تايوان

جزيرة قد ترسم تاريخ القرن الحادي والعشرين

جزيرة صغيرة جنوب غربي الصين يقطنها نحو 23 مليون مواطن، وتقع عند التقاء بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي وبحر الفيليبين، وجنوب غربي سلسلة الجزر اليابانية

على رغم استقلالها عن الصين عام 1949 وخضوعها لحكم مستقل ديمقراطي، تعتبرها بكين جزءاً من أراضيها وتصفها بـ"الأرض المقدسة"

بفضل موقعها، تشكل تايوان جزيرة استراتيجية تمنح حاكمها تفوقاً على خصومه: إن حكمتها الصين فستتمتع بنفوذ وقوة ليس فقط في المحيط الهادئ ولكن أيضاً على اليابان والفيليبين ودول الآسيان الأخرى. وإذا حكمتها أي دولة أخرى أو أعلنت تايوان نفسها كدولة ذات سيادة، فستشكل حينها تهديداً لمصالح الصين

لذا تؤكد بكين أنها ستعيد تايوان إلى سيادتها ولو بالقوة، وليس تهديد الرئيس الصيني شي جينبينغ في عام 2018 بـ"عقاب تاريخي" لأي محاولة انفصالية، سوى تأكيد لذلك

جذور النزاع

نسخة يابانية لمعاهدة شيمونوسيكي في أبريل 1895 (ويكيبيديا)

نسخة يابانية لمعاهدة شيمونوسيكي في أبريل 1895 (ويكيبيديا)

يعود النزاع في شأن تايوان إلى قرون مضت، إذ ضُمت الجزيرة إلى سيادة الصين في عهد أسرة تشينغ في أواخر القرن الـ16 بعد طرد الهولنديين منها، ثم تنازلت عنها الإمبراطورية في وقت لاحق إلى اليابان في عام 1895 وفقاً لمعاهدة شيمونوسيكي، التي أبرمت في أعقاب الحرب الصينية اليابانية الأولى، وكانت تعرف الجزيرة وقتها باسم "فورموز".

حصن زيلانديا في فورموز الهولندية في القرن السابع عشر (ويكيبيديا)

حصن زيلانديا في فورموز الهولندية في القرن السابع عشر (ويكيبيديا)

ظلت اليابان تحكم هذه المستعمرة حتى عام 1945، عندما طُلب من القوات اليابانية في الجزيرة الاستسلام للقوات الصينية، أو بالأصح لصالح قوات حزب "الكومينتاغ" التابع لجمهورية الصين الشعبية، وذلك بعد هزيمة طوكيو في الحرب العالمية الثانية، لكن مع اندلاع الحرب الأهلية والاشتباكات المسلحة بين الحكومة الصينية بقيادة "الكومينتاغ" والميليشيات العسكرية الشيوعية، فر الوزراء الصينيون إلى تايوان وأصر الرئيس تشيانغ كاي تشك على أن حكومته الهاربة هي من تمثل جميع الشعب الصيني في الجزيرة والبر الرئيس.

أول انتخابات تشريعية في تايوان في ديسمبر 1992 (أ ف ب)

أول انتخابات تشريعية في تايوان في ديسمبر 1992 (أ ف ب)

دعمت الولايات المتحدة ومعظم القوى الغربية آنذاك موقف "الكومينتاغ" من خلال رفضها الاعتراف بالحكومة الشيوعية في بكين، وهو موقف تراجعت عنه معظم الدول في ما بعد. ظل الحزب حاكماً في الجزيرة بناءً على الأحكام العرفية حتى عام 1987 للحفاظ على استقلالها عن الصين ومنع خروجها عن سيطرته. وفي 1992، شهدت تايوان أول انتخابات تشريعية حرة تلتها انتخابات رئاسية في 1996. وكان عام 1986 قد شهد تأسيس "الحزب الديمقراطي التقدمي" كمنافس رئيس لـ"الكومينتاغ" وأصبح وجوده قانونياً في 1989 بعد إلغاء الحظر على أحزاب المعارضة. وقد دعا الحزب الجديد إلى تايوان مستقلة قانوناً ككيان سياسي منفصل عن الصين وأصبح منفذاً للتعبير عن الهوية التايوانية. وبين عامي 2000 و2008، أصبح تشن شوي أول سياسي يرأس الجزيرة من خارج "الكومينتاغ".

علم حكومة "الكومينتاغ" (ويكيميديا)

علم حكومة "الكومينتاغ" (ويكيميديا)

الولايات المتحدة التي اعترفت بحكومة "الكومينتاغ" ممثلة رسمية للصين منذ فرارها إلى تايوان، بدأت تغيّر موقفها تجاه بكين تحت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون التي امتدت من 1969 إلى 1974. في تلك الفترة، نجحت الصين الشيوعية في انتزاع اعتراف الأمم المتحدة بها، فحلت عام 1971 مكان تايوان في كل من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، باعتبار أن الصين الموحدة هي الكيان السياسي الذي كان يسيطر على الجزيرة والأراضي الرئيسة قبل الحرب الأهلية. وأخيراً أسفرت دبلوماسية القنوات الخلفية عن اعتراف واشنطن الرسمي بجمهورية الصين الشعبية عام 1979، لتقطع بذلك علاقاتها الدبلوماسية بتايوان، لكن على رغم هذا الاعتراف، فما زالت الولايات المتحدة ترتبط بعلاقات قوية غير رسمية مع تايبيه وتزودها بالأسلحة على نحو مستمر، إذ يعتمد الأمن الاستراتيجي للجزيرة على الضمانات التي تقدمها واشنطن بموجب قانون العلاقات بينهما.

بلد واحد ونظامان

سعياً إلى توحيد البلاد، اعتمدت بكين المبدأ الدستوري "بلد واحد ونظامان"، وهو مبدأ يؤكد وجود دولة واحدة فقط تضم تحت جناحها مناطق مستقلة متمتعة بحكم ذاتي واسع النطاق، وهي تايوان وهونغ كونغ وماكاو. وبموجب ذلك تحتفظ المناطق الثلاث بأنظمتها السياسية والاقتصادية الخاصة، على أن تكون جزءاً من الدولة الأم: الصين.

 

مضيق تايوان

يعتبر مضيق تايوان من أكثر ممرات الشحن ازدحاماً في المنطقة حيث يمر ما يقرب من 90 في المئة من التجارة الصينية واليابانية والكورية باتجاه آسيا والشرق الأوسط والهند. ونظراً إلى أن الاقتصاد الصيني يعتمد على التصدير، وجميع موانئ الصين الرئيسة تقع في البحر الأصفر، فإن للمنطقة قيمة كبيرة بالنسبة إلى بكين، فهي من ناحية تريد السيطرة على الطريق التجاري فيها، ومن ناحية أخرى تريد حماية ممرات الشحن الخاصة بها في المضيق.

ونظراً إلى أهميته، شكل هذا الممر موضعاً لنزاع مسلح بين بكين وتايبيه في الخمسينيات والتسعينيات، في ما عرف بالأزمات الثلاث لمضيق تايوان، وقد استدعى الصراع الثاني عام 1958 تدخل الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دوايت آيزنهاور لدعم تايوان ومنع الشيوعيين من السيطرة على الجزيرة.

بحر الصين الجنوبي

يمثل بحر الصين الجنوبي نقطة ساخنة أخرى، حيث يمر ما لا يقل عن ثلث التجارة البحرية العالمية. وتزداد أهمية البحر الاستراتيجية في ظل التقديرات التي تشير إلى وجود نحو 11 مليار برميل من النفط و190 مليار قدم مكعب من احتياطات الغاز الطبيعي، إضافة إلى ثروة حيوانية مهمة، بحسب منظمة "مجلس العلاقات الخارجية"، مركز أبحاث في نيويورك. وسعياً إلى استغلال الموارد الهيدروكربونية في هذه المنطقة أرسلت الصين سفناً للتنقيب عن النفط في جوار جزر باراسيل، مما أدى إلى تصاعـد التوتر مع فيتنام في مايو (أيار) 2014، كما بنت جزراً اصطناعية جديدة قرب جزر سبراتليز المتنازع عليها لتأكيد أحقيتها فيها.

ووفق ورقة بحثية نشرها "المعهد الملكي إلكانو" في مدريد، المتخصص في الأبحاث السياسية، فإن نزاع بحر الصين الجنوبي تجاوز نطاق النزاعات الإقليمية والنفطية، وأصبح بدلاً من ذلك "ساحة معركة" جديدة للتنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، لا سيما مع تنامي قوة بكين ونفوذها والاختلال بالتوازن الاستراتيجي في شرق آسيا. لذا، لم تكتف واشنطن بالتحالفات التي نسجتها مع اليابان وتايوان والفيليبين الذين تمنع أراضيهم وصول الصين إلى المياه العميقة في المحيط الهادئ، بل شكلت تحالفات دولية أخرى مثل "كواد" الذي يجمعها بالهند وأستراليا واليابان، و"أوكوس" الذي يربطها بأستراليا والمملكة المتحدة، لتقويض نفوذ بكين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

 

مضيق تايوان

يعتبر مضيق تايوان من أكثر ممرات الشحن ازدحاماً في المنطقة حيث يمر ما يقرب من 90 في المئة من التجارة الصينية واليابانية والكورية باتجاه آسيا والشرق الأوسط والهند. ونظراً إلى أن الاقتصاد الصيني يعتمد على التصدير، وجميع موانئ الصين الرئيسة تقع في البحر الأصفر، فإن للمنطقة قيمة كبيرة بالنسبة إلى بكين، فهي من ناحية تريد السيطرة على الطريق التجاري فيها، ومن ناحية أخرى تريد حماية ممرات الشحن الخاصة بها في المضيق.

ونظراً إلى أهميته، شكل هذا الممر موضعاً لنزاع مسلح بين بكين وتايبيه في الخمسينيات والتسعينيات، في ما عرف بالأزمات الثلاث لمضيق تايوان، وقد استدعى الصراع الثاني عام 1958 تدخل الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دوايت آيزنهاور لدعم تايوان ومنع الشيوعيين من السيطرة على الجزيرة.

بحر الصين الجنوبي

يمثل بحر الصين الجنوبي نقطة ساخنة أخرى، حيث يمر ما لا يقل عن ثلث التجارة البحرية العالمية. وتزداد أهمية البحر الاستراتيجية في ظل التقديرات التي تشير إلى وجود نحو 11 مليار برميل من النفط و190 مليار قدم مكعب من احتياطات الغاز الطبيعي، إضافة إلى ثروة حيوانية مهمة، بحسب منظمة "مجلس العلاقات الخارجية"، مركز أبحاث في نيويورك. وسعياً إلى استغلال الموارد الهيدروكربونية في هذه المنطقة أرسلت الصين سفناً للتنقيب عن النفط في جوار جزر باراسيل، مما أدى إلى تصاعـد التوتر مع فيتنام في مايو (أيار) 2014، كما بنت جزراً اصطناعية جديدة قرب جزر سبراتليز المتنازع عليها لتأكيد أحقيتها فيها.

ووفق ورقة بحثية نشرها "المعهد الملكي إلكانو" في مدريد، المتخصص في الأبحاث السياسية، فإن نزاع بحر الصين الجنوبي تجاوز نطاق النزاعات الإقليمية والنفطية، وأصبح بدلاً من ذلك "ساحة معركة" جديدة للتنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، لا سيما مع تنامي قوة بكين ونفوذها والاختلال بالتوازن الاستراتيجي في شرق آسيا. لذا، لم تكتف واشنطن بالتحالفات التي نسجتها مع اليابان وتايوان والفيليبين الذين تمنع أراضيهم وصول الصين إلى المياه العميقة في المحيط الهادئ، بل شكلت تحالفات دولية أخرى مثل "كواد" الذي يجمعها بالهند وأستراليا واليابان، و"أوكوس" الذي يربطها بأستراليا والمملكة المتحدة، لتقويض نفوذ بكين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

قوة اقتصادية

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وفق بيانات صندوق النقد الدولي حسب الأسعار الحالية

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وفق بيانات صندوق النقد الدولي حسب الأسعار الحالية

نمت تايوان بشكل كبير في العقود القليلة الماضية وبلغ حجم اقتصادها 828 مليار دولار وفقاً لبيانات 2022، ولديها واحد من أعلى المعدلات في ما يتعلق بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 33910 دولارات بحسب صندوق النقد الدولي، مما وضعها في المرتبة الـ21 في أكبر الاقتصادات بالعالم.

الرقائق الإلكترونية "النفط الجديد"

تضع صناعة أشباه الموصلات ومنتجات التكنولوجيا الفائقة تايوان في مركز عالمي مهم يقبع في قلب التوتر بين واشنطن وبكين. فهذه الجزيرة تنتج 65 في المئة من أشباه الموصلات في العالم، ونحو 90 في المئة من الرقائق الإلكترونية المتطورة، وفقاً لشركة "تريند فورس" للأبحاث في تايبيه، فيما تنتج الصين نحو خمسة في المئة، والولايات المتحدة نحو 10 في المئة، وتعد كوريا الجنوبية واليابان وهولندا المصادر الأخرى للمنتج الذي يشكل جزءاً أساسياً من الأجهزة والآلات الإلكترونية كالحواسيب والهواتف الذكية إلى مستشعرات المكابح في السيارات.

"شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات" (أ ف ب)

"شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات" (أ ف ب)

وتعزى هيمنة تايوان على إنتاج الرقائق الإلكترونية إلى "شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات" (TSMC) الأكبر في العالم والتي توفر الإمدادات لشركات التكنولوجيا الكبرى مثل "أبل" و"كوالكوم" و"نفيديا". وزاد انتباه العالم وحاجته إلى تايوان في أعقاب جائحة "كوفيد-19"، عندما عانت صناعة السيارات نقصاً في الرقائق المستخدمة في كل شيء من أجهزة الاستشعار إلى تقليل الانبعاثات. فعندما اضطرت شركات صناعة السيارات بما في ذلك "فولكس فاغن" الألمانية و"فورد موتور" الأميركية و"تويوتا موتور" اليابانية إلى وقف الإنتاج، أصبحت أهمية الجزيرة على هذا الصعيد أكبر من أن يتجاهلها العالم.

ويقول مدير مشروع حوكمة الذكاء الاصطناعي لدى مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، غريغوري ألين، إنه مثلما يدرك الأميركيون أن السعودية لاعب رئيس في الاقتصاد العالمي، لأنها تنتج أكثر من 10 في المئة من نفط العالم، فإن تايوان باتت تستحوذ على أهمية خاصة مع إنتاجها أكثر من 90 في المئة من أشباه الموصلات الأكثر تقدماً في العالم، حتى إن خبراء الأمن القومي يصفون هذه الرقائق بأنها "النفط الجديد" عندما يتعلق الأمر بالجغرافيا السياسية والأمن الدولي. فاليوم تعتبر رقائق الكمبيوتر مدخلات حيوية ليس فقط لمراكز البيانات والهواتف الذكية، لكن أيضاً للسيارات والبنية التحتية الحيوية وحتى الأجهزة المنزلية مثل الغسالات. ونظراً إلى أن الاقتصاد العالمي أصبح رقمياً بشكل متزايد، فقد أصبح أيضاً معتمداً أكثر فأكثر على هذه الرقائق.

مصالح الولايات المتحدة

بينما تبعد واشنطن آلاف الأميال عن تايبيه، يقول "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي إن مصير الجزيرة ستكون له تداعيات كبيرة على أمن الولايات المتحدة وازدهارها. فإضافة إلى أهميتها الاقتصادية والتجارية، إن ما يحدث في مضيق تايوان سيؤثر أيضاً في المسائل الأساسية للنظام الدولي ومستقبل الديمقراطية. ويوضح تقرير لفريق العمل المستقل لدى المركز بعنوان "العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان في عصر جديد"، أن الولايات المتحدة لديها مصالح استراتيجية حيوية على المحك في هذا المضيق، مقترحاً خطة عمل ينبغي لواشنطن اتباعها حتى تحمي مصالحها.

يحكم الموقف الأميركي تجاه الصراع بين الصين وتايوان ما يعرف بسياسة "الغموض الاستراتيجي"، التي تمتد منذ أكثر من أربعة عقود.

مسؤولون في غرفة التجارة الأميركية خلال اجتماع مع مسؤول صيني في عام 1979

مسؤولون في غرفة التجارة الأميركية خلال اجتماع مع مسؤول صيني في عام 1979

ومع ذلك، منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا وزيادة المخاوف من تحرك صيني مماثل تجاه تايوان، أصبح "الغموض الاستراتيجي" مثار جدل داخل الكونغرس للنظر في إذا ما كان ينبغي على البيت الأبيض تبني موقف رسمي أكثر صرامة، بما في ذلك النظر في منح الرئيس الأميركي جو بايدن تفويضاً مسبقاً باستخدام القوة العسكرية إذا ما أقدمت الصين على الغزو العسكري لتايوان، وهو أمر من شأنه أن يقوض جهود المشرعين الأميركيين لتقييد سلطات الحرب الرئاسية، فيما يخشى أعضاء من الحزبين من أن أي تغير في سياسة واشنطن تجاه الجزيرة يمكن أن ينظر إليه من قبل بكين على أنه "استفزاز، وليس ردعاً".

صاروخ "سايدوندر" الأميركي (ويكيبيديا)

صاروخ "سايدوندر" الأميركي (ويكيبيديا)

في الوقت نفسه بموجب قانون العلاقات، تعتمد تايوان على الأسلحة الأميركية في المقام الأول. ففي 2022 وافقت الولايات المتحدة على بيعها أسلحة بقيمة 1.1 مليار دولار، تتضمن نظام إنذار رادار بقيمة 655 مليون دولار و355 مليوناً لشراء 60 صاروخ "هاربون" القادر على إغراق السفن، و85.6 مليون لصواريخ "سايدوندر" (Sidewinder) أرض – جو، وجو - جو، وفقاً لوكالة التعاون الأمني الدفاعي التابعة للبنتاغون. وبحسب تصريح لمساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ، دانيال كريتنبرينك، في جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي في فبراير (شباط) 2023، فإن الكونغرس أخطر بمبيعات أسلحة بقيمة 21 مليار دولار لتايوان منذ 2019، و37 مليار دولار منذ 2010. وبين عامي 1979 و2017 احتلت تايبيه المرتبة التاسعة كأكبر متلق للأسلحة على مستوى العالم ووفرت الولايات المتحدة أكثر من ثلاثة أرباع مشترياتها، وفقاً لقاعدة بيانات نقل الأسلحة بمعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام. 

زيارات مثيرة للغضب

نانسي بيلوسي في تايوان (أ ف ب)

نانسي بيلوسي في تايوان (أ ف ب)

مسؤول تايواني (أقصى اليسار) يرحب بثلاثة أعضاء من الوفد الأميركي (صفحة وزارة الخارجية التايوانية على تويتر)

مسؤول تايواني (أقصى اليسار) يرحب بثلاثة أعضاء من الوفد الأميركي (صفحة وزارة الخارجية التايوانية على تويتر)

طائرة حربية فوق سياح في منطقة بينغتان التايوانية (أ ف ب)

طائرة حربية فوق سياح في منطقة بينغتان التايوانية (أ ف ب)

لا ترتبط واشنطن وتايبيه بعلاقات دبلوماسية رسمية، لكنهما تحافظان على صلاتهما من طريق "المعهد الأميركي في تايوان"، الذي يعمل كسفارة أميركية بحكم الأمر الواقع. وأخيراً أثارت الزيارات الرسمية الأميركية للجزيرة غضب بكين التي تنظر إليها على أنها شكل من أشكال الدعم ومن شأنها أن تهدد سيادتها والعلاقات بين واشنطن وبكين. فعندما زارت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي تايوان في أغسطس (آب) 2022، ردت بكين بإجراء مناورات عسكرية بالذخيرة الحية على سواحلها الجنوبية التي تحيط بالجزيرة، فضلاً عن حظر عدد واسع من البضائع التايوانية التي كانت الصين تستوردها.

وكانت زيارة بيلوسي هي الأولى التي يقوم بها رئيس مجلس النواب الأميركي إلى تايوان منذ 25 عاماً. وعلى رغم الغضب الصيني، وفي الشهر نفسه، قام وفد من أعضاء الكونغرس بزيارة أخرى للجزيرة مما دفع بكين إلى التصريح عبر سفارتها في واشنطن أنها ستتخذ "إجراءات مضادة حازمة رداً على الاستفزازات الأميركية".

وفي مطلع يوليو (تموز) 2023، وصل وفد من أعضاء الكونغرس الأميركي إلى الجزيرة، في زيارة انطوت على لقاءات مع رئيسة تايوان تساي إينغ وين، ووزير الخارجية جوزيف وو، ومسؤولين كبار آخرين، إضافة إلى زيارة عدد من مراكز الفكر لمناقشة القضايا المتعلقة بالعلاقات بين تايبيه وواشنطن. وسبق في فبراير من العام نفسه أن قام أعضاء آخرون من الكونغرس بزيارة مماثلة.

ومع تزايد هذه الزيارات التي تصفها بكين بالاستفزازية، حاكى الجيش الصيني ضربات جوية دقيقة  لأهداف رئيسة في تايوان في إطار تدريبات عسكرية تحمل اسم "السيف المشترك" في أبريل (نيسان) الماضي. وبشكل لا لبس فيه وصفت بكين التدريبات بأنها "تحذير شديد اللهجة" رداً على زيارة قامت بها رئيسة تايوان للولايات المتحدة والتقت خلالها رئيس مجلس النواب الأميركي كيفن مكارثي. وأفاد الجيش الصيني بأن هدف المناورات هو محاكاة "تطويق كامل" للجزيرة، ولا سيما من خلال فرض "حصار جوي"، وفق ما ذكر تلفزيون "سي سي تي في" الحكومي الصيني.

الردع الآمن للجميع

من منظور استراتيجي طويل المدى يضع المراقبون في آسيا والولايات المتحدة سيناريوهات عدة لمستقبل تايوان وتأثير ما سيحدث خلال السنوات المقبلة على منطقة الإندوباسيفيك والتنافس الجيوسياسي العالمي. فيقول أستاذ العلوم السياسية والنائب السابق لجامعة هونغ كونغ سوني لو شيو هينغ، إنه من المرجح أن يشهد المستقبل السياسي لتايوان ثلاثة سيناريوهات: إعادة التوحيد السلمي مع جمهورية الصين الشعبية، أو مزيج من استخدام الصين للقوة متبوعاً بعملية مفاوضات سلمية مع تايوان، أو الاستيلاء بالقوة على الجزيرة. وستتوقف هذه السيناريوهات على ثلاثة عوامل رئيسة هي: سياسة الصين تجاه تايوان، وموقف سلطات الجزيرة، وردود فعل الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي حين كان المراقبون في واشنطن يستبعدون سيناريو استخدام القوة حتى وقت قريب، فإن الهجوم الروسي على أوكرانيا جنباً إلى جنب مع التحديث العسكري الصيني وتصاعد التوتر في المنطقة، زاد الشعور بالتشاؤم في شأن إقدام بكين على فعل عسكري، إذ يتوقع الأميركيون أن يكون لديها القدرة على القيام بعمل عسكري ضد تايوان بحلول 2027، وهو ما يدفع بحديث متزايد في الولايات المتحدة والعواصم الغربية في شأن ضرورة البحث عن طرق لردع بكين عن غزو تايوان ومنع نشوب صراع مفتوح لا تحمد عواقبه.

ويستبعد هاس أن تبدأ الصين حرباً في عام 2023، لكنه حذر من أن "اللحظة الخطرة" قد تأتي "في وقت لاحق من العقد الجاري".

ويحث هاس تايوان والولايات المتحدة واليابان على اتخاذ خطوات لجعل العمل العسكري الصيني في المنطقة أكثر كلفة، بما في ذلك من خلال إجراء تدريبات مشتركة. ويضيف "السؤال الحقيقي هو: من يستخدم الوقت بشكل أفضل؟... هل تستخدم الصين الوقت لزيادة قدرتها على غزو تايوان؟ أم أن تايوان والولايات المتحدة واليابان وأوروبا تستغل الوقت بشكل أفضل لرفع كلفة أي تدخل صيني بالتالي ردعه؟ هذا هو السؤال الأساسي".

أظهرت محاكاة للصراع أجراها مركز الأمن الأميركي الجديد أن الولايات المتحدة وحلفاءها وشركاءها لديهم فرصة لاتخاذ خطوات لتعزيز الردع بشكل كبير، والتأكد من أن الصين لا ترى أبداً غزو تايوان كخيار مربح، ولكن من أجل تغيير التوازن العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وتطوير القدرات والموقف والتخطيط الذي يمكن أن يحد من العدوان الصيني، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها اتخاذ خطوات فورية في عدة مجالات رئيسة، بما في ذلك أن تقوم وزارة الدفاع الأميركية بضخ استثمارات في الأسلحة بعيدة المدى الموجهة بدقة والقدرات تحت سطح البحر وتعميق الخطط الاستراتيجية مع حلفاء يتمتعون بقدرات عالية مثل اليابان وأستراليا لتحسين قدرتهم الجماعية للرد على العدوان الصيني على تايوان، كما ينبغي على الكونغرس الأميركي تعزيز مبادرة الردع في المحيط الهادئ ودعم تشكيل الموقف العسكري لتايوان.

تاريخ القرن الحادي والعشرين

بالنظر إلى حساسية قضية تايوان ومنطقة الإندوباسيفيك في الصراع الجيوسياسي وصعود نظام عالمي جديد، يقول كبير خبراء آسيا لدى "معهد الولايات المتحدة للسلام" برايان هاردينغ إن "هذه هي المنطقة الأكثر ديناميكية في العالم، هذا هو المكان الذي سيكتب فيه تاريخ القرن الحادي والعشرين. كثير من ذلك يتعلق بصعود الصين وديناميكية القوة التي تتغير بالفعل"، وهو ما يتفق مع تعليقات لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، أدلى بها في مستهل توليه منصبه، واصفاً العلاقة بين واشنطن وبكين بأنها "أكبر اختبار جيوسياسي للقرن الحادي والعشرين".

ووفق مجلة "قضايا آسيوية" التي تصدر عن "المركز الديمقراطي العربي" في برلين، فإن الدوافع التي شجعت الولايات المتحدة على المضي في تشكيل التحالفات مثل إطار عمل التحالف الرباعي "كواد"، هو الرغبة الأميركية في استمرار تفوقها في منطقة الإندوباسيفيك ومواجهة تهديدات الصين في المنطقة والحفاظ على حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي وتقاسم أعباء الحماية الأمنية والعسكرية في المنطقة. ولا تقتصر الاستراتيجية الأميركية في دول جنوب شرقي آسيا وجزر المحيط الهادئ على الردع العسكري والأمن الإقليمي للحلفاء، بل تتضمن عديداً من الأدوات التنموية والشراكات الاقتصادية.

في المقابل يقول مراقبون إن هناك دلائل على أن الصين ستصعد التوتر وتثير الصراعات مع تايوان، وهو ما دفع بايدن خلال جولته الآسيوية الأولى أواخر مايو (أيار) 2023، إلى إعلان التزام بلاده الدفاع عن تايوان. وبحسب مركز "خدمات الاستخبارات الجيوسياسية" في ليختنشتاين، من الضروري أن يقدم الغرب الدعم لتايوان قبل فوات الأوان إذا أراد الحفاظ على استقلالها عن بكين، وعليه تحديداً أن يظهر للرئيس شي جينبينغ أن كلفة العدوان على تايبيه ستكون باهظة بشكل غير متوقع. لأنه إذا ما نجحت الصين في ضم تايوان فإنها ستستفيد أولاً من اقتصادها، وستحتوي ثانياً أحد أكبر منافسيها اقتصادياً، وستصبح ثالثاً رائدة في سوق أشباه الموصلات في العالم، مما يثير قلق واشنطن بشدة.

كتابة
إنجي مجدي

تحرير وإعداد
إيليانا داغر

التنفيذ والغرافيك
مريم الرويغ
نوف الحربي

الإشراف على التنفيذ
نوف الحربي

رئيس التحرير
عضوان الأحمري