أيد إدراج بند ينص على خروج الجيش من العملية السياسية وامتثاله لحكومة مدنية، لكن البرهان ربط دعم الجيش لأي اتفاق بالتنفيذ العاجل لبند دمج قوات "الدعم السريع" في القوات المسلحة أولاً.

وفي الورشة الختامية للاتفاق الإطاري تحت عنوان "الإصلاح الأمني والعسكري"، لم يحضر ممثل الجيش السوداني، في خطوة اعتبرت حينها بمثابة مؤشر إلى رفض البرهان لمجريات التفاوض، خصوصاً في ما يتعلق بالجدول الزمني المقترح لعملية دمج "الدعم السريع" في الجيش، إذ طرحت فترة 10 سنوات لاستكمال العملية فيما طالب الجيش بحد زمني أقصاه سنتين، أي مع انقضاء المدة المقترحة للفترة الانتقالية الجديدة. وكان حميدتي قد طالب قبل انعقاد الورشة بإخراج مسألة الإصلاح الأمني والعسكري من النقاش، في مؤشر إلى رفضه أيضاً مقترح إدماج قواته في الجيش سعياً للحفاظ على استقلاليتها نفوذه على رأسها وسلطاته بعيداً عن القوات المسلحة.

وفي نهاية المطاف، جاء في المبادئ العامة للاتفاق الإطاري الذي تم توصل إليه، في الفقرة 14 منه، أن "السلطة الانتقالية سلطة مدنية ديمقراطية كاملة من دون مشاركة القوات النظامية"، وجاء في البند الرابع تحت عنوان الأجهزة النظامية الفقرة الثانية، "يكون رأس الدولة قائداً أعلى للقوات المسلحة"، وتؤكد الفقرة الخامسة حظر جميع الأنشطة التجارية والاستثمارية للقوات المسلحة عدا تلك التي تتعلق بالتصنيع الحربي والمهمات العسكرية، وتحويل الإشراف على كل الشركات التابعة للقوات المسلحة إلى وزارة المالية. وتعني هذه البنود أن الاتفاق الإطاري جرد عملياً المؤسسة العسكرية من نفوذها السياسي ومواردها الاقتصادية المستقلة عن سلطة الحكومة، على رغم أن الفقرة الثلاثة تجيز لمجلس الوزراء إشراك القوات المسلحة في مهمات ذات طبيعة غير عسكرية. لهذه الأسباب، لم يلقَ الاتفاق الإطاري دعماً قوياً من الجيش بخلاف قوات "الدعم السريع" التي حاولت الاستقواء على البرهان بالاتفاق الذي يدعمه المدنيون.

في 13 أبريل 2023، تفجرت الأزمة بين الطرفين واندلع الصراع العسكري بينهما في قاعدة مروي الجوية العسكرية، حيث تبادل الطرفان الاتهامات ببدء الهجوم. وسرعان ما تدهورت الأوضاع وانتقل الصراع إلى الخرطوم في 15 أبريل، ليعود وينتقل تباعاً إلى مناطق مختلفة من البلاد، موقعاً مئات الضحايا بين قتلى وجرحى ومتسبباً بأزمة نزوح ولجوء مع فرار الآلاف من صراع لا تبدو حتى اليوم أي أفق لحله.

 

(غيتي)

(غيتي)

(أ ب/غيتي)

(أ ب/غيتي)

(السودان اليوم)

(السودان اليوم)

كتابة
عثمان الأسباط

تحرير وإعداد
إيليانا داغر

التنفيذ والغرافيك
نوف الحربي

عمر المصري

مريم الرويغ

الإشراف على التنفيذ
نوف الحربي

رئيس التحرير
عضوان الأحمري