مستلقية على ظهرها بجسدها الفاره وحضورها المهيب على الكنبة في بهو فندق الشاطئ قرب النافذة المطلة على البحر في طرابلس الغرب، مستلقية تطالع كتابها في انغماس المدمن.
كل مرة مررت بها في ذاك البهو أجدها على الحال ذاتها، فأختلس النظر إليها ثم أتمعن أغلفة كتبها، والفضول ما لفتني أن اختلاف الأغلفة ومحتواها واحد، صورة أو رسمة للصحراء.
ذات مرة في جلسة كنت فيها طلبت إيرين من صديق لي أن يزودها بكتاب عن جبال أكاكوس، أشبعت فضولي بتعليقها وأنها شغوفة بالقراءة عن الصحراء الليبية.
كانت اليونانية إيرين باباس عام 1975 بالعاصمة الليبية تشارك كممثلة في فيلم "الرسالة"، مما جعلني أختلس النظر إليها، وإضافة إلى بهاء جسدها وروحها التي تشع تواضعاً وبساطة، بخاصة وهي تتمخطر في المدينة القديمة وأزقتها الضيقة بانسياب العصافير الطليقة، وما شدني إليها بطبيعة الحال هو دورها المميز في فيلم "زوربا اليوناني" الذي أخذ عن رواية اليوناني كازنتزاكيس ما قرأت قبل، وكنت حينها تعرفت على مؤلف موسيقى الفيلم وأجريت حواراً معه، وهو الموسيقار المناضل اليوناني الآخر ميكيس ثيودوراكيس.
صديقي الذي أشرت إليه بدا كما سكرتير إيرين بل وحافظ سرها، وبعد زمن باح لي بواقعة مما أباحت له، وأنها شغفت بفنان ليبي من طاقم الفيلم فتحرشت به، لكنه صدها بدعاوى دينية، وقالت إنها عنفته ضاحكة "ستدخل جهنم لأنك ترفض دعوة ملاك من الجنة".
وكانت أشهر علاقتها العاطفية عام 1957 مع الممثل الأميركي مارلون براندو صاحب المواقف النضالية الشهيرة، ولقد كانت صاحبة موقف، ومن هذا جاءت إلى فيلم "الرسالة" ثم ثنت ذاك في دور "مبروكة" بفيلم "أسد الصحراء عمر المختار"، وكلاهما مع المخرج الراحل مصطفى العقاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لقد تميزت بجمالها وجمال أدائها فجمال مواقفها، مهيبة وفخمة وديناميكية، وكانت تجسيداً للجمال اليوناني على شاشة السينما وعلى المسرح، ونجمة عالمية أشعت كامرأة يونانية"، فهكذ مثلاً علقت وزارة الثقافة اليونانية عند إعلان وفاتها صباح الأربعاء الـ 14 من سبتمبر (أيلول) 2022، وكانت الممثلة والمغنية إيرين ولدت باسم إيريني ليليكو في الثالث من سبتمبر عام 1926 بمدينة خيليومودي باليونان.
وقد حصدت خلال مشوارها الفني جوائز عدة، منها جائزة أفضل ممثلة في "مهرجان برلين" عام 1961، ثم "الأسد الذهبي" فى مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2009 عن مجمل مسيرتها الفنية، وقد مثلت في أكثر من 70 فيلماً خلال 50 سنة من مسيرتها المهنية، آخرها كان في سنة 2004، أما خلال الفترة من 1967 إلى 1974 فعاشت في المنفى بين إيطاليا ونيويورك باعتبارها معارضة لسلطة الانقلاب العسكري في بلادها خلال تلك الفترة.
وداع "مبروكة" جاء في خضم توديع شخصيات مميزة مثل جان لوك غودار المخرج الفرنسي ومناصر قضايا الفن والحرية ومنها القضية الفلسطينية، فغورباتشوف وأخيراً إليزابيث الثانية، وهي الشخصيات التي عاشت بين قرنين في ألفيتين، وهي فترة نوعية وحاسمة في تاريخ البشرية.
ولقد كانت هذه المقالة من أثر ما شاهدت من حشد الإمبراطورية التي غربت عنها الشمس لجنازة المرأة الملكة التي قادت أفول الأمبراطورية لـ 70 سنة خلت، وقد جرى المشهد بما يشبه تمثيلاً لـ "مرثية الزوال"، فاستغرق الوقت طولاً وعرضاً ما ذكرني بجنازة الأميرة ديانا التي رسمها سيناريو فيلم "الملكة" كزلزال زلزل الملكة المملكة.
وتذكرت ذلك الفيلم حين غصت الشاشات بحفل تأبين إليزابيت الثانية الذي أحالني إلى جنازة إيرين التي غاصت في ذلك الحشد الإعلامي.
لقد كنت عشت جنازات غاصة مثلما جنازة جمال عبدالناصر، وحضرت عن قرب جنازة الملك حسين، لكن هاتيك الأبهة لا تقدر على تغطية جلال الملك الأعظم الموت.
وعند هكذا وقفة يقول أهلنا "الإنسان على قدر أفعاله، ما من أصغرها توقد نار الحياة".
ومسك ختام اليونانية الفنانة المناضلة إيرين باباس أنها عاشت عصرها كما تحب وكما يجب، ولسان حالها ما كتبت الشاعرة آنا أخماتوفا:
"ومن نوافذ غرفتي كثيراً ما سوف تتغلغل النسمات الشمالية، ومن يدي سوف يأكل الحمام حبات القمح، أما صفحتي غير المنتهية فيدُ الإلهام السمراء، ذات الهدوء والرقة الإلهيين، هي التي سوف، من هنا، من عل تنهيها، فترقد حبيبتي آنا وحيدة الآن كما قلبي من تؤنسه خفقات آنا، التي دستها في الأثير الأزرق، كليمات شعرها، ما غزلته من شعر روحها الكستنائي الطويل التيلة. كثيراً ما نهضت في ليل سجنها كي تنسج، تحوك، تغزل من شعرها الطويل رسائل، تبثها عبر الكوة، لروح شاردة أو تائهة أو وجلة، أو حاصرها التتار في السهوب البعيدة".