Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

علماء المناخ لم يمارسوا التهويل بل قللوا من شأن أزمة المناخ

تحذر منظمة الأمم المتحدة من "تزايد مربك" في وتيرة ارتفاع حرارة الجو ومداه وسرعته في الأرقام التي تواترت إلينا هذا العام. ووسط الاستعدادات لإطلاق قمة "كوب28" في دبي، يقول الكاتب إنه حري بنا أن نتصور عالماً ارتفعت فيه معدلات الحرارة بثلاث درجات مئوية... لأن

زورق يسير في جزء نضبت مياهه من نهر الأمازون في ولاية أمازوناس البرازيلية، على مقربة من ماناكابورو (أ ب)

ملخص

وضع الأزمة المناخية الفعلي أسوأ مما كان يحذر منه العلماء.

بينما يستعد قادة العالم للقاءات الأمم المتحدة السنوية حول تغير المناخ - التي تبدأ يوم الخميس في دبي - أدعوكم لخوض رحلة من وحي الخيال الجوي المناخي، مع بعض المساعدة من نجمة موسيقى البوب تايلور سويفت، وقناة بنما، ومنطقة القطب الجنوبي.

والحال أن سويفت أرغمت أخيراً على إلغاء حفلة غنائية لها في ريو، بعد وفاة امرأة شابة خلال إحدى حفلاتها، حيث شهدت المدينة موجة من القيظ الشديد، وتلاشت ريو تحت وطأة ارتفاع مؤشر الحرارة، الذي يقيس في آن درجات حرارة الجو ومستويات الرطوبة، وعقب وصوله إلى رقم يصعب تحمله هو 58.5 درجة مئوية. وفي الشمال، نضبت مياه نهر الأمازون وبلغ الشح مستويات قياسية، وقد سُجلت هذه الظروف المناخية القصوى بموازاة ارتفاع حرارة الجو عالمياً بمقدار قد يبدو ظاهرياً غير مضر بالبيئة، مع زيادة درجات الحرارة بمقدار 1.2 درجة مئوية عن معدلاتها السابقة للثورة الصناعية.

اقرأ المزيد

وفي سياق موازٍ، تسببت موجة الجفاف بشح قناة بنما، وبانخفاض حركة الشحن إلى حد كبير جراء ذلك. كما وأدت إلى نضوب مياه أنهار كبرى مثل الراين والمسيسيبي، إلى جانب قناة السويس، على خلفية ارتفاع حرارة الجو بما لا يزيد على 1.2 درجة مئوية. وبالكلام عن القطب الجنوبي، أفاد باحثون بأنهم "يهابون" ارتفاع حرارة الجو بواقع 4.8 درجة مئوية عن المعدلات المسجلة على الأمد الطويل، عقب ارتفاع درجات الحرارة عالمياً بمقدار 1.2 درجة مئوية.

واليوم، يقر علماء كثيرون علناً بأنهم يشعرون بالصدمة حيال استجابة الكوكب لارتفاع حجم الانبعاثات. وقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة في هذا الصدد: "سُجلت زيادة مربكة في وتيرة ارتفاع حرارة الجو ومداه وسرعته في الأرقام المسجلة" التي تواترت إلينا هذا العام. ويبدو أن العلماء، الذين اتهمتهم أطراف منكرة للتغير المناخي بإثارة الرعب والتهويل، قد أساؤوا تقدير حجم الأزمة وقللوا من شأنها بدلاً من أن يبالغوا في الإفصاح عن حديتها.

وصحيح أن ارتفاعاً بمقدار 1.2 درجة مئوية قد لا يبدو كثيراً. لكن في حال كان قادراً على تحفيز عوامل مناخية من هذا القبيل، لا ريب في أن نشغل خيالنا ونتصور عالماً ارتفعت فيه حرارة الجو بمقدار ثلاث درجات مئوية، وهي تحديداً الوجهة التي نسلكها اليوم، وفق ما كشفه تقرير الأمم المتحدة الجديد حول سيناريوهات الانبعاثات (ويعرف باسم تقرير فجوة الانبعاثات) Emissions Gap report.

ويؤكد [التقرير المذكور] على أن العهد الذي قطعته البلدان، بإبقاء مستويات ارتفاع الحرارة عالمياً في محيط 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل، يعني أنه عليها أن تعمل على تخفيض حجم الانبعاثات بنسبة 42 في المئة بحلول عام 2030. لكن ذلك، وبكل بساطة، لن يحصل، لا سيما أن بعض الحكومات، ومن بينها حكومة ريشي سوناك، تتصرف بشكل معيب وتتقاعس عن الالتزامات التي كانت قد قطعت وعداً بتنفيذها. وبالتالي، تخطى العالم عتبة الاحترار المرجعية، الواقعة عند زيادة بمقدار 1.5 درجة مئوية، في نحو ثلث أيام العام الحالي.

ويتوقع التقرير أن تؤدي الوتيرة الراهنة [لتزايد الانبعاثات] إلى ارتفاع حرارة الجو بمقدار 3 درجات مئوية. وبالتالي، وإن كانت الفيضانات وموجات الجفاف والحر تعيث خراباً بهذا الحجم جراء ارتفاع بمقدار 1.2 درجة مئوية، فما الذي سيحصل جراء ارتفاع أكبر بكثير في درجات الحرارة؟

قد تكون هذه التصورات القاتمة متعبة. وبالتالي، فلنتنفس الصعداء ونتخيل الجانب المشرق من الأمور. فالحال أن التكنولوجيا النظيفة تتطور على قدم وساق. ومتى توافرت الظروف الملائمة، قد يتسع نطاق استعمالها وتتسارع وتيرته. إلى ذلك، لا تنفك أسعار السيارات الكهربائية تتراجع، وباتت هذه المركبات الآلية قادرة على السير لمسافات أطول مع تحسن البطاريات. كما ويُلحظ استثمار كبير في مجال تخزين الطاقة، حتى أن الطاقة الشمسية أصبحت اليوم الخيار الأدنى كلفة في أماكن كثيرة حول العالم. إلى ذلك، ستكون كلفة إمداد بلاد المهجر بطاقة الرياح مطابقة تقريباً لكلفة توريد الغاز مستقبلاً، لكن من دون أن ترافق ذلك مخاوف مرتبطة بأمن الطاقة.

ومن جهتها، قررت الولايات المتحدة خوض غمار هذه اللعبة بعد ترددها لسنوات، بالنظر إلى أن الرئيس بايدن وقع [أخيراً] اتفاقاً بقيمة 1.2 تريليون دولار لدعم التكنولوجيا النظيفة. وفي هذا السياق، تعهدت الولايات المتحدة والصين معاً بالحد من انبعاثات الميثان، أي غاز الدفيئة المنبعث بمعظمه من الوقود الأحفوري والزراعة. ومن جانبها، نجحت بلدان كبنغلاديش في إنقاذ حياة آلاف الناس، عبر اتخاذها إجراءات للتكيف مع الأعاصير. أما الأهم، فهو أن الانبعاثات العالمية السنوية قد تبلغ سقفاً في السنوات القليلة المقبلة (مع أن الحجم التراكمي للانبعاثات سيواصل ارتفاعه). وبالتالي، لا شك في أن هذه الإنجازات المبهرة قد مهدت السبيل أمام الانتقال إلى اقتصاد يعتمد على الطاقة النظيفة.

بيد أن هذا الدواء، الذي من شأنه أن ينقذ الكوكب، يجب أن يُعطى بجرعات أكبر بكثير، تجنباً لكوارث أكبر وأسوأ. ويشار في هذا السياق إلى أن شركات الأعمال الرائدة والتقدمية التي تشارك في قمة الأمم المتحدة الكبرى للمناخ "كوب28" Cop28 تطالب الحكومات بإصدار إعانات مالية، وقرارات حظر، ومبادرات، وقوانين، وضرائب، ومعايير، وقدرات قيادية من شأنها أن تسمح باستحداث اقتصاد يعتمد على الطاقة النظيفة.

ولا شك في أن قطاع الصناعة يحتاج إلى توجيهات واضحة. إلا أن التقرير حول وضع المبادرات المناخية State of Climate Action report يفيد بأن 41 من أصل 42 مؤشراً مناخياً معتَمداً يسجل مستويات لا تنبئ بتحقيق أهدافها المحددة لعام 2030، ناهيك عن أن ستة من هذه مؤشرات تتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً [لوجهتها المنشودة].

أما الأسوأ، فيتمثل بالفجوة الساحقة وبالتفاوت الكبير بين تعهدات 151 حكومة بالحد من الانبعاثات، وبين العالم الفعلي، حيث تستعد الدول المنتجة للوقود الأحفوري لزيادة إنتاج الفحم الحجري بنسبة 460 في المئة، وتزمع على زيادة إنتاج الغاز بنسبة 83 في المئة، ورفع مستويات إنتاج النفط بنسبة 29 في المئة، وفق تقرير "فجوة الانبعاثات" الصادر عن الأمم المتحدة.

وما لا شك فيه هو أن الأجيال المقبلة لن تسامح المسؤولين على تهور من هذا القبيل. وفي هذا السياق، حذر أنتونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة المصاب بأقصى درجات اليأس والإحباط: "لا بد لقمة "كوب28" أن توجه رسالة واضحة مفادها أن عصر الوقود الأحفوري قد نفد فيه الغاز - وبالتالي، فإن نهايته محتمة". أما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فأقل ما يقال هو أن الألقاب الصادرة بحق عمالقة النفط هي حتماً أقل دبلوماسية.

وبالتالي، كيف سيتفاعل القادة؟ سيقوم محور [القمة] على استعراض عالمي، يكون ممثلو الدول خلاله مجبرين على رؤية الفجوة الكبيرة بين ما هو ضروري للمناخ، وبين ما قامت به [الدول] فعلياً للحد من الانبعاثات. وبعد ذلك، من المفترض أن يسعى القادة جاهدين لسد الفجوات القائمة على صعيدي التمويل ووضع السياسات.

وفي المرحلة التالية، سيدرس [المشاركون] إمكانية إصدار ما أسمته "شبكة التواصل حول المناخ" GSCC "تشكيلة منوعة" من المبادرات الإيجابية (إنما غير الملائمة)، التي تشمل:

التعهد برفع إنتاج الطاقة المتجددة ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030 (ويصب ذلك، في مطلق الأحوال، في مصلحة الدول، بالنظر إلى تدني كلفة الطاقة الشمسية)

إطلاق مبادرة لتنقية قطاع إنتاج الوقود الأحفوري (لدعم الدول المعتمدة على الوقود الأحفوري ومساعدتها على مواصلة أعمال الحفر والتنقيب)

وضع خطة عالمية لتنقية قطاعات إنتاجية تكثر فيها الصعوبات، كقطاع إنتاج الصلب والإسمنت والألمنيوم ووسائل النقل الثقيلة (كونها قطاعات صناعية تنتج تلوثاً أكبر من [ذاك الناتج من] عدد كبير من البلدان).

إطلاق مبادرة لمضاعفة كفاءة الطاقة (علماً بأنها مبادرة حيوية، من المؤسف أن يكون قد تم تهميشها حتى الآن لأنها لا تبدو جاذبة)

إعلان عن دمج الزراعة في الخطط الوطنية للحد من انبعاثات غازات الدفيئة (وهو إعلان تأخر صدوره كثيراً، بالنظر إلى أن الزراعة تدخل في عداد المشكلات البيئية الرئيسة التي تم تجاهلها)

ولا شك في أن نقاطاً أخرى ستشق طريقها إلى مجريات المؤتمر، بما يشمل تمويل الدول الغنية للدول الفقيرة، وحماية المساحات الحرجية والغابات، والتراخيص المثيرة للجدل التي تسمح بمقايضة خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بإجراءات على غرار التشجير.

وماذا عن التعهدات الأخرى؟ في الواقع، تود الدول وقطاعات التصنيع التقدمية التخلص تدريجاً من الوقود الأحفوري - لتحل بالتالي نهاية عصر جلب للبشر ازدهاراً وفيراً (إنما خطيراً). والحال أن الدول المنتجة للنفط وتلك المنتجة للفحم الأحفوري - بما في ذلك الرئيس غير المتوقع لقمة "كوب28"، رجل النفط سلطان أحمد الجابر - تريد أن تخفض تدريجاً إنتاجها للوقود الأحفوري، ضمانةً لاستدامة قطاع إنتاج النفط. وفي هذا الإطار، يقترح البعض إدراج عبارة "ملوث [بالكربون]" في أي قرار. وبالتالي، سيشير [إنتاج] الطاقة الحرارية باستخدام الفحم الحجري غير الملوث بالكربون، مثلاً، إلى أن الفحم يُحرق بالطريقة المعتادة، وبموازاة ذلك، يتم التقاط انبعاثات الكربون وحبسها في صخور مثقبة تعلوها طبقة عازلة للغاز، تكون مصنوعة من الطين مثلاً.

والواقع أن تقنية حبس الكربون فاعلة - وقد كنت شاهداً على ذلك في النرويج ووسط الصحراء الكبرى - لكن الحاجة إلى ضغط ثاني أكسيد الكربون وإلى نقله على مسافات طويلة معناه أن العملية ستكون باهظة الكلفة، وأن المشكلات ستطرأ [بلا أدنى شك]. وفي هذا الإطار، قررت شركتا إنتاج الصلب العملاقتان "بريتيش ستيل" British Steel و"تاتا" Tata للتو التخلي عن هذه التكنولوجيا التي بدت ظاهرياً واعدة جداً.

وبالتالي، ماذا سيحصل إن باءت قمة "كوب28" بالفشل؟ في هذا الصدد، حذرت "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" World Meteorological Organisation الأسبوع الماضي من أن ثاني أكسيد الكربون في الجو يبلغ أعلى مستوياته مقارنةً مع ثلاثة إلى خمسة ملايين عام من الآن. وآنذاك، كانت مستويات البحر أعلى بما يتراوح بين 10 و20 متراً من مستوياتها الراهنة. ومع ارتفاع حرارة الجو بمقدار 3 درجات مئوية، سيظهر خطر كبير ينذر باستدامة انعدام الأمن الغذائي، وبانهيار ألواح الجليد والأنهار الجليدية، وبالزوال التدريجي للمساحات الحرجية والغابات إلى غير رجعة، لتتحول الغابات من "بواليع" تسحب ثاني أكسيد الكربون إلى مصادر لانبعاثه، مع ما يرافق ذلك من تصحر ومن عواصف متكررة. وبعد ذلك، لا بد من توقع حركة نزوح جماعي، يرافقها نقص في المواد الغذائية والمياه.

بمعنى آخر، يجب أن يكرس الموفدون إلى دبي جهودهم للتعاون، وحشد تمويل، والتوصل إلى تسويات، وأن يكرسوا قدرتهم على الابتكار، [وأن يفعلوا كل ما يلزم] لحماية أولادنا من عالم كثير الصعوبات. والحال أن شخصية سياسية من حقبة سابقة، هي مارغريت تاتشر، كانت قد أطلقت تحذيراً هو أشبه بنبوءة في عام 1989، مفاده أن التغير المناخي سيفرض على الدبلوماسية الراهنة تحديات غير مسبوقة. وبالتالي، لو عملنا آنذاك على الحد من الانبعاثات بشكل حاسم، لما كانت تايلر سويفت ستضطر إلى إلغاء حفلتها، ولكان العلماء المتخصصون بالقطب الجنوبي سينامون قريري العين ليلاً.

أما في الوقت الراهن، فتقع المسؤولية على عاتق جيل القادة الحالي. ولو تأجلت الأمور حتى السنة المقبلة، وسط احتمال بأن يعود دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، لا شك في أن اتخاذ القرارات سيزداد صعوبةً.

رودجر هارابين زميل بحوث في كلية سانت كاثرين، في كامبريدج، ومراسل سابق لقناة "بي بي سي"

© The Independent

المزيد من بيئة