Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نأسف للإزعاج" وأخواتها أكثر اللافتات انتشارا في بغداد

اندفاع حكومي بمشاريع فك الاختناقات المرورية واستفهامات لدى الاستشاريين إزاء الحلول العملية للظاهرة

بلغ عدد مشاريع فك الاختناقات المرورية في بغداد 16 مشروعاً (اندبندنت عربية)

ملخص

"نأسف لإزعاجكم"... بغداد مشغولة بأعمال مشاريع فك الاختناقات المرورية

كثيراً ما يتأسف عامة الناس في العراق من انكفاء حركة الإعمار ومساعي تطوير المدن لدرجة أن مغتربة عراقية غادرت البلاد في تسعينيات القرن الماضي تقول إن "شارع بيت أهلي على حاله من دون تبليط كلما زرت بغداد بين فترة وأخرى وصولاً إلى هذا الشتاء".

ترافق هذا الأسف المحلي مع استعادة لعلامة من علامات البناء في الدولة العراقية الحديثة، وهو "مجلس الإعمار العراقي" الذي نشط خلال العهد الملكي بين (1950-1958)، ومن أعماله جسر الجمهورية الحالي (سُمي وقتها جسر الملكة عالية) وجسر الأئمة الرابط بين الكاظمية (الكرخ) والأعظمية (الرصافة).

16 مشروعاً

وأطلقت الحكومة مشروع "فك الاختناقات المرورية في بغداد" العام الماضي ضمن احتفالية خرج فيها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بمجموعة تصريحات، منها "هذه المشاريع لن تذهب مع المشاريع المتلكئة، وهي تحصل للمرة الأولى في بغداد"، ليكون "عام 2023 عام المشاريع الحكومية".

بلغ عدد مشاريع فك الاختناقات 16 مشروعاً، هي الطريق الرابط بين سريع محمد القاسم وطريق كركوك- بغداد، وجسر ربط طريق محمد القاسم بطريق قناة الجيش من جهة الرستمية وتوسعة الشوارع المحاذية ضمن المسار وإنشاء تقاطعين، وآخر على قناة الجيش لربط شارع الداخل باتجاه شارع فلسطين (حي المهندسين)، وجسر ثالث على قناة الجيش لربط منطقة جميلة مع امتداد شارع الجهاد- الباب المعظم، ورابع لربط شارع (77) تقاطع القدس- العبور، وجسر الزعفرانية ومقترباته لربط منطقة الزعفرانية بطريق دورة- يوسفية للمرور السريع، وتطوير تقاطع قرطبة (شارع بور سعيد)، وجسر في تقاطع المصافي وربط جسر الطابقين بالجسر المعلق وإنشاء نفق في تقاطع ساحة أحمد عرابي.

كما تتضمن قائمة المشاريع جسراً لتطوير تقاطع دورة - سيدية على طريق بغداد – حلة، وجسر البنك المركزي الجديد الذي يربط شارع زها حديد من جانب الرصافة بمقتربات ساحة النسور من جانب الكرخ، وتطوير ساحة النسور بإنشاء جسور وأنفاق وجسر فوق السكة باتجاه تقاطع أم الطبول وتوسعة الطرق المحاذية لمسار المشروع، وتطوير ساحتي عدن وصنعاء وتطوير تقاطع الشالجية والطوبجي، وجسر الطلائع وربطه بشارع البيحية (شارع 80) قرب كلية التراث مروراً بمقبرة الشيخ معروف ومطار المثن،. وتطوير تقاطع معسكر الرشيد مع سريع الدورة (مجمع المشن) وجسر الفنون الجميلة (فائق حسن).

كاميرات لحساب الزخم

المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة نبيل الصفار قال لـ"اندبندنت عربية" إن "مشاريع فك الاختناقات المرورية في بغداد كانت من أولويات الحكومة الحالية منذ تسلمها مهماتها التي وردت في البرنامج الحكومي. وقد شرعنا منذ تكليفنا بهذه المشاريع ومنذ بداية عام 2023 في عقد اجتماعات مستمرة مع الأطراف المعنية كافة، من أمانة بغداد ومديرية المرور العامة ودوائر الماء والمجاري والوزارات الأخرى ذات العلاقة مثل وزارات الكهرباء والاتصالات والموارد المائية والنفط وهيئة السياحة وهيئة الآثار وغيرها".

 

 

وتم خلال هذه الفترة، بحسب الصفار، تحديد مواقع المشاريع الـ16، مع الأخذ في الاعتبار أولوية هذه التقاطعات بالنسبة إلى كثرة الازدحامات والتي جاءت وفق دراسات مرورية، فنصبت كاميرات وعدادات في أماكن هذه التقاطعات لحساب الزخم المروري، وتمت مراعاة ضرورة توفير مسارات بديلة.

الصفار أكد أيضاً أن "هناك شركة استشارية عالمية تم التعاقد معها للإشراف على تصاميم هذه الطرق وفق أعلى المواصفات، مع إحالة بعض من هذه المشاريع إلى شركات أجنبية جرى اختيارها وفق تأهيل مسبق لما تمتلكه من خبرات في مجال إنشاء الطرق والجسور، ومنها شركات صينية وأوكرانية وتركية وغيرها.

وبحسب الوزير فإن "بغداد ستشهد تغييراً ملحوظاً في تخفيف الزخم المروري بأماكن هذه التقاطعات بصورة خاصة"، مؤكداً أن موضوع الطرق والنقل هو ضمن استرتيجية حكومية كبرى، إذ لدى الحكومة مشاريع أخرى مثل مترو بغداد والقطار المعلق والطريق الحلقي الرابع وطريق التنمية، وكل هذه المشاريع ستؤدي مستقبلاً إلى القضاء على أزمة الازدحامات المرورية".

ووفق وزارة الإعمار والإسكان، فإن أعلى سقف لتنفيذ مشاريع فك الاختناقات هو 18 شهراً، وعام 2024 سيشهد إنجاز غالبية هذه المشاريع، بدءاً من جسر فائق حسن الذي تم افتتاحه، ومن ثم جسر قرطبة في أبريل (نيسان) المقبل.

لافتات بالعامية العراقية

لا يمكن إنكار وجود حال من الترحيب الشعبي بمثل هذه المشاريع، وسط تساؤلات عن مستوى ما ستخففه من اختناقات مرورية، وصاحب ذلك نصب وزارة الإعمار لافتات تخاطب الناس باللهجة العامية وبنبرة تفاؤلية مطمئنة مثل "باجر توصل لدوامك من وكت" و"راح نخلصك من الازدحام" و"تحملونا شوية"، و"مشوراك راح يصير أسهل"، ومعها اللافتة المألوفة "نأسف لإزعاجكم، نعمل لخدمتكم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن وضع هذه اللافتات في الشوارع وقرب أماكن تنفيذ الجسور يأتي ضمن باب تخفيف التذمر الذي يحصل من حين إلى آخر مع ما أحدثته أعمال الإنشاء من بعض الازدحامات هنا وهناك والتي أثرت فعلياً في حركة السير.

كل هذا يمضي في ظل شعار حكومي مفاده بأن "2024 هو عام الإنجازات"، وواضح أن هناك تركيزاً من الحكومة على إتمام هذه المشاريع التي ربما لن تكتمل جميعها خلال هذه السنة.

جسر فائق حسن

في مطلع هذا العام جرى افتتاح أول هذه المشاريع وهو جسر فائق حسن بمنطقة الوزيرية في احتفال رسمي حضره رئيس الوزراء، وكان لافتاً ما حاولت بثه وزارة الإعمار والإسكان، بالاتفاق مع الشركة المنفذة، في هذا المشروع من مجموعة رمزيات ثقافية وحضارية، بدءاً من تسميته "فائق حسن" الذي هو أحد أهم رواد الحركة الفنية التشكيلية العراقية، إلى نصب تمثال "المرأة السومرية" في الحديقة الواقعة عند بداية الجسر، وفي الخلف منه أبيات للشاعر المصري أحمد شوقي عن بغداد تقول، "دع عنك روما وأثينا وما حوتا/ كل اليواقيت في بغداد والتُوَمِ. دار الشرائع روما كلما ذكرت/ دار السلام لها ألقت يد السلم. ما ضارعتها بياناً عند ملتأم/ ولا حكتها قضاء عند مختصم". وأيضاً وضعت مجسمات بأربع قطع على ذهاب وإياب هذا الجسر مأخوذة من شكل المسلة ببعدها الحضاري، أما جانباه فتم تزيينهما من قبل الفنانة وجدان الماجد التي رسمت معالم بغداد والتنوع الفني والمعماري والآثاري العراقي على الجدران المحيطة بهذا المشروع.

الفنانة وجدان الماجد ذكرت لـ"اندبندنت عربية" أن الهدف من كل ما قامت به هو جمالي اتحد مع الوظيفة المُراد منها ليكون محط انتباه المجتمع. أما بخصوص المواضيع المختارة في الرسم، فتقول "لي تجربة سابقة في رسوم الجداريات التي كان عددها 30 جدارية منها 18 لشخصيات مهمة فنية ومعمارية وأدبية، وكانت محط تساؤل دائماً من قبل المارة في الشارع لعدم معرفتهم بهذه الشخصيات، ما عدا الطبقة المثقفة والمهتمة بالأدب أو الفن، لذا واحتساباً لتقبل المجتمع وتفاعله تناولت في جدارياتي الأخيرة معالم العراق وآثاره، وهذه المواضيع معروفة لجميع الأفراد تقريباً، وفيها حنين ووطنية يمسان كل فرد ليحس بالفخر بأن العراق مليء بالإنجازات والمعالم المهمة ويحمل تاريخاً عريقاً، وفي الوقت نفسه نفذت الرسومات بأسلوب واقعي مفهوم للجميع، وهنا كانت الرسالة بتوافقها مع الجمال والوظيفة".

 

 

في سياق الرأي الشعبي، يقول المواطن أحمد العبيدي، وهو من سكان حي الوزيرية (منطقة جسر فائق حسن)، إن "هذا الجسر أضاف جمالية إلى محيطه لا يمكن التغافل عنها، لكن عُقد الطريق ما زالت حاكمة ولم تعالج أو تؤثر في تدفق السيارات بصورة أساسية، وصحيح أنه استوعب عجلات أكثر سحبت الزخم المروري إليه، لكن التدفق بقي على حاله لدرجة بدا فيها الجسر وقد رفع الزحام عن الأرض بضعة أمتار، بخاصة في ساعات النهار".

ترحيل الازدحام

خارج أسوار الحكومة وبياناتها توجهنا إلى أحد المكاتب الاستشارية الهندسية ليتحدث إلينا متخصص رفض ذكر اسمه، موضحاً أن "أعمال الجسور تنقسم إلى ثلاثة مستويات، جسور موجودة أصلاً في التصميم الأساس لبغداد ولكنها لم تنفذ بسبب نقص الوفرة المالية، وأعمال استحداث جسور وأنفاق في مناطق تقاطعات تشهد زحاماً كبيراً وهي أعمال آنية لا تحل المشكلة لكنها ترحلها إلى تقاطع آخر، وأعمال تهديم جسور قائمة أو أجزاء منها لغرض رفع التقاطع واستمرار انسيابية الحركة وهذا الحل أيضاً يُرحل المشكلة إلى تقاطع آخر".

ولخص لـ"اندبندنت عربية" أسباب الازدحامات في بغداد، وهي كثرة السيارات الخاصة في العاصمة حيث وصل عددها إلى أكثر من 4 ملايين سيارة بعدما كان نصف مليون بحسب إحصاءات مرورية، ووجود الدوائر الحكومية والجامعات في مراكز المدن وكذلك مناطق التسوق، وتوقيتات الدوام وإدارتها بحيث تجعل من أوقات الذروة في بداية الدوام ونهايته سبباً لحدوث الازدحام، وعدم استخدام النقل العام بأنواعه من باصات وسكك قطار والاعتماد على النقل الخاص.

أما الحل العملي برأيه، فيتمحور حول عمل دراسة متكاملة للنقل في بغداد تشمل كل صنوف النقل ودراسة واقع الأماكن العامة مثل الجامعات والدوائر الحكومية والأسواق، وتحديد المشكلات ومشاركة جميع المتخصصين في إيجاد البدائل والحلول التي ربما تكون بكلف أقل وتعطي نتائج ممتازة وسريعة وتحقق الهدف، ومنها الاتفاق مع شركات كبيرة في مجال النقل العام (الباصات والسكك) لإعداد الدراسات وإعطاء الحلول.

وأوضح أنه "لا توجد فائدة عملية من عمل الجسور، عدا تلك الموجودة في المخطط الأساس التي لم تنفذ إلا الآن، لأن المشكلة قائمة وهي عدم توافر وسائط أخرى مثل الباصات والقطارات أمام ما هو موجود من سيارات، وهذا النوع من الجسور جيد لخضوعه لدراسة وكانت إعادة البحث ضرورية لأن هذه المشاريع صممت لعدد سيارات تزايد كثيراً اليوم".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير