أطلقت إيران الجمعة مناورات برية قرب الحدود مع أذربيجان وأرمينيا، على الرغم من انتقادات وجهتها باكو لطهران في هذا الشأن، وفي تصريحات لوسائل إعلام محلية، قال قائد القوات البرية الإيرانية، كيومرث حيدري، إن المناورات انطلقت بمشاركة وحدات مدرعة ومدفعية وطائرات مسيرة ووحدات الحرب الإلكترونية، وبدعم من مروحيات الجيش، من دون أن يحدد مداها الزمني أو الجغرافي.
وكشفت هذه المناورات والانتقادات الأذربيجانية لها، عن توتر ليس الأول بين البلدين الجارين، والواضح أنه لن يكون الأخير في جنوب القوقاز المنطقة التي تحكمها معادلات وتوزانات معقدة إقليمية ودولية، وكونها نقطة تماس بين روسيا وتركيا وإيران.
استدعاء السفير الإيراني في باكو
أبدى الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف استغرابه من المناورات العسكرية لإيران على الحدود مع بلاده، قائلاً إن "هذا حدث عجيب للغاية، لأن مثل هذه الخطوة لم تحدث خلال 30 عاماً من استقلال أذربيجيان. طبعاً، أي بلد يمكنه إجراء مناورات عسكرية داخل أراضيه وهذا حق سيادي له. لكن السؤال هنا، لماذا الآن ولماذا على حدودنا؟ هذه أسئلة شعب أذربيجان وليست أسئلتي. فالأذريون في أنحاء العالم يتساءلون عن ذلك".
وكانت الخارجية الأذربيجانية، قد استدعت خلال الشهر الماضي، السفير الإيراني في باكو، عباس موسوي، وسلمته مذكرة احتجاج على دخول شاحنات إيرانية إلى ناغورنو قره باغ من دون إذن رسمي، متجهة نحو أرمينيا، فضلاً عن قيام السلطات الأذربيجانية باعتقال سائقين إيرانيين.
وتوضح حادثة الشاحنات وتوقيت المناورات والانتقادات المتبادلة بين باكو و طهران، أن الأزمة متعلقة بشكل مباشر باتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته روسيا بين أذربيجان وأرمينيا بتنسيق مع تركيا العام الماضي، وأوقف حرب ناغورنو قره باغ الثانية، وأتاح تبادلاً للممرات عبر أراضي أذربيجان بين أرمينيا وعاصمة إقليم قره باغ، وعبر أراضي أرمينيا بين إقليم ناخشيفان وأذربيجان.
مخاوف إيرانية
ليس من المبالغة القول إن إيران قبل أرمينيا خاسرة من الاتفاق الذي رعته روسيا بين باكو ويريفان، بتنسيق مع تركيا، وعلى الرغم من الترحيب الرسمي به، واعتباره ذا أهمية لإحلال السلام في جنوب القوقاز، فإن تصريحات وتحليلات جهات مقربة من صناع القرار في طهران تشير إلى أن الترحيب الحكومي تشوبه في الوقت نفسه مخاوف وقلق مما يمكن أن تصل إليه ترتيبات الأوضاع في مراحل مقبلة.
وهو ما كشفه بشكل و اضح تصريح قائد القوات البرية الإيرانية، كيومرث حيدري مع انطلاق مناورات بلاده على حدود أذربيجان، "إيران حساسة تجاه تغير الحدود الرسمية لدول هذه المنطقة، وترى ذلك غير مقبول، يجب حماية الحدود القانونية، ضعف دولة في حماية حدودها لا يبرر قيام دولة أخرى بتغيير حدودها بدعم من الأجانب، إيران لن تسمح بمثل هذا الشيء".
أما عن عبور الشاحنات الإيرانية إلى قره باغ، قال الرئيس الأذربيجاني علييف إنه "غير قانوني وحدث مراراً خلال فترة الاحتلال الأرميني لهذه المنطقة"، بحسب تعبيره، مشيراً إلى أن بلاده أبدت اعتراضها على ذلك للجانب الإيراني عبر قنوات مختلفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعد أيام على إعلان اتفاق قره باغ العام الماضي، أصدر النائب الإيراني، أحمد بيغيش، بياناً صارماً طالب فيه بعدم الاعتراف بالممر بين ناخشيفان وأذربيجان، ووفقاً لما تناقلته وسائل إعلام أذربيجانية، دعا بيغيش برلمان بلاده إلى الإعلان رسمياً أن إيران لا تعترف بالتغيير الجغرافي للحدود في المنطقة والممر المقابل.
ولم تخف الأوساط الإيرانية المنتقدة اتفاق إنهاء الحرب قلقها وتحذيرها من أن من شأن الاتفاق أن يُحدث تغييرات خطيرة في فضاء إيران الحدودي، واحتمال قضائه على حدودها مع أرمينيا، بسبب الممر الذي ينص الاتفاق على إنشائه لربط ناخشيفان بأذربيجان، والذي يمر على امتداد حدود إيران في المنطقة.
وسيط محايد
حرصت طهران، في المرحلة الأخيرة خلال حرب قره باغ الثانية، على الظهور في المشهد كوسيط محايد بين أذربيجان وأرمينيا، وعرضت الوساطة في أكثر من مناسبة، إضافة إلى نفيها عبور أسلحة إلى أرمينيا عبر أراضيها، في محاولة للتخلص من الاتهامات التي لازمتها خلال سنوات طويلة من النزاع أنها داعمة ليريفان، فبعد عام 1993، على الرغم من استمرار النزاع الأذربيجاني الأرميني، لم يظهر لطهران عموماً أي تضامن خاص مع باكو، وكانت تميل، بشكل أو بآخر، نحو أرمينيا.
وهناك عوامل عديدة تؤثر في علاقات طهران - باكو، منها تل أبيب وواشنطن، وكذلك الجالية الأرمينية داخل إيران نفسها، مع وجود عوامل متبادلة، بينها قلق إيراني من النزعات الانفصالية للمناطق الأذرية، كما تخشى أذربيجان من التأثير الديني الإيراني في مجتمعها العلماني.
وقد لا يبدو أن باستطاعة إيران وأرمينيا أن تكونا شريكتين. ومع ذلك، يشير الواقع إلى أن علاقات طهران بيريفان تعد أقوى من التي تربطها بدول إسلامية كثيرة مجاورة. والواضح أن الضرورة تسير بالبلدين في اتجاه بعضهما بعضاً، فإيران في حاجة إلى أرمينيا لتوفير معبر بديل للنقل إلى روسيا وأوروبا، وأرمينيا بدورها تواجه انسداداً متواصلاً في طرق التجارة بسبب عدم وجود تواصل مع أذربيجان وتركيا.
ما علاقة إسرائيل؟
وصحيح أن إيران تمتعت بعلاقات قوية مع أرمينيا، لكنها، في المقابل، لم تتمكن من جعل أذربيجان ضمن حلقة نفوذها الإقليمي، على الرغم من خلفيتها الدينية المشتركة معها، كما تربطهما علاقات تاريخية وثقافية عميقة، فالقومية الأذرية في إيران تعد القومية الثانية في التركيبة الاجتماعية بعد القومية الفارسية.
وحافظت أذربيجان على علاقات ودية مع طهران، لأنها اعتمدت على مجالها الجوي وأراضيها لتزويد منطقة الحكم الذاتي في إقليم ناخشيفان التي تقع بين إيران وأرمينيا وتركيا بالبضائع والغاز، لكن إعلان تركيا عن خط أنابيب غاز جديد لتزويد ناخشيفان بالطاقة، يعني خسارة إيران أهميتها الجيوسياسية لأذربيجان، ومتوقع أيضاً أن تتغير ديناميكيات العلاقات الثنائية لصالح باكو، بعد عودة جزء من حدود إيران مع أذربيجان لسيطرة باكو، ما يسهل التواصل بين أذربيجان والأذر الإيرانيين بعد انقطاع لعقود، بعد أن ظل تحت سيطرة أرمينيا حليفة طهران منذ 1994.
يبقى القول، إن اللافت هو التركيز الإيراني على العامل الإسرائيلي في التصريحات المتعلقة بتوقيت مناورات طهران العسكرية على حدود أذربيجان، مع أن التعاون و العلاقات بين باكو وتل أبيب ليست جديدة، حيث كانت باكو عام 2016 ثاني أكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية، والثالثة عام 2017.