Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين تصبح اللغة أقوى سلاح في حروب الاستخبارات

أصبحت إسرائيل وإيران نموذجاً عالمياً في الاهتمام بتعلم اللغتين العبرية والفارسية مع معاركهما المتواصلة

برامج تعليم اللغة أو الثقافة العبرية في إيران عادة ما تكون سرية مخفية  (أ ف ب)

ملخص

افتتحت إسرائيل في المدارس الثانوية برنامجاً خاصاً لتعليم اللغة الفارسية والثقافة الإيرانية، بينما مراكز تعليم اللغة العبرية في إيران سرية للغاية وتحظى بإشراف من أعلى المستويات.

منح تعقيد العلاقات الدولية في العصر الحالي فرصة واسعة لزيادة أنشطة الاستخبارات السرية، حتى باتت اليوم تتجاوز القوة البدنية، بل أصبحت أيضاً أكبر من مجرد "معرفة لغة الخصم"، وعلى رغم أنه تم خلال الفترات الأخيرة التغاضي عن دور اللغة في الأنشطة الاستخباراتية، إلا أنه في الحقيقة عنصر بالغ الأهمية.

في التعريف العادي للغة يمكننا القول إنها الوسيلة الأساسية لنقل المعلومات، إلا أن وظيفة اللغة في الحروب الاستخباراتية لا تقتصر على تسهيل التواصل، بل لها وظائف أعمق من ذلك، وأكثر أهمية، مثل التلاعب والإخفاء وتغيير المعنى، لذلك تقول الدول القوية باستخدام عنصر اللغة بصورة فعالة في أنشطتها الاستخباراتية.

هناك جانب آخر يظهر أهمية اللغة في الحروب الاستخباراتية، وهو الدعاية والحرب النفسية، إذ تستخدم الدولة اللغة لتوجيه شعبها أو شعب الدولة المعادية في اتجاه معين، وجذب رأي عام مختلف، أو للتلاعب بالمعلومات، وببساطة يمكن تنفيذ ذلك من خلال وسائل الإعلام العادية، أو المنصات الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن من ناحية أخرى يمكن أن يكون الخط الدقيق بين المعلومات الصحيحة والبيانات الخاطئة حاسماً في الأنشطة الاستخباراتية، ومع ذلك فإن دور اللغة في عملية جمع المعلومات الاستخباراتية لا يقتصر على التواصل الخارجي.

تحليل المعلومات الاستخباراتية

داخل الدولة تعد اللغة أداة حيوية لحماية المعلومات ومنع التسريبات وإحباط الأنشطة الاستخباراتية للجهات المعادية، كما أن استراتيجية اللغة الاستخباراتية الجيدة توفر دفاعاً فعالاً ضد التهديدات الداخلية والخارجية، وأيضاً يستخدم العنصر اللغوي في عملية تحليل المعلومات الاستخباراتية، فبمجرد جمع المعلومات من المهم تحليلها وتفسيرها على الفور، وهنا يلعب اللغويون دوراً حاسماً في تحليل المستندات وترجمة النصوص واكتشاف الرموز المخفية بين السطور.

إن التحليل السليم للمعلومات يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المهمة، كما أن فهم اللغات والثقافات المختلفة يؤثر بصورة كبيرة في نجاح العمليات الاستخباراتية، فمن الممكن أن يسبب هذا التنوع عدداً من التحديات في عملية جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها. وعلى رغم ذلك، مع اتباع الاستراتيجيات الصحيحة، يمكن تحويل هذا التنوع إلى ميزة، إذ إن استخدام الموارد المحلية مهم لنجاح العمليات الاستخباراتية.

موظفو الاستخبارات واللغات

إن استخدام الموظفين المهرة في اللغة المحلية يمكنهم من فهم لغة وثقافة المنطقة الجغرافية المستهدفة بصورة أفضل ويسهل عملية جمع المعلومات الاستخباراتية، وإضافة إلى ذلك تعد برامج التعليم المستمر وتنمية المواهب مهمة لموظفي الاستخبارات لفهم اللغات والثقافات المختلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولهذا ينبغي تعزيز مهارات الموظفين في هذا المجال باستمرار من خلال برامج مثل دورات اللغة والتدريب الثقافي والدراسات الميدانية.

المصادر المحلية

يمكن أن يجعل التعاون مع المصادر المحلية عملية جمع المعلومات الاستخباراتية أكثر فاعلية وأهمية، إذ تستطيع الشبكات المحلية رفع مستوى تبادل المعلومات وموثوقيتها وتضمن إجراء العمليات الاستخباراتية بدعم محلي، الأمر الذي يسهل العملية.

كما يمكن أيضاً استخدام الدعم التكنولوجي للتغلب على الحواجز اللغوية، لكن نظراً إلى أنها ليست موثوقة تماماً، فلا يمكن الاعتماد عليها إلا كأداة مساعدة.

إيران وإسرائيل نموذجاً

تعمل إسرائيل بدقة في ما يتعلق بإيران واللغة الفارسية، وتتبنى نهجاً مختلفاً تماماً عن التدابير المشار إليها. وبعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 هاجر عديد من اليهود الإيرانيين إلى إسرائيل، وهذا الأمر ساعد تل أبيب على التكيف مع الثقافة الإيرانية واللغة الفارسية، مما أعطاها أفضلية كبيرة في فهم لغة العدو.

وعلى رغم ذلك فإنه مع مرور الوقت ومع انخفاض عدد الذين يتحدثون اللغة الفارسية في إسرائيل ازداد الطلب الإسرائيلي على متقني تلك اللغة، لذلك تطلب هذا الوضع من الأشخاص الذين يعملون في مجال الاستخبارات الحصول على دورات أو البحث عن طرق بديلة لتعلمها.

إلا أن الاستخبارات الإسرائيلية أنتجت حلولاً مختلفة للتغلب على هذا الوضع، كما عملت الحكومة الإسرائيلية على تنظيم برامج للتعليم الفارسي في المدارس الثانوية بهدف اتخاذ الاحتياطات اللازمة ضد الحروب السيبرانية.

ولعل إحدى تلك المدارس الإسرائيلية هي مدرسة "بن غوريون الثانوية" قرب تل أبيب، التي فتحت أبوابها تحت قيادة بيني شميلوفيتش، ضابط الاستخبارات السابق، وتقدم تدريباً على اللغة والثقافة الفارسية لطلاب الصفين الـ11 والـ12 على مدى السنوات الثلاث الماضية، وتهدف هذه البرامج إلى مساعدتهم على التخصص في الشأن الإيراني.

شميلوفيتش أكد أن كثيراً من طلاب الدراسات العليا ممن تعلموا اللغة الفارسية يعملون حالياً في الاستخبارات الإسرائيلية، وسبق أن نشرت تل أبيب وثائق سرية تدعي أنها تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وهذا يعني أن هناك آلاف الملفات في حاجة إلى الترجمة والتحليل والتفسير.

من هنا بدت المعرفة النظرية والعملية باللغة الفارسية مطلوبة لترجمة "الوثائق السرية" المكتوبة بها، لكن يبدو أن إسرائيل تمكنت من التغلب على هذا التحدي، وأحد أسباب نجاحها في هذا الجانب هي الفصول الدراسية التي أنشأتها في مدرسة بن غوريون الثانوية، وهنا يبرز السؤال الأهم، ماذا يجري من الجانب الإيراني في هذا الشأن؟

تعليم العبرية "سراً" بإيران

برامج تعليم اللغة أو الثقافة العبرية في إيران عادة ما تكون سرية مخفية عن الأنظار وغير معروفة، بل إن المؤسسات المسؤولة عنها بصورة عامة لديها هيكل أكثر انغلاقاً، ويخضع لإشراف مكثف من أعلى المستويات. لكن هناك بعض المؤشرات، على رغم أنها نادرة جداً، تشير إلى وجود برامج محددة لتعليم اللغة العبرية داخل المجتمع اليهودي في إيران أو في مراكز مخصصة لذلك.

وعلى رغم صعوبة الوصول إلى معلومات واضحة حول تفاصيل هذه البرامج، فإن وجود جهود لتعلم اللغة العبرية في إيران يمكن اعتباره انعكاساً للحرب الاستخباراتية المتبادلة بين طهران وتل أبيب، ونتيجة لهذا فقد أصبح الدور الحاسم الذي تلعبه اللغة في حروب الاستخبارات معترفاً به على نحو متزايد، فيمكن للدول أن تكتسب التفوق في الأنشطة الاستخباراتية ليس فقط باستخدام القوة البدنية ولكن أيضاً باستخدام اللغة والوسائل الأخرى المشابهة.

في النتيجة يمكننا أن نؤكد ما ذكرناه أعلاه، من أن دور اللغة لا يقتصر على تسهيل التواصل فحسب، بل للعنصر اللغوي وظائف أعمق من ذلك بكثير مثل التلاعب وإخفاء المعلومات، أو تغيير المعنى المقصود بالمعلومة وما إلى ذلك، فيمكن لاستراتيجية اللغة الاستخباراتية الجيدة أن توفر دفاعاً فعالاً ضد التهديدات الداخلية والخارجية ويمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في عملية صنع القرار الاستراتيجي، والمثال الأبرز على ذلك هو برامج تعليم اللغة الفارسية في إسرائيل التي تظهر مدى أهمية معرفة لغة العدو، ولذلك من الضرورة الأساسية للعلاقات الدولية الحديثة أن تفهم الدول قوة اللغة في مجال الذكاء وتطوير الاستراتيجيات الصحيحة لاستخدامها.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذا المقال تخص المؤلف، ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لصحيفة "اندبندنت" التركية.

المزيد من تحلیل