ملخص
خلال الصيف الماضي، وكان قد مر على الحرب أشهر قليلة، أعلنت وزارة الصحة بولاية البحر الأحمر وفاة 13 حالة وإصابة 42 آخرين بضربات الشمس في بورتسودان، وخلال هذا العام قدرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية أن درجة الحرارة التي سجلت خلال هذه الفترة تعد من المعدلات غير الاعتيادية، ومن المتوقع أن تتراوح بين 40 إلى 48 درجة.
في مثل هذا الوقت من كل عام يتغير طقس السودان فترتفع درجة الحرارة حتى تصل إلى ذروتها في أغسطس (آب)، وخلال هذه الفترة ترتفع حرارة الشمس وتبلغ درجاتها القصوى إلى درجة تصهر الوجوه، ومنذ العام الماضي تضاعفت حرارة الصيف على السودانيين مع ظروف الحرب وآلام النزوح وانعدام الكهرباء وازدياد الفاقة.
وبدأت التحذيرات الحكومية في أجزاء من البلاد خصوصاً في ولاية البحر الأحمر التي تعرف بالأجواء الحارة الرطبة، حيث حذرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية من طقس "حار جداً نهاراً" في شرق السودان، بينما تضرب ولاية البحر الأحمر هذه الأيام موجة حر شديدة تتجاوز درجات الحرارة فيها أكثر من 45 درجة، فبعد نهاية الشتاء المعتدل تتحول بورتسودان إلى مناخ لافح، وفي هذا الحر الموسمي يصل الطقس إلى صورة تشق على الأنفس وتضنيها بفعل الرطوبة المتزايدة.
وناشدت لجنة طوارئ البحر الأحمر سكان الولاية عدم التعرض لأشعة الشمس المباشرة تجنباً للإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس، إذ اشتهرت الولاية بوقوع ضحايا ضربات الشمس سنوياً. ويشكو السودانيون انقطاعاً شبه دائم للتيار الكهربائي، فقبل الحرب كان سريان التيار الكهربائي يتم وفق خطة لتوزيع الأحمال، لكن خلال الحرب استهدفت المحطات الحرارية وخرج بعضها من الخدمة.
ملاذ آمن
ومنذ بداية الحرب أصبحت ولاية البحر الأحمر الملاذ الآمن، حيث تستضيف مئات آلاف النازحين الفارين من الحرب المندلعة منذ أكثر من عام بين قوات الجيش وقوات "الدعم السريع" بغرض الإقامة والعمل أو مواصلة الدراسة أو تخليص إجراءات السفر إلى دول أخرى. وتحولت مدينة بورتسودان إلى العاصمة الإدارية البديلة للخرطوم، حيث تدير الحكومة أعمالها من هناك منذ الأشهر الأولى بعد اندلاع الحرب، وفيها الوزارات ورئاسات المنظمات الدولية والشركات وبعض السفارات.
وإضافة إلى بورتسودان فقد تكدست مدن الولاية الرئيسة الأخرى بالنازحين والعابرين إلى خارج البلاد، ففي مدينة كسلا يقيم كثيرون بصورة موقتة في فنادقها ومنازل للإيجار لترتيب أوضاعهم وعبور الحدود بالسفر براً إلى إريتريا، وفي عاصمتها أسمرا يقضون إجراءات تأشيرات السفر إلى السعودية ودول أخرى.
ويقيم النازحون في ولايات السودان الآمنة في أجزاء مستأجرة من منازل السكان وداخل مراكز إيواء بالمدارس والمرافق العامة، في ظروف سيئة مع انعدام الغذاء والماء والعلاج والمساعدات الإنسانية والخدمات الأساس، ويعدون الأكثر عرضة للإصابة بضربات الشمس لعدم توفر البيئة المناسبة لتجنبها، إضافة إلى اكتظاظهم في أماكن سيئة التهوية وعدم إلمامهم بطرق الوقاية.
ارتفاع حاد
في فصل الصيف الماضي، وكان قد مر على الحرب أشهر قليلة، أعلنت وزارة الصحة بولاية البحر الأحمر وفاة 13 حالة وإصابة 42 آخرين بضربات الشمس في بورتسودان، وخلال هذا العام قدرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية في السودان أن درجة الحرارة التي سجلت خلال هذه الفترة تعد من المعدلات غير الاعتيادية، ومن المتوقع أن تتراوح بين 40 و48 درجة.
وربطت تقارير الهيئة هذا الارتفاع بمنخفضات جوية قادمة من الحوض الأفريقي والمحيط الهندي مع تعامد أشعة الشمس على خط الاستواء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستمرت تقارير الأرصاد في عكس حال الطقس، ويلاحظ أنها ماضية نحو ارتفاع متزايد "نتيجة تأثير الكتلة الهوائية الحارة على أجزاء متفرقة من السودان بارتفاع حاد في درجات الحرارة خلال النهار ومائل للحرارة ليلاً، تصاحبها رياح مثيرة للأتربة والغبار".
وأضافت التقارير، "تستمر الحرارة في تسجيل درجات عالية على شرق السودان وخصوصاً ولاية البحر الأحمر".
وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن درجات الحرارة العالمية التي حطمت الأرقام القياسية العام الماضي ستكون أشد عنفاً عام 2024، وقال رئيس مراقبة المناخ في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية عمر بدور إن "هناك احتمالاً كبيراً أن يحطم عام 2024 مرة أخرى الرقم القياسي لعام 2023".
وخلال العام الماضي بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية، إذ شهد النصف الشمالي من الكرة الأرضية موجة قيظ وحرائق غابات، ودقت سلطات صحية في دول عدة بأوروبا وآسيا وأميركا الشمالية ناقوس الخطر، وحضت السكان على شرب المياه والسوائل والاحتماء من الشمس، في توجيهات تشكل تذكيراً جديداً بأخطار الاحترار العالمي.
ويتوقع أن تدخل ولاية البحر الأحمر ضمن موجات الحر البحرية التي تجتاح ما يقارب ثلث المحيطات العالمية، مثلما حدث العام الماضي حين شهدت أكثر من 90 في المئة من المحيطات ظروف موجات حارة.
وخلال العام الحالي يمكن أن تكون موجات الحر البحرية أكثر شدة، مما سيكون له أيضاً "تداعيات سلبية عميقة على النظم البيئية البحرية والشعاب المرجانية".
تأثيرات عدة
وأوضحت الباحثة في "معهد أبحاث طب المناطق الحارة" مها دفع الله أن "التعرض لأشعة الشمس يتسبب في كثير من الأمراض وتأثيرات متعددة الأبعاد، إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أما من ناحية التأثير بصورة مباشرة فضربات الشمس يمكن أن تؤدي إلى خلل في الجهاز العصبي وتؤثر في وظائف المخ وحالات إغماء ولزوجة الدم وزيادة معدلات ضربات القلب وأمراض العيون والتهاب الأذن الوسطى وغيرها".
وأضافت دفع الله أن "من الأمراض التي يسببها ارتفاع درجات الحرارة بصورة غير مباشرة انتقال العدوى وانتشار الحساسيات وظهور الحشرات والبعوض والذباب الناقل للأمراض والعقارب والثعابين، كما تؤثر الحرارة المرتفعة في الأطعمة لصعوبة حفظها، خصوصاً مع انقطاع التيار الكهربائي مما يؤدي إلى حالات التسمم والنزلات المعوية".
من جانبه أورد أخصائي طب المجتمع طارق العركي أن "ضربة الشمس حال طارئة تستدعي الرعاية الطبية الفورية تلافياً لحدوث مضاعفات صحية قد تسبب تلفاً في الأعضاء الحيوية في الجسم والوفاة في بعض الحالات".
وبين العركي أن "ارتفاع درجات الحرارة يسبب حالات عدة منها ضربة الشمس الناتجة من ارتفاع درجة حرارة الجسم، وعادة ما تكون نتيجة التعرض للحرارة لفترات طويلة أو المجهود البدني في درجات حرارة عالية، وهناك أيضاً التقلصات الحرارية وهي تشنجات مؤلمة لا إرادية تحدث عادة خلال الأعمال الشاقة".
وأضاف، "تشبه ضربات الشمس الإجهاد الحراري، ويحدث في المرحلة الأولى من الإصابة بضربة الشمس مع زيادة معدل التعرض المصحوب بنبض سريع، ويحدث بصورة أكبر في المناطق الرطبة، وإذا لم يعالج يتحول إلى الإصابة بضربة الشمس".
أزمة مضاعفة
وذكر الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم بشري حامد أن "ضربة الشمس تحدث نتيجة فقدان الجسم خاصية التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة، لكن ذلك يعتمد أيضاً على المعدلات المعروفة التي يعيش فيها الإنسان ويعتاد عليها، فمثلاً لو كانت الحرارة أكثر من 40 درجة للأشخاص الذين اعتادوا على العيش تحت هذه الدرجة فسيفقد الجسم سوائل كثيرة وكمية الأملاح والمعادن والمواد الغذائية، فيؤدي ذلك إلى ارتفاع درجة حرارة الجسم الذي يصل إلى مرحلة الجفاف، وهي مرحلة خطرة تصاحبها أعراض مثل الشعور بالغثيان والصداع وتسارع ضربات القلب والتشنج خلال مدة من 24 إلى 48 ساعة لو تم تفاديها".
وعدّد الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم وسائل الوقاية من ضربات الشمس، ومنها "عدم بذل مجهود كبير تحت أشعة الشمس المباشرة والمناطق ذات درجة الحرارة العالية، وعدم الخروج في ساعات الظهيرة التي تتعامد فيها أشعة الشمس، كما يجب أن يكون الأطفال وكبار السن في مكان ظليل وبارد مع الإكثار من تناول الماء والسوائل والابتعاد من المناطق سيئة التهوية وتقليل ساعات الأعمال الشاقة خلال النهار، فضلاً عن الوجود في أماكن ذات تهوية جيدة طوال الوقت وارتداء الملابس الفضفاضة وذات الألوان الفاتحة، خصوصاً الأبيض، لأن الألوان الداكنة جاذبة للحرارة، مع عدم تناول الأدوية التي تؤدي إلى جفاف الجسم أو فقدان السوائل مثل أدوية الحساسية والضغط وغيرها".
وأورد أنه "قبل عقود عدة كانت البلديات في السودان تسبق فصل الصيف برش الطرقات بالماء مرات عدة خلال اليوم تبدأ منذ الصباح، أما بورتسودان فيضاعف الأزمة فيها الشعور بارتفاع درجة الرطوبة في المناطق الساحلية مما يؤدي إلى الشعور بالاختناق والحرارة والإحساس بالإرهاق وغيرها من الأعراض".
معاناة صحية
وعن الجانب البيئي ذكر الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم أن "زيادة درجات الحرارة تعود للتحول المناخي، مما أدى إلى ارتفاع الحرارة الحاد أو الأمطار الشديدة والفيضانات والرياح العاصفة والجفاف، وكلها تكون بحالات غير مسبوقة، وتسمى حالات شاذة في المناخ تؤثر في الجسم وعدم قدرته على مواكبة التغيرات".
وتابع، "من العوامل التي تسهم بصورة أساس في ارتفاع درجات الحرارة إزالة الغطاء النباتي وعدم تشجير المدن، فعندما تزرع مليون شجرة في المناطق الحضرية فإنها تسهم في خفض الحرارة إلى أربع درجات في الأقل، وهذا معدل كبير نسبياً يلعب دوراً مهماً ويؤثر إيجاباً في صحة الإنسان، ويسهم في مكافحة هذه الظاهرة".
يذكر أن عدداً من النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني في ولاية البحر الأحمر ظلت تنادي بضرورة تقليل ساعات العمل للعاملين في البحر، وخصوصاً عمال الشحن والتفريغ على الرصيف والمخازن بالميناء البحري في بورتسودان والذين يعرفون باسم "كلات الموانئ"، ويؤدون أعمالاً شاقة من دون ضمانات صحية، وفي ظل المعاناة الصحية التي يمر بها السودان نتيجةً للحرب من ضعف الطاقة الاستيعابية للمستشفيات.