Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما دوافع انضمام قبائل جنوب دارفور لـ"الدعم السريع"؟

ناشدت القوات المسلحة الشباب وكل من يستطيع حمل السلاح مشاركتها في القتال وتم توجيه قيادات الفرق والمناطق العسكرية بتجهيز المقاتلين

كان النظام السابق يقوم بتجميع مجتمعات من عدد من القبائل في اتحادات إثنية بدلاً من الجغرافية (غيتي)

ملخص

الامتدادات القبلية في دارفور لم تبدأ بصدامات المرعى ولم تنته بالصدامات السياسية بل استمرت بالتداخلات الإثنية

لم يقتصر الاستقطاب على أثر القتال الإثني العنيف الذي شهدته مدينة الجنينة، بين قبيلة "المساليت" من جهة، والقبائل العربية المدعومة من قوات الدعم السريع من جهة أخرى، والذي أدى إلى وقوع أعداد كبيرة من الضحايا من القبيلة وتهجير البقية قسراً، على ولاية غرب دارفور وحدها، بل اتسع المشهد ليشمل ولاية جنوب دارفور أيضاً، وفيها، أعلن زعماء الإثنيات العربية وقبيلة "الفلاتة" بالولاية تحالفهم مع قوات "الدعم السريع" وفق بيان أصدره المكتب التنفيذي للإدارة الأهلية لقبائل جنوب دارفور، ويتوقع أن يؤدي ذلك إلى إطالة أمد الصراع في غرب السودان، ووقع على البيان ناظر قبيلة "الرزيقات" التي ينتمي إليها قادة قوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، إضافة إلى نظار قبائل "بني هلبا" و"الترجم" و"الهبانية" و"المسيرية" و"التعايشة"، أما قبيلة "الفلاتة"، ذات الجذور الأفريقية، فبعد توقيع ناظرها على البيان، لكن تياراً آخر في القبيلة أعلن انحيازه للقوات المسلحة، أخذ على قبيلة "الرزيقات" ذات الجذور العربية هجومها السابق الذي نفذته بمساندة "الدعم السريع" على قرى محليتي تلس وبرام معقل "الفلاتة" جنوب دارفور، وذلك في أبريل (نيسان) 2022، حيث راح ضحيته كثر، وخلف عدداً من الجرحى بعد نهب ممتلكاتهم وحرق منازلهم، كما لم يوقع على البيان زعماء قبائل "المساليت" بولاية جنوب دارفور، و"الفور" و"الزغاوة" و"الداجو".

 

في المقابل، ناشدت القوات المسلحة، في بيان، الشباب وكل من يستطيع حمل السلاح مشاركتها في القتال وتم توجيه قيادات الفرق والمناطق العسكرية باستقبال وتجهيز المقاتلين، وسبق أن أعلن عدد من القوى الدينية والقبلية في السودان دعمها الجيش السوداني.

تسلسل هرمي

إضافة إلى انقسام القبائل، فإن الولاية نفسها، خصوصاً عاصمتها مدينة نيالا، قسمت بفعل الصراع إلى جزأين، كل منهما يسيطر عليه أحد طرفي الصراع، فبينما تسيطر القوات المسلحة على غرب المدينة حيث تحتوي مقارها وأمانة الحكومة وقصر الضيافة والوزارات والسوق الكبيرة وعدداً من الأحياء، فإن "الدعم السريع" تسيطر على شرق المدينة والذي يضم قيادة جهاز الاستخبارات وقيادة الشرطة ومطار نيالا وبورصة جنوب دارفور وعدداً آخر من الأحياء.

وكان النظام السابق يقوم بتجميع مجتمعات من عدد من القبائل في اتحادات إثنية بدلاً من الجغرافية، وقبلها نشطت حكومة الديمقراطية الثالثة بزعامة الصادق المهدي لزعزعة محاولات الحكومات الوطنية ومن قبلها الاستعمار الإنجليزي في الجمع بين بعض الإثنيات في منطقة واحدة، إذ كانت تقوم بتعيين رؤساء للإدارة الأهلية ينتمون إلى واحدة من القبائل لحكم هذه المجموعات، وعلى رغم أن نتيجة ذلك، أن وجد هؤلاء الرؤساء صعوبة في فرض سلطتهم على كامل المجتمع من مجموعات مختلفة ومتنافرة أحياناً، فإنه لم يكن بإمكانهم الاعتراض، وللاستفادة من هذه الثغرة الاجتماعية، أعطى نظام الرئيس السابق عمر البشير رئاسة الإدارة الأهلية لأفراد من قبائل موالية له، وأوجد أحياناً رئاسات جديدة، مما أسهم في تأسيس تسلسل هرمي جديد بين قبائل دارفور، لذلك اتهمت حكومة البشير بأنها تعمدت إثارة النعرات الإثنية للحد من توحد القبائل، وأنها أتت بهذه الصيغة حتى تسهل السيطرة عليها وتستجيب لمصالح السلطة.

 

ويعد الصراع بين القبائل العربية والأفريقية مثالاً ناصعاً على ذلك، فقبل اشتعال حرب دارفور بشكلها المعروف، كانت هناك نزاعات متفرقة احتدمت عام 1999، مارس خلالها تجمع القبائل العربية اعتداءات ضد القبائل الأفريقية (الفور، والزغاوة، والمساليت)، ونتج من ذلك اصطفاف القبائل الأفريقية وإعلان تمردها على الحكومة، عبر "حركة تحرير السودان"، وبعد أن فتحت الحركة جبهة الحرب في دارفور منطلقة من جنوبها، بمهاجمة مراكز الشرطة، سحبت حكومة البشير قوات الشرطة، كما حاولت احتواء ميليشيات الدفاع الشعبي، لأنه شاع أن أفراداً منها بصدد الانضمام إلى جيش تحرير السودان التابع للحركة.

احتواء إثني

وقابل نظام البشير تحركات جيش تحرير السودان لاحتواء إثنيتهم، بإنشاء لجنة أمنية من زعماء القبائل العربية الصغيرة التي هاجرت من تشاد خلال عقود، وشهدت منطقة جنوب دارفور صدامات بينها وبين "الفور" التي تنتمي إليها حركة تحرير السودان، وبعد أن كونت الحكومة ميليشيات "الجنجويد" انضمت إليها بعض القبائل العربية، لأسباب تتعلق برغبتها في أن تنال حظوة وحماية السلطة لها من غارات جيش تحرير السودان الذي كان يسيطر على بعض الطرق الريفية التي تسلكها القبائل العربية في تحركاتها بحثاً عن الماء والمرعى في موسم الأمطار.

هذه الامتدادات القبلية لم تبدأ بصدامات المرعى ولم تنته بالصدامات السياسية، بل استمرت بالتداخلات الإثنية ومحاولة تأجيجها بواسطة نظم الحكم المختلفة لا سيما نظام البشير، وفي الوقت الذي كانت تعتمل فيه عناصر إثنية مؤثرة في طبيعة دارفور منذ بداية الحرب عام 2003، كانت تشاد في تلك الحقبة تكافح متمرديها، ووقع الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي والمتمردون اتفاق سرت بليبيا عام 2007، لكن ديبي لم يف ببنوده، خصوصاً المتعلقة بإعادة دمج قوات المتمردين في الجيش التشادي بحجة أن الجيش كبير ولا بد من خفض عديده، وبعد أن وقع الرئيسان السوداني والتشادي "اتفاق دكار" للمصالحة في 13 مارس (آذار) 2008 بعدم الاعتداء، لينهي خمس سنوات من النزاع بينهما، تبعه اتفاق آخر عام 2010 بين السودان وتشاد لتسهيل عودة المتمردين التشاديين إلى بلدهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان ممثلو الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من مراقبي الاتفاقات التشادية يخشون أنه بعد استسلام المتمردين يمكن أن يعيرهم إدريس ديبي إلى البشير للمحاربة في صفوف ميليشياته، خصوصاً بعد المصالحة بين الرجلين واستعداد ديبي إلى الدخول في مصاهرة مع السودانيين بإشراف البشير، والتي أفضت إلى زواجه عام 2012 من ابنة زعيم "الجنجويد" موسى هلال.

تنقل القبائل

ومنذ ذلك الحين ودارفور تشهد تصاعداً في النزاعات وفوضى وسط تنقل المقاتلين وتحركاتهم بين السودان والدول المجاورة للإقليم، ففضلاً عن الجماعات المتمردة السودانية والتابعة لهذه الدول، هناك تنقل القبائل التي وزعتها الكوارث الطبيعية والحروب، وتوزع شبابها بين الهجرة والارتزاق والاسترقاق من غرب السودان وتشاد وجنوب ليبيا ودول غرب القارة الأفريقية مثل النيجر ومالي ونيجيريا وبوركينا فاسو وتوغو والكاميرون وبنين وموريتانيا وغيرها، وكان الخيار الأول الاتجاه شمالاً بغرض عبور البحر المتوسط إلى أوروبا، ومع فشل كثير من هذه الرحلات المحفوفة بالأخطار وغرق كثر، إضافة إلى نشاط الاتحاد الأوروبي بالاتفاق مع "حميدتي" لمحاربة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، في ما عرف بـ"عملية الخرطوم"، كان البديل هو التوجه صوب مناجم الذهب، وقد ظهرت النشاطات التعدينية في هذه المنطقة ومن بينها السودان، خصوصاً في إقليم دارفور حيث منجم جبل عامر، الذي سلمته حكومة البشير إلى "حميدتي"، كما تداخلت النشاطات البشرية الأخرى للشباب الأفارقة، ولم تخل في كثير منها مما يتنافى مع القوانين الدولية لحقوق الإنسان، ونشطت تجارة البشر وسماسرة المرتزقة، ثم دخلت شركة مجموعة "فاغنر" وعملت على تدويل هذا النشاط في مالي وليبيا وأفريقيا الوسطى، ومع انسحاب الغرب، خصوصاً النفوذ الفرنسي، وجدت هذه القوات البيئة السياسية متاحة للتوسع، إذ لم تستعن بها فقط الميليشيات الأفريقية المعارضة لحكوماتها، وإنما استفاد بعض الحكومات الديكتاتورية أيضاً من نشاطها في الحماية.

دوافع الاستقطاب

ويشير الواقع الراهن لتأثير الصراع على تقوية دوافع الاستقطاب خصوصاً لقوات الدعم السريع، فقبل خروج هذه القوات من ظل الجيش كانت هناك مبررات كثيرة تساق لتفسير تأييد هذه القبائل "الدعم السريع"، ولكن بعد اشتعال الحرب هناك أكثر من مؤشر للموقف المتخذ، وأقربه إلى الإدراك أنها أيضاً في حالة خروج على القوات المسلحة ومعارضة لها، وإن كان ذلك يعني شيئاً، فإنه يشير مباشرة إلى أن هذه القبائل المنضوية تحت لواء "الدعم السريع" تكن لها بالولاء منذ البداية، وأثبت ذلك تاريخ تفاعلات الصدام الإثني في مجتمع دارفور الكبرى وولاياتها الخمس، مع تفاوت وتيرة الاستقطاب بين ولاية وأخرى.

وتتجسد دوافع هذه القبائل والجماعات الإثنية في أنها، أولاً، إن كان ديدن هذه القبائل الولاء المبذول لما تعدها مراكز قوى، فإنها مع بروز كل نظام جديد تصوغ معارضتها له بالشكل الذي يضمن مصالحها حتى وإن كان على حساب مصالح القبائل الأخرى، وإن كانت القبائل المرتبطة إثنياً بالحركات المسلحة من "الزرقة" تؤيد النظام الحاكم أياً كان، فإن القبائل العربية التي ترتبط بها قوات الدعم السريع إثنياً، ستكون مع الطرف النقيض اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، والعكس صحيح، وعلى رغم أن القبائل العربية في جنوب دارفور أعلنت عداءها للجيش حالياً، فإن هذا العداء ليس موقفاً مبدئياً، إذ إن القبائل نفسها في ظل النظام السابق كانت موالية له وللجيش ضد الحركات ذات الجذور الأفريقية.

ثانياً، تعبر عن الدوافع أيضاً الوعود التي بذلها قائد "الدعم السريع" لقواته من هذه القبائل في السودان وتشابكاتها مع القبائل الأخرى في دول الجوار الأفريقي، وهناك علاقة واضحة من الشد والجذب بين السلطة والمعارضة المسلحة في ظل استمرار الاضطراب السياسي المبني على النزاعات الإثنية، وهذا يدل على خلل هيكل الدولة وضعفها مما يسمح بسيادة الولاءات الإثنية والقبلية على حساب الولاء للوطن.

ثالثاً، ما جنته الحركات المسلحة والمتمردة من تصعيدها للنزاعات سواء في الدول الأفريقية أو السودان حفز المجموعات القبلية للدخول في هذا المعترك السياسي، ومحرك كل ذلك زعماء القبائل الذين ينالون حظاً من السلطة والثروة سواء من الحركات المتمردة أو الميليشيات أو من الحكومة نفسها في حالات التفاوض معها.

عناصر الجذب

وإن كان هذا الإطار الإثني ضامناً لقائد قوات الدعم السريع منذ النظام السابق على بعض القبائل العربية وفي مقدمتها قبيلة "الرزيقات"، فإن لقائد قوات الجيش السوداني، في ظل النظام السابق أيضاً ثم خلال الفترة الانتقالية، خصوصاً خلال هذه الحرب، وسائله الأخرى في الاستقطاب، ربما تنحصر في السلطة وتوزيع الوظائف والمواقع الإدارية وفقاً للمحاصصات السياسية، وهذا العنصر الجاذب ليس كافياً وحده، فالمغانم نتيجة لإشاعة الفوضى ثم التمسك بسلطة متوهمة كانت مستمرة منذ الاستعمار البريطاني الذي أغدق على زعماء هذه القبائل المكاسب بتحصيل الضرائب من القبائل الرعوية، وعينهم رؤساء للإدارات الأهلية، حتى لا يزعجوا الحاكم العام بمشكلاتهم، إذ عهد إليهم بحلها بالطريقة التي يرونها، ما دامت لا تصل إلى قصره في الخرطوم، واستمر ذلك مروراً بالنظم المختلفة وحتى نظام البشير الذي ابتدع طرقاً جديدة في استرضاء بعض القبائل ثم تجنيد منسوبيها، كما تفعل الآن مثل ذلك قوات الدعم السريع وسط إغراءات واسعة.

المزيد من تحلیل