Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نعيش ما بعد الحرب؟ فيلم عن كوسوفو يجيب

الدانماركية بيرغيت ستارموس تصور مآسي ما قبل المعارك وما بعدها بالسرد والتوثيق

اطفال في فيلم "بعد الحرب" (ملف الفيلم)

ملخص

يعالج فيلم "بعد الحرب" للمخرجة الدانماركية بيرغيت ستارموس قضية المواطنين الذين يعيشون أاصعب الظروف خلال الحرب، ثم ما بعدها، عندما يتخلّى عنهم الجميع. في هذه المرحلة، يكونون بحاجة كبيرة إلى دعم نفسي ومعنوي. هذه القضية يعيشها الضحايا بصمت وعزلة. 

ماذا يحدث بعد انتهاء الحرب التي يعيشها المواطن في بلده؟ غالباً، تتوقّف كاميرات وسائل الاعلام عن التسجيل ليصبح الاهتمام بمنكوبي الصراع المسلّح محدوداً، وصولاً إلى نسيانهم شبه الكامل. وخلافاً لمقولة أفلاطون، هناك أحياء سيرون فعلاً نهاية الحرب، بل سيعيشون كل تداعياتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية. ولكن كيف يعيش هؤلاء هذه الظروف، بعد أن يتخلّى عنهم الجميع في مرحلة، أحوج ما يكونون فيها إلى دعم نفسي ومعنوي؟ تروما ما بعد الحرب يعيشها الضحايا بصمت وعزلة، وهي ما يتشاركه كل ضحايا الحروب. 

هذا ما تتحدّث عنه المخرجة الدانماركية بيرغيت ستارموس في فيلمها "بعد الحرب" الذي شارك في مهرجان برلين السينمائي الأخير (قسم "بانوراما" الخاص بالوثائقي). ينطلق الفيلم بمشاهد من حرب كوسوفو (1998-1999). المشاهد الأرشيفية القليلة عن نازحين يهربون من العنف والاقتتال، تمهد للجو العام، القاتم جداً، الذي سيضعنا فيه الفيلم لـ85 دقيقة، متوقّفاً عند واحدة من أكثر الصفحات سواداً في تاريخ أوروبا الحديث. ولكن لا تلبث كاميرا المخرجة عند لقطات النزوح طويلاً، بل تنتقل مباشرةً وبسرعة إلى ما بعد الحرب، بلا أي حاجة للربط بين اللحظتين، لنرى كم البؤس غداة نهاية العنف. نرى أطفالاً يبيعون الفول السوداني والسجائر في شوارع العاصمة، ليكسبوا مالاً يسمح لهم بالعيش. أحد الأطفال يتوجّه إلى الكاميرا بالقول: "إني أتحدّث معك لسبب واحد: أشعر بالجوع. جائع لدرجة أستطيع أن آكل مالك". طفل آخر يخشى من أن تُسرق منه عيناه وكليته وكبده وهو يقطّع سمكة. أطفال بوجوه متعبة، بلا رعاية، متروكين لمصائرهم، يسألون "من نحن؟"، ليأتي الرد على لسان فتاة: "إني لا شيء". 

هناك صبي يرتدي قميصاً كُتب على ظهره "صامد"، وهذا ما هم عليه الأطفال في الواقع. الكل يتشارك الحكاية نفسها، لا بل ملزم بها، في مدينة تتحوّل وتتقدّم ببطء شديد، لا بل ستصبح بعد الحرب أرضاً للعبور إلى بلدان أكثر رفاهيةً، حيث سيواجه الهاربون من الواقع المر، تحدّيات من نوع آخر.  

من جيل إلى آخر

صوّرت ستارموس هذا الفيلم الطموح على مدار 15 عاماً، تعقّبت خلالها عدة أشخاص، وهذا يعني إننا نراهم يكبرون أمام أعيننا، فنشهد على تحولاتهم الذهنية والجسدية في مراحل مختلفة من حياتهم. ومن هذا التعقّب والاصرار على التوثيق وهذه الاستمرارية، يستمد الفيلم المقسوم إلى ثلاثة فصول (ماضي، حاضر ومستقبل)، بعضاً من أهميته الجمالية. من اللافت أن بعض الأشياء ستبقى عالقة في وجدانهم رغم مرور الزمن. وسرعان ما يتحوّل همهم المعيشي إلى قلق على المستقبل في دولة آفاق العيش فيها مسدودة، كما الحال في العديد من البلدان المجاورة لكوسوفو التي لا حل فيها سوى الهجرة. وسط هذا كله، تحاول المخرجة التقاط المسكوت عنه في عيون منسيي أوروبا، مستدرجةً إياهم إلى فضيلة البوح. سيتكلّمون لعل "كلامهم عن ماضيهم يحول مستقبلهم إلى لحظة أمل"، كما تتأمّل إحدى الشخصيات. 

من عمق صراع سياسي معقّد، تنتشل المخرجة فيلماً عن الكرامة الإنسانية لا درساً في التاريخ، حيث الشعر يأتي ولكن لا نعرف من أين، والسينما سيدة في هذا المجال. هذا فيلم بكادرات حادة وألوان دافئة لا توجد فيها ابتسامة واحدة رغم الأطفال الكثر. يبقى أن نعرف كيف يتعاطى الأطفال مع الذاكرة الجمعية والتجارب الشخصية في واقعهم اليومي. فهل يواصلون حياتهم بوجوه عابسة مثلاً، كما حالهم في الفيلم؟ 

ما يقوله الفيلم عن وضع معقد، بعد أكثر من ربع قرن على صراع دموي، هو بسيط في خطابه: الحرب فخ يطبق على ضحيته، وإذا نجا منها الإنسان فلن ينجو منها تماماً. فإذا كانت الحرب معاناة جسدية في المقام الأول، فالبقاء حياً من بعدها تمرين نفسي ومعنوي. وهذه الحرب لا يعرفها الأطفال عندما تصورهم المخرجة، بل يكتشفونها تباعاً، في لقاءات تالية معها. بعضهم يدرك أن لا فيلم يمكنه ان ينقل معاناتهم كما هي، وهذه الملاحظة تأتي على لسان إحدى الشخصيات، لترسم حدوداً للغة السينمائية وتؤكد محدوديتها. 

في الأصل، التقت ستارموس الأشخاص عندما كانوا أطفالاً يبيعون السجائر وأشياء أخرى في كوسوفو ما بعد الحرب، فكان فيلمها القصير "خارج الحب”" (2009) من "بطولتهم". في السنوات اللاحقة، ظلّت على تواصل مع بعضهم، بينما كان البعض الآخرعلى تواصل بأفراد من فريق العمل. تابعت نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي، فانبهرت بكيفية تطور حياتهم. وفي عام 2017، راحت تفكّر في امكان إنجاز جزء ثانٍ من "خارج الحب"، فسافرت إلى كوسوفو، وسعت إلى التواصل مع جميع الأطفال الذين أصبحوا شباباً. كانوا قد بدأوا في تأسيس أسرهم والتخطيط لمستقبلهم. حاول بعضهم الهجرة، فيما شعر آخرون بأنهم محاصرون. تتذكّر قائلة: "تأثرتُ وأنا ألتقي بهم مرة أخرى، ذلك إنني أدركتُ الراوبط التي خلقها الفيلم القصير. كانت العلاقة بيننا قوية على نحو مدهش. ودّ الجميع تقريباً أن يكونوا جزءاً من الفيلم الجديد. من خلال خبرتهم في الفيلم السابق ومنظورهم الجديد كشباب، كانوا أكثر تعاوناً هذه المرة". في رأي ستارموس أن وسائل الإعلام تصف الحروب بأنها لحظة دراماتيكية، لذلك كثيراً ما تتمحور عناوينها الرئيسة على عدد الضحايا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الحرب ليست شيئاً يحدث ثم ينتهي أو يُنسى، بل هي تقيم في الأشخاص الذين عانوا منها. تعلّق بالقول: "وددتُ أن يشعر الجمهور بذلك. عندما نصادف أشخاصاً يعانون أكثر ممّا عانينا، نلجأ إلى عبارات الشفقة لتجاوز انزعاجنا. الشعور بالأسف تجاههم يشعرنا بأننا قمنا بواجبنا حيالهم. فيلمي عبارة عن شهادة جماعية، فيه عاطفة وحميمية، من دون أي كشف عن الحقائق الخاصة لحياة كل شخص. الفيلم يتحدّى التصنيفات الكلاسيكية. لا هو روائي ولا هو وثائقي، بل عبارة عن تأمّل مستمّد من تجربة الشخصيات نفسها. كتبتُ السيناريو استناداً إلى مقابلات مستفيضة، وجاء نتيجة تعاون وثيق مع الشخصيات امتد على مدى سنوات. كان التخييل وسيلة لتحريرنا أنا والشخصيات من الواقع الجامد، بهدف الاقتراب من الجوهر الحقيقي لما عاشته. أرى "بعد الحرب" شكلاً من أشكال الشهادة، وهو يقترب ليكون بياناً عن الحياة الداخلية للشخصيات، أكثر من كونه حكاية واقعية عنها. يتشارك الجميع القصّة نفسها، القصّة الجماعية لجيل كامل يعيش في مأزق ما بعد الحرب".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما