ملخص
فشل محاولة "فاغنر" الانقلابية ترك أسئلة كثيرة من دون جواب لكنها أضعفت فلاديمير بوتين كثيراً وتركت مستقبلاً ضبابياً أمام يفغيني بريغوجين
فشلت الثورة الروسية الجديدة، وقد يكون فلاديمير بوتين أضعف بكثير لكنه لم يعزل، أما يفغيني بريغوجين فليس في موسكو لكنه في طريقه إلى مينسك، فيما لا توجد مؤشرات حتى الآن على انهيار خطوط الكرملين العسكرية في أوكرانيا.
عندما استقر الغبار الذي أحدثته الدبابات والسيارات المدرعة أخيراً ظهرت أسئلة لا مفر منها حول ما حدث بالضبط خلال 36 ساعة عاصفة ومذهلة اقتربت فيها دولة لديها مخزون نووي ضخم من الحرب الأهلية.
لم يكن الأمر غير متوقع تماماً من قبل بعضهم، وتبين أن وكالات الاستخبارات الأميركية والغربية بدأت تدرك منذ بضعة أيام أن "مجموعة فاغنر"، جيش المرتزقة التابع لبريغوجين، ستتحرك قريباً، ليس ضد الأوكرانيين ولكن في الاتجاه المعاكس نحو روسيا، والاستعداد لمواجهة مسلحة مع القوات الروسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفقاً لمسؤولين أمنيين غربيين، إضافة إلى إحدى دول البلطيق، أظهرت البيانات من صور الأقمار الاصطناعية نقل أسلحة ثقيلة وإعادة انتشار قوات واعتراض الاتصالات التي أثبتت قيمتها في التنبؤ بغزو بوتين قبل أن يبدأ.
ومن غير المعروف بالضبط متى علمت الأجهزة الأمنية بمؤامرة بريغوجين، لكن مسؤولين في المخابرات الأميركية بدأوا إحاطة أعضاء إدارة بايدن والقيادة العسكرية يوم الأربعاء الماضي، بحسب ما أكد عدد من وسائل الإعلام الأميركية.
كانت هناك محاذير لدى المسؤولين الغربيين إحداها بسبب شخصية بريغوجين، مثل ولعه بالقيام بتصريحات مبالغ فيها ضد مسؤولين في الكرملين ومن ثم التراجع، كما كانت هناك حساسيات عند الأميركيين بسبب تورط بريغوجين السابق في السياسة الأميركية، إذ وجهت هيئة محلفين فيدرالية كبرى لائحة اتهام إلى رئيس "فاغنر" بتهمة نشر معلومات مضللة من خلال "وكالة أبحاث الإنترنت" Internet Research Agency وهي مصنع "تصيد" [مكان يجمع متصيدين عبر الإنترنت يهدفون عبر نشاطهم التخريبي إلى التدخل في الآراء السياسية وصنع القرار] خاص به، لدعم دونالد ترمب خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، كما كانت هناك شكوك حول قدرة رئيس "فاغنر" على تنفيذ عملية عسكرية فعالة حتى نهايتها.
وليس واضحاً عدد المقاتلين الذين كانوا تحت قيادته، إذ زعم بريغوجين أن لديه "25 ألفاً ثم 25 ألفاً آخرين" على استعداد للتضحية بأنفسهم من أجل "إنقاذ روسيا"، لكن عدداً من المحللين يرون أن أعداد قوات "فاغنر" الحقيقية كانت بين 10 آلاف و15ألفاً، وكان حوالى 80 في المئة منهم من المدانين الذين جندوا بموجب مخطط القتال في مقابل إطلاق السراح. هل سيموت هؤلاء الناس حقاً من أجل بريغوجين؟
لكن على رغم كل ذلك أرسلت "فاغنر" قوة كبيرة تتألف من 1000 قطعة بين دبابات وعربات قتال ومدفعية باتجاه موسكو إلى جانب القوات، بحسب موقع الأنباء الروسي "بازا" Baza.
أما باقي القوات فاستبقيت في "روستوف على الدون" [تنسب إلى اسم النهر لعدم خلطها مع مدينة روسية تاريخية بالاسم نفسه قرب موسكو]، وهي مدينة تبعد 60 ميلاً فقط [100 كيلومتر] من الحدود الأوكرانية، وقاعدة قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية لروسيا، وجيش السلاح المشترك الـ 58.
وكان التمسك بهذا المركز الاستراتيجي سيعطي بريغوجين نفوذاً كبيراً، لكن بموجب الاتفاق المعلن عنه والذي توسط فيه رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو، والذي من المقرر أن يشهد انتقال رئيس "فاغنر" إلى المنفى في مينسك، بدأ مقاتلو "فاغنر" في الانسحاب من روستوف بعد صدور عفو من بوتين عن التمرد بموجب الصفقة نفسها، وسوف ينضم معظمهم رسمياً إلى الجيش الروسي.
وأشارت بعض الأوساط إلى أن فرص حدوث انقلاب ناجح كانت سترتفع بشكل كبير لو حصلت حالات فرار كبيرة في صفوف القوات الروسية، ووجود "خلايا نائمة" جاهزة للتفعيل في موسكو وسان بطرسبرغ، لكننا لن نكتشف أبداً لأن بريغوجين ألغى المهمة على بعد 120 ميلاً [200 كيلومتر] من موسكو.
كانت هناك ادعاءات، معظمها على مواقع التواصل الاجتماعي، بأن الطريق إلى موسكو كان سالكاً تماماً، وهي نظرية عززتها صور الحواجز على المداخل المباشرة للعاصمة والسيارات المدرعة داخل المدينة وعمدة موسكو سيرغي سوبيانين الذي طلب من الناس البقاء في المنزل مع إعلانه يوم الإثنين عطلة.
لكن المسؤولين يشيرون إلى أن موسكو لم تكن من دون دفاعات، وكانت قوات "فاغنر" المتجهة إلى موسكو من دون أي دعم جوي ملحوظ ستواجه وحدات قوات المهمات الخاصة، وتلك التابعة لقوة "ألفا" الخاصة بوكالة الأمن الفدرالي الروسي، إضافة إلى الحرس الوطني وقوتها الخاصة بأغراض العمليات المنفصلة، كما أفواج الحرس الرابع والثاني وفرقة البندقية الآلية والفوج الرئاسي.
ما لم تكن هناك حالات فرار واسعة النطاق من القيادات العسكرية الروسية فإن السيناريو الذي يرتسم أمامنا عبارة عن أول معركة في سلسلة من المعارك الكبرى، مع احتمال حدوث أضرار جانبية واسعة النطاق وتفكك أمني، ووفقاً للمسؤولين فقد كانت الترسانة النووية الروسية إحدى العوامل المهمة في الاعتبار الغربي، إذ صدرت تهديدات نووية من الكرملين أثناء حرب أوكرانيا، كما دان الرئيس جو بايدن قرار وضع أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروس ووصفه بأنه "غير مسؤول على الإطلاق".
لكن المسؤولين الأميركيين والبريطانيين يقولون إنهم لم يروا أي تغيير مهم في وضع القوة النووية الروسية، وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إنه "ليس لدينا سبب لتعديل وضعية سلاحنا التقليدي أو النووي، ولدينا قنوات اتصال طويلة الأمد مع روسيا في شأن القضايا النووية".
وساد القلق من مصير ترسانة روسيا النووية في حال اشتعال صراع تشارك فيه جيوش خاصة بقيادة أمثال بريغوجين وأمير الحرب الشيشاني رمضان قديروف، إذ كانا مع زعماء انفصاليين مثل إيغور غيركين (المعروف أيضاً باسم ستريلكوف) من أشد المنتقدين للقيادة الروسية العليا في حرب أوكرانيا، لكن أحد اعتراضاتهم الرئيسة كانت أن روسيا لم تكن عدوانية بما فيه الكفاية في عملياتها، وكان ينظر بخوف شديد إلى احتمال وقوع رؤوس حربية نووية في أيدي مثل هؤلاء.
وتقول مصادر أمنية إن كثيراً مما جرى لا يزال غير واضح مثل وتيرة الأحداث، وتساءل مسؤول: "هل عادت الأمور إلى سابق عهدها؟"، مضيفاً "هل كانت عملية سرية معقدة ومخططاً لها من قبل الروس؟ ولماذا ذهبت فاغنر إلى هذا الحد وتوقفت؟".
وأوضح، "لكن الأميركيين لا يعتقدون أن ما حصل كان تمثيلية مخططاً لها، فلربما كان لدى فاغنر توقعات [بالحصول على دعم]، وربما قُدمت لها وعود لم يوف بها، لكن في نهاية اليوم كان أمامنا وضع فوضوي للغاية مع مشاركة بعض الجهات الفاعلة السيئة للغاية".
وتابع، "نحن بحاجة إلى درس صفقة لوكاشينكو التي أبرمت، لكن ما حدث يظهر تصدعات كبيرة في الأمن الروسي ويجب أن يكونوا قلقين للغاية، لكنني أظن أنهم سيسعون إلى ترويج وإظهار الانتصار على كل ما حصل".
هناك تخوف في الأجهزة الأمنية [الغربية] من أن الكشف عن معرفتها المسبقة بمحاولة الانقلاب من شأنه أن يسمح للكرملين بالادعاء بأن الغرب هو من دبرها، ويعتقدون أن بوتين يعد لهذه السردية، ففي خطابه الطارئ المتلفز بعد سيطرة "فاغنر" على "روستوف"، تحدث عن الحرب الأهلية المريرة التي أعقبت الثورة عام 1917 عندما "كان الروس يقتلون الروس"، وحذر من أن بلاده "تواجه أصعب معركة من أجل مستقبلها، وأن الأمر يتعلق بتاريخ روسيا الممتد لـ 1000 عام".
وكان التلميح يقصد منه القوات البيضاء [خصوم الجيش الأحمر] الرجعية التي هاجمت الحكومة الروسية الجديدة بدعم أجنبي، إذ لطالما سعى الكرملين إلى تصوير أوكرانيا على أنها تابع للغرب في الحرب الحالية، واقترح بعضهم في اليمين السياسي الأميركي بالفعل أن إدارة بايدن ربما لعبت دوراً في مؤامرة "فاغنر". وغردت عضوة الكونغرس الجمهورية الداعمة لترمب، مارجوري تايلور غرين، "بعد أن كانت حكومتنا تمول حرباً بالوكالة في أوكرانيا لأكثر من عام، أتمنى ألا تكون وراء محاولة الانقلاب التي تحدث حالياً في روسيا".
وكانت هناك منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة تتهم وكالة المخابرات المركزية بالتحريض على الانقلاب، وتزعم إحدى نظريات المؤامرة أن جزءاً من الخطأ المحاسبي البالغ 6.2 مليار دولار من قبل البنتاغون في شأن الأسلحة الموردة إلى أوكرانيا والذي كشف عنه أخيراً، استخدم في مهمات سرية.
ولا يزال مجهولاً ما حدث لأصول "فاغنر" الخاصة، إذ أعلن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بعد قيامه بمداهمة ممتلكات مرتبطة ببريغوجين في سان بطرسبرغ العثور على 4 مليارات روبل (48.32 مليون دولار) نقداً في حافلة وسيارتين صغيرتين.
ولم يخف بريغوجين علاقته بالمبلغ، وأكد أن الأموال كانت تعويضات لعائلات مقاتلي "فاغنر" الذين قتلوا، ومما قاله "تعمل فاغنر على مدى الأعوام الـ 10 الماضية باستخدام الأموال النقدية فقط، كما هو متفق عليه في عقودنا"، مضيفاً "أنا ملتزم بالأمر تماماً".
ومع ذلك، فقد جنت "فاغنر" مئات الملايين من الدولارات من انتشارها المسلح في الشرق الأوسط وأفريقيا، من النفط في ليبيا وسوريا إلى الذهب والمعادن الثمينة الأخرى في جمهورية أفريقيا الوسطى وغرب أفريقيا، وتقدر ثروة بريغوجين نفسه بنحو 1.2 مليار دولار.
وأصبح موظفو "فاغنر" السابقون حذرين في شأن ما يقولونه في أعقاب التمرد الفاشل، وعلق فيكتور، وهو مقاتل سابق يعيش الآن في جنوب أوروبا، "لم أفكر أبداً أن بريغوجين سيتحدى بوتين بشكل مباشر، لقد قلت هذا لك من قبل، ولقد كان خطأ كبيراً من جانبه إذا كان هذا هو ما فعله. نحن نراقب ما سيحدث الآن، وحتى أولئك الذين غادروا منّا عليهم توخي الحذر".
من جهته، لفت رومان الذي كان من أوائل مقاتلي "فاغنر" في أوكرانيا عام 2014، إلى كيفية تغير الأزمنة، وقال "لم نجن كثيراً من المال في تلك الأيام لكن الحروب أكسبت فاغنر كثيراً من المال، وبريغوجين ثري للغاية"، لافتاً "نحن لا نعرف حقاً تفاصيل اتفاق السلام هذا مع بوتين، إنه يثير الريبة وهناك كثير من الهراء فيه".
أضاف، "أنا متأكد من أن بريغوجين أخفى أمواله فهو رجل ذكي، لكني أعتقد أن بعضاً منها سينتهي لدى كبار السياسيين الآن، ولا أريد أن أذكر أسماء هؤلاء السياسيين ولا أعتقد أنه سيكون لديه أي خيار في هذا الشأن".
© The Independent