أطلقت إحدى النساء العنان لصرخة بأعلى صوتها، في وقت كانت تسيل فيه #الدماء على ذقنها. وما أن فتحت فمها حتى ظهرت فيه نثر صغيرة واضحة تشبه #أسنان سمك القرش، لتكشف للكاميرا عن لثتها. أما الوسم المرفق بالفيديو فكان #أسنان_تركيا #Turkeyteeth.
هذه المرأة التي ظهرت في الفيديو في إحدى عيادات الأسنان في تركيا، كانت في منتصف إجراء تجميلي، يشمل برد الأسنان الطبيعية لتصبح أشبه بأوتاد صغيرة، ووضع تيجان بيضاء لؤلؤية فوقها، لتحصل على ابتسامة خالية من العيوب.
هذه الابتسامة المشرقة ذات اللون الأبيض البراق، حظيت بشعبية كبيرة روج لها نجوم تلفزيون الواقع مثل لوكا بيش وجاك فينشمان من برنامج الواقع "جزيرة الحب" Love Island، ، اللذين أكدا أمام المشاهدين أنهما زارا تركيا لإنجاز جراحات تجميل لأسنانهما. وفيما يشبه منتقدو "لاف آيلاند" بقساوة المسلسل بأسنان "دونكي" Donkey في فيلم "شريك" Shrek، أو بمفاتيح آلة البيانو، أو بـ"روس" بعد تجربته النافرة في تبييض أسنانه في مسلسل "فريندز" Friends، فإن آلافاً من اليافعات واليافعين يتوقون إلى اكتساب تلك الابتسامة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يتشارك أكثر من 20 شخصاً مقاطع فيديو على تطبيق "تيك توك" توصي بزيارة عيادات خارجية تقدم عروض عطلة شاملة، تتضمن رحلة إلى تركيا وإجراء جراحة تجميل مشمولة في سعر الرحلة. لكن الابتسامة لا تكون دائماً مسك الختام. فالحقيقة القاتمة لهذا الاتجاه تتمثل في أن آلاف الأشخاص يعودون إلى المملكة المتحدة بعلاج فاشل، يمكن أن يتسبب لهم بمشكلات صحية تلازمهم مدى الحياة.
وفي هذا الإطار تبين العام الماضي لـ "الجمعية البريطانية لجراحي التجميل" British Association of Aesthetic Plastic Surgeons (BAAPS) أن عدد البريطانيين الذين يتم علاجهم من مضاعفات خطرة بعد إجرائهم جراحة تجميل في الخارج، قد زاد بنسبة 44 في المئة، مع احتمال ارتفاع هذا العدد ونحن نرى وسائل التواصل الاجتماعي تغص بالعيادات التي تروج لصفقات الحزم الخاصة من خلال إحدى حملات التسويق التي تستعين بالمؤثرين الاجتماعيين. ومن بين أكثر العلاجات المرغوبة: "أسنان تركيا" Turkey Teeth ، و"شد المؤخرة البرازيلية" Brazilian Butt Lifts (BBL) وهو علاج جراحي يجعل الردفين أكثر رشاقة واستدارة، وشد البطن، وزرع الشعر.
مولي، امرأة في الـ25 من العمر، وصلت إلى تركيا العام الماضي بعد تحديد موعد لها للحصول على ما اعتقدت أنها طبقات فينير (أو ما تعرف أيضاً بقشور الأسنان الخزفية، وهي قشرة رقيقة يتم تركيبها على مقدم الأسنان لتحسين مظهرها) مما يساعد في الحصول على ابتسامة جميلة. أنفقت الشابة نحو ثلاثة آلاف جنيه استرليني (3630 دولاراً أميركيا) لقاء صفقة شاملة، شملت استشارة عبر تطبيق "واتساب"، وإقامة في فندق فاخر لمدة ثلاثة أيام، ونقلاً من المطار وإليه، ووجبات إفطار، وطاقم أسنان جديد بالكامل. اعتبرت مولي أن السعر عادل، لأن إجراء مشابهاً في مدينة مانشستر البريطانية حيث تعيش، سيكلف أكثر من ضعف المبلغ. يضاف إلى كل ما تقدم، أن بعض أصدقائها نصحوها أيضاً بأن تقدم على التجربة التي اختبروها قبلها.
إلا أن مولي غادرت تركيا بعد ثلاثة أيام بأسنان تقول إنها كانت "كبيرة للغاية" على فمها. ثم أخذت تعاني مصاعب في التكلم. وتضيف الشابة التي شعرت بخيبة أمل بسبب مظهر فمها غير الطبيعي والأشبه "بكتلة إسمنت"، أن لثتها بدأت تتحسس. وعلمت لاحقاً أن أسنانها التي كانت سليمة في السابق قد خسرتها كلها، ولم تحصل على طبقات الفينير الموعودة، بل على 20 تاجاً سميكاً لامعاً، وأن العلاج لا رجعة فيه.
الدكتور سام جيثوا، نائب رئيس "الأكاديمية البريطانية لطب الأسنان التجميلي" The British Academy of Cosmetic Dentistry وطبيب الأسنان التجميلي البارز في عيادة "بيسبوك سمايل" Bespoke Smile في مارلو في مقاطعة باكينغهامشير، أعرب عن اعتقاده بأن المرضى يتعرضون لـ "تشويه" أسنانهم بالكامل في عيادات تركيا. وأبدى قلقاً من استدراج الناس من خلال العروض الشاملة لهذه الصفقات، من دون أن يأخذوا في الاعتبار النتيجة النهائية. وقال إنه شهد حتى الآن، عودة مرضى يعانون مشكلات في الأعصاب، ومن أسنان ميتة، ومن خراجات والتهابات تحتاج إلى جراحة القنوات العصبية.
وأضاف الدكتور جيثوا: "لا يمكن بيع طب الأسنان من خلال العالم الرقمي أو في حزم العطلات. فالإجراء الطبي يتعين أن يشمل التقييم والتشخيص، ومن ثم إيجاد الخيار الأفضل لكل حالة. ففيما يتوجه الفرد إلى تركيا، لا يكون العلاج مصمماً له". ويشير الطبيب إلى أن بعض العيادات تسوق الصفقة على أنها "قشرة فينير للتاج"، لكن هذين علاجين مختلفان تماماً. ففيما أن طبقة الفينير تكون طفيفة التوغل وتحافظ على ميناء أسنان المريض الموجودة سليمة، يمكن أن يستدعي تركيز تيجان حشو ما يصل إلى 70 في المئة من السن الأصلية، قبل وضع خوذات بنحو 360 درجة فوق كل وتد.
وفي عيادة "بيسبوك سمايل" حيث الدكتور جيثوا هو الطبيب الرئيس، تستغرق عملية تركيز قشرة فينير رقيقة للغاية، نحو ثلاثة أسابيع، مقارنة بالأيام الثلاثة التي قضتها مولي في تركيا. وعلى نقيض ذلك، تشتمل عملية استشارة الدكتور جيثوا على القيام بمجموعة تجريبية من الأسنان كي يراها المريض ويكون راضياً عنها. بعد ذلك، يستغرق صنع كل قشرة يدوياً يوماً تقريباً. ويشكك الدكتور جيثوا في "جودة" المواد التي تستخدمها بعض العيادات التركية، إضافة إلى أنه يبدي قلقاً من خطورة العمل الذي يتم إنجازه. وقال في هذا الإطار: "إن أحداً لا يحتاج إلى تركيب 20 سناً على الإطلاق، إلا إذا كان لديه فم يحتاج حقاً إلى إعادة بناء"، مشيراً إلى أن المرضى الذين يريدون إزالة أسنانهم وإعادة بنائها عبر تركيب "أسنان تركيا"، قد يضطرون إلى دفع فاتورة تصل إلى 60 ألف جنيه استرليني.
وتقر مولي بأنها شعرت بالتضليل من جانب العيادة التي زارتها في تركيا. وقالت لي: "كل ما أردت إصلاحه هو تدويرة أسناني، والحصول على ابتسامة جمالية مربعة الشكل"، مشيرة إلى أنها كانت تتمتع بأسنان بيضاء صحية ومستقيمة نسبياً، لا تتطلب إجراء أي إصلاح. وتضيف: "لم أكن أعرف خطورة برد الأسنان. أنت تثق فقط بأطباء الأسنان، ويحدث كل شيء بسرعة كبيرة". وتتابع بتنهد أنها حرمت من فرصة معاينة أسنانها الجديدة قبل المضي قدماً في تركيزها قائلة "إنها مجرد عملية آلية (في العيادة) وليست مصممة شخصياً لك على الإطلاق. إنني الآن، في (سن) الـ25، ولدي هذه الأسنان الكبيرة الممتلئة، التي يتطلب تصحيحها إنفاق ثروة طائلة".
الدكتور جيثوا التقى أخيراً شاباً يبلغ من العمر 21 سنة كان قد خضع لإجراء طبي في أسنانه في تركيا الذي لجأ إلى استخدام العلكة للصق التاجين الأماميين لأسنانه لأنهما كانا يواصلان الانفصال. وقال الاختصاصي في طب الأسنان: "لقد كشف لنا شكل أسنانه تحت التيجان أنه لم يتبق منها إلا نحو ميليمترين إلى ثلاثة ميليمترات. وتبين أنها قد دمرت كلياً بحيث أنه بات يتعين إزالة أسنان المريض واستبدالها بغرسات، الأمر الذي يحتم إعادة بناء لثته (وذلك عندما تفقد اللثة أنسجتها وتحتاج إلى عملية زرع)، مما قد يتطلب فترة تصل إلى 18 شهراً ليستعيد الشاب الشكل "الطبيعي" لفمه مرة أخرى.
يشار إلى أن إجراءات الجراحة التجميلية كشفط الدهون، يجرى تسويقها بنحو مشابه من جانب العيادات التركية على أنها تجارب عطلات مبهرة ذات أسعار مناسبة. وقد شاهد مارك باسيفيكو رئيس "الجمعية البريطانية لجراحي التجميل"، إصابة عدد من البريطانيين العائدين من تركيا بحروق نتيجة الشفط المفرط للدهون، وتجمع ليترات من السوائل حول منطقة البطن بعد خضوعهم لهذا الإجراء، إضافة إلى الجلد الميت من جراء عمليات شد البطن. هذه العلاجات الجراحية الشائعة، شأنها شأن علاج الأسنان، تعد كلفتها أرخص بكثير في تركيا. ويوضح باسيفيكو أن التزام قواعد السلامة الصارمة في المملكة المتحدة هي التي تجعل العلاجات أكثر كلفة مقارنة بالخارج. وحذر من أن "أية جراحة يمكن في الواقع أن تنطوي على مضاعفات، حتى لو كانت في أيد أمينة. لكن إذا كنتم تقصدون مكاناً لا يتبع الإطار التنظيمي المعتمد في بلادكم ومعايير السلامة نفسها، فالمخاطر تكون أكبر بكثير".
في المملكة المتحدة، يخضع تنظيم ممارسات التجميل لإشراف "لجنة جودة الرعاية" Care Quality Commission (CQC)، وهي هيئة عامة تابعة لوزارة الصحة والرعاية الاجتماعية، تتولى مراقبة الخدمات الطبية التي تقدمها العيادات، بدءاً من الجراحات التجميلية، وصولاً إلى خدمات الصحة العقلية. وقد أكد كل من الدكتور جيثوا وباسيفيكو أن هناك بعض أطباء الأسنان وجراحي التجميل الذين يمارسون مهنتهم بامتياز في تركيا، لكن غالباً ما يتعلق الأمر بالعثور على العيادة المناسبة، التي تعطي أولوية لجودة العلاج أكثر منها للتحولات السريعة.
وعندما تحدثت مع كريستيان البالغ من العمر 27 سنة، الذي زار تركيا قبل نحو أربعة أشهر لإجراء شفط للدهون وعملية "شد المؤخرة البرازيلية"، أخبرني أن إجراء البحث أمر بالغ الأهمية عند اختيار العيادة المناسبة. وشأنه شأن مولي، قصد تركيا سعياً وراء الكلفة المعقولة، وبناء أيضاً على توصيات بعض الأصدقاء. ويصف كريستيان تجربته بأنها كانت "غير مؤلمة"، مؤكداً أنه سعيد بالنتيجة. وعندما أتيت على ذكر "أسنان تركيا" ومقاطع الفيديو المروعة التي يتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، أكد لي أن هناك عيادات ممتازة بينما يحاول بعضهم فقط كسب المال بسرعة. وقال لي: "أعلم أنني سأعود (إلى العيادة نفسها) لأن خدماتها كانت جيدة جداً"، وأشار إلى أنه يفكر في الخضوع لعملية شد وجه في المرة المقبلة.
ويتفق كل من الدكتور جيثوا وباسيفيكو على أن التسويق الفعال من جانب المؤثرين الذي يقف وراء صفقات الجراحات التي تجرى في الخارج، يسهم بشكل خطر في تطبيع فكرة الإجراءات التي تهدف إلى القيام "بإصلاحات سريعة". إن المصطلح المعروف بـ "النزعة" Trend، يجعل باسيفيكو يشعر بعدم الارتياح عندما يتعلق الأمر بإجراء جراحة، بحيث يقول إنه "يشعر بتوتر شديد عندما تظهر صرعة ما يمكن تحقيقها من خلال إجراء جراحي" قبل أن يشير إلى اتجاه شائع يتمثل في إزالة دهون الخد، وهي عملية كانت شائعة بين المشاهير في الأشهر الأخيرة، تعيد رسم ملامح الوجه ونحت عظم الوجنتين. ويؤكد مجدداً أن "اتخاذ قرار إجراء جراحة هو قرار لمدى الحياة. فالعمل على تلميع الإجراء الجراحي، وجعله يبدو كأنه عطلة، من شأنه أن يزيل حقيقة المخاطر والمشكلات الداهمة".
وقد أفيد في الـ31 من يناير (كانون الثاني) عن أن رجلاً يبلغ من العمر 81 سنة، يدعى كلايف ورثينغتون، انتحر بعد مكافحته من أجل الحصول على تعويض بسبب عملية أسنان فاشلة تسببت له بالمعاناة. وعلى رغم أن ورثينغتون خضع للجراحة على يد طبيب أسنان مسجل في المملكة المتحدة، إلا أن القصة تشكل تذكيراً بالصلة الوثيقة بين الألم وآثار الصحة العقلية الناجمة عن المضاعفات الجراحية.
وفيما تعمل "مولي" على طلب مشورة مهنية من أطباء الأسنان في المملكة المتحدة حول أفضل خيار لها لإصلاح ابتسامتها، فقد وجدت نفسها تتخبط بقلق مالي وشعور بالندم. وهي تأمل في الحصول على خطة مالية لمساعدتها في سداد النفقات المستحقة. وتنصح الأفراد الذين يفكرون بالسفر إلى الخارج لإجراء عمليات تجميل بالقول: "قوموا بالأبحاث اللازمة في المملكة المتحدة، وفكروا ملياً قبل أن تقرروا السفر. فأنا ما كنت لأقدم على هذه الخطوة، لو كنت أعلم بالآثار الطويلة المدى التي ترتبت علي من جرائها. والآن علي أن أدفع مجدداً المال لمحاولة تصحيح الأمور".
إذا كنت تعاني ضيقاً وعزلة، أو صعوبة في التأقلم مع حالة ما، فإن منظمة "ساماريتانز" Samaritans مستعدة لتقيم الدعم اللازم لك. يمكنك التحدث بثقة مع شخص ما مجاناً عبر الهاتف، من خلال الاتصال بالرقم 116 123 (في المملكة المتحدة وفي جمهورية إيرلندا)، أو إرسال بريد إلكتروني إلى [email protected]، أو زيارة موقع Samaritans للعثور على تفاصيل عن أقرب فرع لك.
© The Independent