Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تهور الرئيس ماكرون بموضوع أوكرانيا يشكل خطرا على الغرب كله     

من خلال مجرد الإشارة إلى أنه يعتزم إرسال قوات عسكرية إلى كييف، قام بكسر إحدى المحرمات التي نجحت في الصمود حتى يومنا هذا

"في غضون أسبوعين، ارتقى بنفسه ليصبح صقر الغرب الرئيس" (سوازيغ دي لا مويسونيري/ مكتب الرئيس الفرنسي)

ملخص

لقد شكل الموقف الأوروبي - الغربي الموحد رسالة علنية واضحة للرئيس بوتين لكن الرئيس الفرنسي بتصريحاته حول أوكرانيا يخاطر بكل ذلك

أنا لست من المعجبين بالأحاديث عن سن اليأس عند الذكور أو معاناتهم من أزمة منتصف العمر، لكنني على رغم ذلك أتفهم جيداً مغريات محاولة طرح مثل تلك التفسيرات، في ضوء ما نراه ونسمعه من مواقف تصدر عن باريس. بحق الآلهة ماذا جرى للرئيس إيمانويل ماكرون؟ وما هو نوع اللعبة، إن كانت كذلك، التي يعتقد بأنه يقوم بلعبها؟

في فترة لم تتعدى الأسبوعين، ارتقى ماكرون نفسه ليصبح صقر الغرب الرئيس في موضوع العلاقات مع روسيا (وذلك في ساحة مزدحمة للغاية). وهو نجح بمفرده بتحطيم مظاهر الوحدة التي استمرت على مدى عامين بما يتعلق بأوكرانيا، والتي رعاها حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، والآن أصبح هذا الرئيس الأكثر سلاسة وتحضراً والأكثر غطرسة من بين الرؤساء الفرنسيين الأخيرين، يتصدر وسائل الإعلام الفرنسية والدولية بهيئة ملاكم يوجه لكمات غاضبة، فيما ترتسم على وجهه تعابير حزم المقاتل. وهو في الحقيقة ليس بصدد خوض أي انتخابات حالياً حتى. إذ أعيد انتخابه قبل عامين، وليس بمقدوره أن يترشح للانتخابات مجدداً.

وقد أكون شخصياً من بين الأشخاص الذين تابعوا الرئيس ماكرون أكثر من أي من المراقبين الآخرين سواء في فرنسا أو خارجها. فهو كان قد غامر في إنشاء حركة سياسية جديدة للترويج لترشحه للرئاسة وفاز على أساس برنامج عكس رؤية حديثة وجديدة للسياسة. كانت لديه فكرة أوضح مقارنة بكثيرين حول مدى حاجة فرنسا للإصلاحات، حتى وإن لم ينجح في فرض تنفيذها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان ماكرون عكف على إعادة كرامة مكتب الرئاسة الفرنسية بعد ما اعتبره تدهوراً لهيبة المنصب في ظل سلفه فرانسوا هولاند، وما عرف عن قيادته الدراجة النارية في زيارات ليلية إلى مكان إقامة صديقته وغيرها من الأمور، إذ أعاد خلق الهالة التي تحيط بالمنصب، وهو ليس بالأمر السيئ، برأيي الشخصي، في نظام رئاسي [مثل فرنسا].

أما خارجياً، فظهر ماكرون بمظهر الأوروبي المتحدث الجزل والطليق السان، صاحب أفكار تتعلق بالاتحاد الأوروبي وما يجب أن يصبح عليه، إضافة إلى دفاعه عما يسمى "الاستقلالية الاستراتيجية" strategic autonomy، ومطالبته، وذلك قبل بدء الحرب في أوكرانيا، بأن يقوم الاتحاد الأوروبي بالاعتماد على نفسه، بما يتعلق بالشؤون الدفاعية. وماكرون كان أيضاً من بين آخر الزعماء الأجانب الذين عملوا على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع الزعيم الروسي، وكان يدرك، أو على الأقل هذا اعتقادي، أن عزل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإهانته من المرجح أن يؤدي إلى تفاقم الأمور سوءاً.

ولكن من الواضح أنه بحلول نهاية العام الماضي، أصبح ماكرون غير راضٍ عن طريق تحقيق بعض، إن لم يكن كل، توجهاته. وافتتح العام الجديد بإصلاح شامل لحكومته، بما في ذلك استبدال رئيس وزرائه ووزير خارجيته. والمنصبان كان يشغلهما شخصان كفوئين، وإن لم يكونا مبدعين للغاية. واليوم يشغل المنصبين شابين صغيرين في السن (وبالصدفة مثليين)، وطموحين.

وليس من الواضح على الفور مدى ارتباط التغييرات في الموظفين بالتغييرات في السياسة. فالرئيس الفرنسي، مثل نظيره الأميركي، يتولى توجيه السياسة الخارجية والدفاعية، لذا فإن الكلمة الأخيرة في هذا التحول الدراماتيكي ضد روسيا لا بد أن تكون له. ويا له من تحول كان.

فمن إجرائه اتصالات هاتفية مطولة مع الكرملين من قصر الإيليزيه، وتلك الصور الشهيرة التي ظهر فيها ماكرون على الطرف الآخر لطاولة الرئيس بوتين الطويلة، أو [ما عرف] بطاولة جائحة كورونا، إلى ما يبدو عليه الآن غياب أي اتصالات مباشرة بين الجانبين على الإطلاق.

عندما دعي سفراء الاتحاد الأوروبي إلى وزارة الخارجية الروسية أخيراً، فضل جميعهم عدم الحضور. وكان البعض قد اعتبر أن صورة ماكرون بهيئة ملاكم هي، وليس بشكل خاطئ ربما، بمثابة تلميح إلى، وتحد، للرئيس بوتين وصورته وهو عاري الصدر يمطي جواده، إضافة إلى مشاهد رياضية مثيرة أخرى.

وبدا ماكرون في الصورة وكأنه يقول: "حسناً يا بوتين... إذا كانت هذه هي اللغة الوحيدة التي تفهمها، إليك هذه الصورة، وتلك، وهذه أيضاً!" أليس حري بزعماء الدول أن يكونوا مترفعين عن مثل هذه التصرفات الكاريكاتورية؟ وإذا كان المقصود منها إرسال رسالة إلى الرئيس الروسي، فهل هذا يتماشى حقاً مع تشديد ماكرون على كرامة منصب الرئاسة؟

لكن الأكثر أهمية من بين الأدلة على التغيير الذي طرأ على السياسات الفرنسية، كان اقتراح الرئيس ماكرون بأنه من الممكن للجنود الغربيين، وربما يتوجب عليهم، أن يكونوا موجودين على الأراضي الأوكرانية. وهذا قد تسبب في تحطيم ما كان قد بدا أنه اتفاق ضمني، في الاتحاد الأوروبي، كما هو في حلف الأطلسي، بأن المساعدة التي تقدمها الدول الغربية إلى أوكرانيا لا يجب أن تتعدى تزويدهم بالسلاح والتدريبات.

وفي شكل خاص، لا يجب أن تكون هناك أي مشاركة مباشرة للقوات الغربية في أي قتال، وذلك لأسباب واضحة: فمثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى احتجاج شعبي في تلك البلدان المساهمة بقوات، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إبطال الدعم الشعبي لأوكرانيا.

ولقد كان هناك أيضاً خطر من أن تتحول تلك القوات إلى هدف أساسي للقوات الروسية، والنقطة الثانوية أن يبدو ذلك التدخل بمثابة دعم للسردية الروسية بأن الحرب في أوكرانيا قد تحولت، وإن لم تكن كذلك في بداياتها، إلى حرب بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي من جهة وروسيا من الجهة الأخرى، الأمر الذي من شأنه جعل إمكانية نشوب حرب عالمية ثالثة أمراً أكثر احتمالاً.

كل ما سبق هو حقيقي، لكن لا بد من الملاحظة أيضاً بأن هناك خطاً أرفع، مما قد يبدو عليه الأمر، بين نشر الجنود في الميدان، كما اقترح الرئيس ماكرون، والأشكال الأخرى لتقديم المساعدة العسكرية، والتي يجري توفيرها بالفعل. لربما كان لدى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قوات خاصة في أوكرانيا منذ بداية النزاع، لكن العرف يقضي بأن وجود أي قوات خاصة لا يتطلب أي اعتراف علني من دولتهم، ولا أي موافقة تشريعية على ذلك.

إن المستشار الألماني كان قد سمح لنفسه بزلة لسان، وكشف فيها عن إحدى الأسباب التي تدفعه لعدم إرسال صواريخ "توروس" Taurus، لأن نشر مثل تلك الصواريخ يتطلب توفير مهندسين ألمان، مشيراً إلى أن المملكة المتحدة لديها عناصر يقومون بمثل تلك المهمة لتشغيل المعدات التي كانت قد قدمتها لندن إلى كييف. فمسألة البت بما الذي يشكل مشاركة مباشرة في حرب طرف آخر، ومسألة استجابة هذا الطرف لطلب المقاتلين تزويدهم بالأسلحة والذخائر يشكل جزءاً معقداً في القانون.

ويبدو حديث الرئيس ماكرون عن إرسال الجنود أيضاً غير قاطع إلى ذلك الحد الذي بدا عليه. وبحسب تقارير في وسائل الإعلام الأوكرانية، قال إنه ينبغي أخذ ذلك في الاعتبار إذا حاولت روسيا الاستيلاء على كييف أو أوديسا. لقد كان هناك استهداف متفرق بالصواريخ والطائرات المسيرة على المدينتين، ولكن لا شيء يشير إلى كونه مقدمة لاحتلال أي منهما. إذاً، تصريح ماكرون يمكن أن ينظر إليه على أنه مجرد اقتراح وقد يرقى فقط إلى كونه محاولة لردع موسكو عن القيام بتصرفات معينة.

لكن، وإن وضعنا كل تلك المحددات جانباً، يبقى أن الوقائع تشير إلى أنه وبمجرد ذكره لمسألة إرسال قوات عسكرية غربية، قام ماكرون بكسر إحدى المحرمات، والتي يبدو أنها كانت قد نجحت في الصمود، لأسباب وجيهة. إن الدول الوحيدة التي من شأنها أن تدعم فكرة إرسال قواتها إلى أوكرانيا، هي دول البلطيق الثلاثة ومعهم بولندا، لكن حتى هناك قد لا يحظى ذلك بإجماع شعبي.

أما في بقية دول الاتحاد الأوروبي، ومن وجهة نظر رئيس أميركي يقوم بحملات لإعادة انتخابه رئيساً، إن الدعم لمثل تلك الخطوة هو أمر أشبه بالغائب تماماً. إن رد الفعل على موقف ماكرون المستجد كان سلسلة من النفي العنيف، ومعها الكثير من الأدلة على اختلافات في المواقف بين دول الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي لو أراد الرئيس بوتين استغلالها.

ومن بين الذين كانوا قد أصيبوا برعب كبير، الشعب الألماني، والمستشار أولاف شولتز، وهم كانوا لا يزالون مستائين من الانتقادات الفرنسية لهم لرفضهم تزويد أوكرانيا بصواريخ "توروس". وبعد انكشافها علنياً سيكون من الصعب احتواءها. إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد قام بما في وسعه [لاحتواء الأمر]، شاكراً الرئيس ماكرون، لكن من خلال قوله بأن على الشعب الفرنسي ألا يقلق، لأنه لن يكون هناك من حاجة كي يموت الجنود الفرنسيون من أجل أوكرانيا. فكل ما يريده الأوكرانيون هو الأسلحة كي يتمكنوا من القتال من أجل قضيتهم. لكن يبدو أن الضرر كان قد وقع.

كل ذلك يترك السؤال مفتوحاً عن السبب الذي دفع ماكرون إلى اتخاذ ذلك الموقف. هل يمكن أن يكون التهديد بإرسال القوات العسكرية في الواقع مجرد خدعة تهدف للردع، ووضع خطوط حمراء جديدة لروسيا (كييف وأوديسا)؟ أو أنها مسألة شخصية؟ هل أن الرئيس ماكرون نادم ربما على حجم الرصيد السياسي الذي كان قد غامر به بهدف تلافي وقوع الحرب من الأساس، من خلال تمسكه حتى المراحل الأخيرة باتصالاته مع الرئيس بوتين؟

أم أنه سيجد "تحالفاً مؤلفاً من الراغبين" من أجل أوكرانيا، يتكون من دول الاتحاد الأوروبي ليصبح بمثابة بداية نواة جيش عسكري أوروبي مستقل؟ وهي قدرات يمكنها أن تتخذ شكلاً أكثر أهمية في حال عودة دونالد ترمب لفترة رئاسية ثانية وتقليل حجم الوجود الأميركي في أوروبا؟  

وماذا لو كان كل ذلك مجرد أفكار طرحها ماكرون لأنه ماكرون، ويود من خلالها وضع فرنسا على خريطة أخلاقية جديدة، واستراتيجية أوروبية جديدة؟ وهل من شأن ذلك أن يكون أمراً سيئاً؟ كان الرئيس ترمب قد برهن أن حال عدم اليقين يمكنها أن تكون ذات منفعة دبلوماسية - أو نوعاً من الردع الذي يبقي الأعداء في حيرة – أو عائقاً أيضاً.

إن الصعوبة بالنسبة إلى الرئيس ماكرون، هي أن فرنسا ليست الولايات المتحدة الأميركية، ففرنسا هي دولة عضو، وفعلياً واحدة من أقوى الدول الأعضاء، في تجمعات أكبر. هناك حلفاء وشركاء: هناك قوة في رسالة عامة موحدة لكنها جرى تمييعها، إذا لم نقل إلغاء فعاليتها.

من الصعب ألا نستنتج أنه من خلال إعلانه علناً مواقفه في القضية، سواء من خلال مناقشة مسألة إرسال الجنود، أو من خلال إظهار قدرته على الملاكمة داخل الحلبة فقد خسر أكثر مما اكتسب.

© The Independent

المزيد من آراء