ملخص
قرية صفا الفلسطينية تتصدى لمخطط إسرائيلي يقضي بإنشاء منطقة صناعية على أراضيها.
إخطار بالخط العريض يفيد بضرورة إخلاء المكان وهدمه بحجة البناء من دون ترخيص معلق عند باب حديقة للأطفال في قرية صفا غرب مدينة رام لله، لم يمنع سامر ومهند كراجة (9 سنوات) وأصدقاؤهما من اللعب داخلها لوقت طويل، فهي متنفسهم الوحيد في ظل حصار لا يتوقف على القرية التي تواجه منذ سنوات طويلة مخططاً إسرائيلياً لإنشاء منطقة صناعية على قطعة أرض يمتلكها أكثر من 100 فلسطيني، وتبلغ مساحتها نحو 400 ألف متر مربع، وصودرت عام 1989 وتم إعلانها "أراضي دولة".
ولأن المنطقة المرصودة لتنفيذ المخطط محاذية للطريق الالتفافي الاستيطاني رقم 443 الذي يربط مستوطنة "موديعين" بمدينة القدس، وعند مسافة قريبة جداً من الخط الأخضر (لفظ يطلق على الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية) من الجهة الغربية، تم الاستيلاء عليها كلياً لغايات تقول السلطات الإسرائيلية إنها "أمنية".
وتحظى المناطق الصناعية الإسرائيلية المقامة على أراض مصادرة في الضفة الغربية بامتيازات كبيرة تفوق أقرانها داخل الخط الأخضر من حيث التصدير والضرائب والتسهيلات، مما يدفع كثيراً من الإسرائيليين إلى الاستثمار فيها.
وصادرت إسرائيل منذ عام 1948 ثلثي أراضي القرية (8 ملايين متر مربع)، لإقامة سبع مستوطنات وتشييد الطرق الالتفافية وبناء جدار الضم والتوسع، الذي عزل خلفه أكثر من 4 ملايين متر مربع من أراضيها.
تدمير القرية
يقول ممثل الأهالي في القرية رشاد كراجة "إذا ما نجحت السلطات الإسرائيلية في بناء هذه المنطقة، فذلك يعني أن هناك كارثة بيئية وزراعية وإنسانية ستطاول كل أهالي القرية بلا استثناء، فالمنطقة الصناعية ستكون ملاصقة لمنازل المواطنين، مما قد يجبرهم على ترك بيوتهم". وأضاف لـ"اندبندنت عربية" أن المخطط الهيكلي للقرية لم يتغير منذ عام 1989 بسبب مصادرة الأراضي، ولم يتمكن أحد السكان من البناء أو التوسع مما دفع عديداً منهم للبناء من دون ترخيص".
ووفقاً لدراسية بحثية أعدها مركز أبحاث الأراضي في القدس عن المنطقة الصناعية الجديدة المسماة "مكابيم الصناعية"، فإن إقامة مثل تلك المناطق على أراض زراعية تكرس واقعاً لا يمكن التعاطي معه من الفلسطينيين، إذ يكون لها تأثير سلبي يطاول البيئة الفلسطينية وقطاع الزراعة. وتقول الدراسة إن "السلطات الإسرائيلية لا تراعي المعايير العالمية في التخلص من النفايات أو حتى تدويرها باعتبار أن تلك المناطق تقع خارج حدود دولتها، مما يحولها إلى مناطق منكوبة بيئياً وزراعياً وحتى صحياً".
من جهتها قالت سلطة جودة البيئة الفلسطينية إن السياسة الإسرائيلية في قرية صفا قرب رام الله "تندرج ضمن سياستها الممنهجة في تدمير الغطاء الأرضي والنباتي وتلويث الغلاف الجوي"، وأشارت في بيان إلى أن "المستوطنات تشكل خطراً كبيراً على التربة والتنوع الحيوي الفلسطيني من خلال تجريف الأراضي وشق الطرق الالتفافية والعمل على إزالة المساحات الخضراء وتدمير موائل الحيوانات البرية وخلق حال من الهشاشة البيئية في المنطقة"، وحملت الهيئة الحكومية السلطات الإسرائيلية "المسؤولية القانونية لارتكابها مثل هذه الاعتداءات التي تعد انتهاكاً ممنهجاً وجسيماً للبيئة في فلسطين ضد جميع المبادئ والأعراف والقوانين الدولية الإنسانية والبيئية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بدورهم أكد متخصصون في علم الآثار أن المنطقة المصادرة تحوي آثاراً بيزنطية ورومانية وكنعانية يعود تاريخها لآلاف السنين، محذرين من مخاطر تنفيذ المخطط على أرضي القرية. وقال الباحث في علم الآثار صلاح الهودلي "ما زالت أنقاض الطريق الروماني القديم الذي يربط السهل الساحلي الفلسطيني مع القدس ظاهرة حتى اللحظة، إضافة إلى عدد كبير من الكهوف الطبيعية والمقابر اليونانية والبيزنطية، ومصادرتها لإقامة منطقة صناعية سيؤدي إلى تدمير الكنوز الأثرية".
تطوير مستقبلي
بحسب الخريطة التفصيلية لإنشاء المنطقة الصناعية "مكابيم"، يهدف المخطط إلى تغير نمط استعمال الأراضي هناك من أراض زراعية خاصة مملوكة لمزارعين فلسطينيين إلى أراض خاضعة للنشاط الاستيطاني عبر إقامة مناطق صناعية وتجارية ومواقف للسيارات، وكذلك مبان حكومية وخدماتية تكفل التطور والنهوض للمنطقة الصناعية المرتقبة مستقبلاً.
ويدعي إسرائيليون أن إقامة مثل هذه المناطق الصناعية من شأنه أن يدفع بما يسمى "السلام الاقتصادي"، وأن تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين في الضفة الغربية يسهم في الحفاظ على الاستقرار والهدوء الأمني، بزعم أن هذه المناطق توفر أماكن عمل للفلسطينيين.
ووفقاً لإحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ارتفع عدد العاملين في إسرائيل من 78 ألف عامل بنهاية عام 2010 ليصل إلى 193400 في عام 2022، إضافة إلى 31 ألفاً يعملون في المستوطنات الإسرائيلية، إذ شهدت السنوات الخمس الأخيرة الارتفاع الأكبر والأسرع.
وأظهرت البيانات أن عدد العاطلين من العمل في الضفة الغربية عام 2022 (15 سنة فأكثر) بلغ 128 ألف شخص، وبحسب معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) فإن الزيادة المطردة في أعداد العاملين في إسرائيل والمستوطنات بما فيها المناطق الصناعية يمثل ظاهرة منحرفة في سوق العمل الفلسطيني، إذ يعاني الأخير معدلات بطالة عالية وشحاً في العمالة.
ويرى المدير العام للمعهد رجا الخالدي أن الأرقام الصادمة حول ارتفاع عدد العمال الفلسطينيين في سوق العمل الإسرائيلية ومساهمتهم المتزايدة في توليد الدخل القومي تبين تعاظم التحكم بالقوة العاملة الفلسطينية، وتداعيات ذلك على مسار التنمية. وقال "إذا كان التوجه الفلسطيني العام هو قبول المخطط الإسرائيلي لاستيعاب مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين، فهذا يقتضي إعادة التفكير بجميع السياسات الخاصة بالانفكاك أو حتى مفهوم الاقتصاد الوطني المستقل".
بوابة السامرة
في السياق ذاته كشفت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية أن اللجنة العليا الإسرائيلية للتخطيط تقدمت في يونيو (حزيران) الماضي بطلب لإنشاء المنطقة الصناعية الاستيطانية "بوابة السامرة" على أراضي قرى سنيريا ورافات والزاوية الفلسطينية (شمال الضفة الغربية)، بحيث ستكون أكبر منطقة صناعية بمساحة تبلغ مليوني متر مربع، وبجانب المناطق الصناعية والتجارية ستبنى مبان تعليمية ومكتبية ومجمعات رياضية وترفيهية وسياحية.
وأشارت الحركة في بيان إلى أن "المشروع الاستيطاني على وشك الحصول على دعم مالي هائل على شكل منطقة صناعية من شأنها زيادة الضرائب الداخلة إلى المجلس الإقليمي في السامرة وتعزيز اقتصاده"، وأضافت "بوابة السامرة تشكل خطراً ليس فقط على سكان القرى التي ستنتزع أراضيها، لكن على الجمهور الإسرائيلي والفلسطيني بأكمله، ولا توجد أخبار اقتصادية هنا بل أخبار أخرى عن مشروع الاستيطان، فالحقيقة تتعلق بإنشاء مستوطنة جديدة على شكل منطقة صناعية، لأن المنطقة مشبعة بالمناطق الصناعية، كما أن المخطط سيلحق أضراراً جسيمة بالطبيعة".
مناطق خالية
صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أشارت في وقت سابق إلى أن إقامة وحدات تجارية لمناطق صناعية لا تلفت الأنظار الدولية ولا تستدعي توجيه انتقادات لسياسة الاستيطان، خلافاً لإقامة الوحدات السكنية في المناطق "جيم" من الضفة الغربية، وبينت الصحيفة أن السلطات الإسرائيلية تواصل إقامة مناطق صناعية في مناطق 1967، بما يحمله ذلك من استيلاء على مساحات كبيرة أخرى من الأرض، بحيث إنه يمكن إقامة مبان سكنية سريعة في المناطق الخالية التي سبق وأن أعدت لتكون مناطق صناعية، وألغت بلدية القدس في عام 2018 إقامة منطقتين صناعيتين وحولتهما إلى مستوطنات.
ووفقاً لمدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية خليل التفكجي فإن "إلغاء إقامة مناطق صناعية وتحويلها إلى مناطق سكنية للمستوطنين يعبر عن سياسة الاحتياط الاستراتيجي لعدم البناء التي تتبعها إسرائيل منذ سنوات طويلة لمنع الفلسطينيين من البناء على أراضيهم، فتسيطر عليها تحت بند المناطق الصناعية أو المناطق الخضراء".
ويؤكد الناشط في منظمة "كيرم نفوت" التي تبحث في سياسة إسرائيل بالأراضي الفلسطينية درور أتيكس أنه "يمكن رؤية ذلك بشكل واضح في المنطقة الصناعة في غوش عتصيون، حيث يوجد مساحات لم يبن فيها أي شيء، لكن الدولة تسارع إلى بناء توسيعات بالقرب منها".
ويوجد في الضفة الغربية نحو 25 منطقة صناعية إسرائيلية تضم أكثر من 300 منشأة، تتفاوت من الصناعات الخفيفة حتى البلاستيك والمبيدات وصولاً إلى الصناعات العسكرية، وهناك ما يقارب 29 منشأة لإنتاج مواد كيماوية يتركز معظمها في منطقة "نيتساني شالوم" شمال الضفة الغربية ومجمع بركان الصناعي بالقرب من رام لله. كما بين فحص أجراه المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان (بتسيلم) أن الضفة الغربية تحوي ما لا يقل عن 15 منشأة تعمل في معالجة النفايات التي ينتج معظمها داخل إسرائيل، ستة منها تعمل على معالجة النفايات الخطرة التي تستوجب معالجة وترتيبات خاصة.