Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترمب في مواجهة المؤسسة العسكرية الأميركية

لماذا ينقلب الشعبويون على قواتهم المسلحة ويضعفون القوة الوطنية

حرس شرف البحرية عند قبر الجندي المجهول، مقبرة أرلينغتون الوطنية، في أرلينغتون، فيرجينيا، أغسطس (آب) 2024 (رويترز)

ملخص

يسعى القادة الشعبويون إلى تقويض القوات المسلحة في بلدانهم من خلال مهاجمة كبار الضباط والعسكريين بهدف تسييس الجيش وتعزيز سلطتهم، مما يؤدي في النهاية إلى إضعاف كفاءة الجيش وثقة الشعب فيه، فضلاً عن تهديد الديمقراطية الوطنية.

وعد الرئيس الأميركي المقبل دونالد ترمب، خلال حملة إعادة انتخابه الناجحة في عام 2024، بتطهير الجيش من الجنرالات "التقدميين" [تيار اليقظة]. بعد وقت قصير من فوزه في نوفمبر (تشرين الثاني)، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن فريقه الانتقالي أعد مسودة أمر تنفيذي لتأسيس ما يسمى بـ"مجلس المحاربين"، الذي يضم كبار الضباط العسكريين المتقاعدين، والمكلف بتحديد الجنرالات والأدميرالات الحاليين الذين يجب فصلهم. في غضون ذلك، وفق تقارير إعلامية أخرى، يعمل فريق ترمب على إعداد قائمة خاصة به بالجنرالات الذين سيعزلون وربما حتى يواجهوا محاكمات عسكرية.

من غير المفاجئ أن تستهدف إدارة ترمب الجيش، فعندما يتولى الشعبويون السلطة في البداية غالباً ما يحاولون استمالة الجيش من خلال تشجيع الجمهور على تبجيل الضباط والجنود، خصوصاً أولئك الذين سقطوا في ساحات المعارك، لكن علاقة الحب هذه مع الجيش عادة ما تكون قصيرة الأمد، لأن الشعبويين لا يستطيعون تحمل وجود مؤسسات قوية ومستقلة قد تمنعهم من فعل ما يحلو لهم. في بلدان مثل المجر والهند وإسرائيل وبولندا وتركيا، انقلب الزعماء الشعبويون في نهاية المطاف على المؤسسة العسكرية، فهاجموا كبار الضباط واتهموهم بأنهم نخب غير كفؤة أو خائنة، وطهروا الجيش ممن اعتبروهم غير مخلصين وعينوا حلفاء سياسيين بدلاً منهم، وسيطروا على الوظائف العسكرية التي كانت تقليدياً مستقلة، وأعادوا تصميم هياكل القيادة العسكرية. وقوضت هجماتهم الخطابية ثقة الشعب في كبار القادة، بينما أدى سعيهم نحو تسييس الجيش إلى تقليل قدرته على مواجهة التهديدات الأمنية الوطنية.

ويجب ألا ينخدع أحد بادعاء فريق ترمب أن هدفه، من خلال إقصاء كبار الضباط، هو تعزيز قوة الجيش الأميركي. في الحقيقة سيكون الغرض هو العكس تماماً، إذ إن إضعاف المؤسسة العسكرية المحترفة هو خطوة يتبعها عدد من القادة الشعبويين أثناء تعزيز سلطتهم. وإذا استخدم ترمب ولايته الثانية، مثلما فعل نظراؤه الشعبويون في أنحاء العالم، لتقويض استقلالية الجيش واحترافيته وتحويله إلى قوة أكثر تسييساً، فإن الديمقراطية الأميركية وقدرة القوات المسلحة الأميركية على خوض الحروب ستتعرضان للضرر.

فنون قتالية

وبغض النظر عن مشاربهم الأيديولوجية، فإن الزعماء الشعبويين يحصلون على الدعم من خلال التوجه المباشر إلى الشعب والادعاء بأنهم يتحدثون باسمه. فهم يضعون "الشعب" النقي أخلاقياً في مواجهة النخب الفاسدة، ويدعون امتلاك معرفة حصرية بمصالح الشعب الحقيقية، واستطراداً لا يعترف الخطاب الشعبوي بالتنوع الحقيقي للمصالح في المجتمع السياسي، ولا بإمكان وجود معارضة وفية. بالنسبة إلى الشعبويين، فإن توجيه الانتقاد لهم أو لأجندتهم يعتبر انتقاداً للشعب نفسه، لذلك يسعى القائد الشعبوي إلى القضاء على جميع المؤسسات التي تتوسط بين إرادة الشعب المفترض وقرارات الحكومة، أو إضعافها أو السيطرة عليها. وتشمل هذه المؤسسات وسائل الإعلام، والمنظمات غير الحكومية، والقضاء وحتى الجيش.

والهجوم الذي يشنه الشعبويون في نهاية المطاف على المؤسسة العسكرية غالباً ما يكون غير متوقع، لأنهم في بداية صعودهم يحاولون استمالة كبار الضباط العسكريين. ففي معظم البلدان، تشكل القوات المسلحة مؤسسات كبيرة ومنظمة بصورة جيدة، تستحوذ على جزء كبير من موازنة الدولة، وتحظى بثقة الشعب، وتتحكم في استخدام القوة على نطاق واسع. وبدلاً من مواجهة هذه المؤسسات القوية في البداية، يبدأ الشعبويون الأذكياء في تعزيز سلطتهم من خلال استهداف المؤسسات غير الحكومية الأكثر هشاشة مثل الصحافة والجامعات والمنظمات غير الحكومية التي تفتقر إلى الموارد المالية الكبيرة والمناصرين الأقوياء، كما أن استمالة كبار الضباط يعتبر مفيداً سياسياً في هذه المرحلة. مع مواجهة الشعبويين معضلة شائكة تتمثل في كيفية استمداد السلطة من الشعب مع ضمان الحفاظ على طاعته، يقدم التمجيد العسكري [تعزيز القيم العسكرية] حلاً لهذه المعضلة. فمن خلال تجميل صورة الجنود والضباط الوطنيين والترويج لهم كنموذج يحتذى به، يسعى الشعبويون إلى خلق أمة من المواطنين الشبيهين بالجنود، مواطنين معبئين لكن مخلصين بصورة مطلقة.

ويعتبر أولئك الذين سقطوا في ساحات المعارك أهدافاً مثالية للدعاية الشعبوية، فهم لن يكون بمقدورهم دحض ادعاءات السياسيين بأنهم خرجوا إلى المعركة بفرح وواجهوا مصيرهم من دون تردد، ولا يمكنهم المجاهرة بأن معاناتهم ربما كانت تضحية بلا معنى. لهذا السبب، يبدأ عدد من القادة الشعبويين حياتهم السياسية بإحياء الاحتفالات بالجيش، وخصوصاً تخليد ذكرى الشهداء، كعنصر أساس في الهوية المدنية للأمة. على سبيل المثال، خلال حملته الانتخابية في عام 2014، أيد حزب "بهاراتيا جاناتا" الذي يتزعمه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مشروع بناء "النصب التذكاري الوطني للحرب" عند بوابة الهند في دلهي، وهو مشروع اقترحه الجيش قبل أكثر من نصف قرن من الزمان. وبمجرد توليه منصب رئيس الوزراء، جعل مودي بناء هذا النصب التذكاري أولوية وطنية.

الهجوم الذي يشنه الشعبويون في نهاية المطاف على المؤسسة العسكرية غالباً ما يكون غير متوقع

 

في عام 2003، أحيا رجب طيب أردوغان، الذي كان آنذاك رئيس وزراء تركيا، مناسبة سنوية باسم "يوم الشهداء وذكرى النصر في معركة جناق قلعة"، للاحتفال بانتصار الإمبراطورية العثمانية على قوات الحلفاء في معركة غاليبولي خلال الحرب العالمية الأولى. تبع صناع الأفلام والتلفزيون التركية خطاه من خلال إنتاج محتوى عن هذا الانتصار، كما رعى أردوغان بناء مركز زوار ومتحف بقيمة 50 مليون دولار في موقع المعركة، افتتح في عام 2012. ومنذ ذلك الحين ازدهرت "جولات شهداء" جناق قلعة [جولات إلى المواقع التي سقط فيها الشهداء] المدعومة من الحكومة، وفي عام 2022، في الذكرى الـ107 للنصر البحري، افتتح أردوغان أطول جسر معلق في العالم، أطلق عليه رسمياً اسم "جسر جناق قلعة 1915"، وقال إنه شيد "لإبقاء ذكرى الشهداء حية".

في بولندا، بعد وصول حزب "القانون والعدالة" الشعبوي إلى السلطة في عام 2015، شجع البولنديين على تمجيد المقاتلين المناهضين للشيوعية الذين قاتلوا الجيش السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية والحكومة البولندية الشيوعية حتى عام 1947. فكرمهم من خلال تخصيص يوم لذكراهم، وسير ذاتية مثالية للغاية ومفرطة في التبجيل، وبنى ضريحاً لتخليد ذكراهم في المقبرة العسكرية الوطنية في وارسو. إضافة إلى ذلك، أدرجت مناهج دراسية جديدة تركز على تقديم هؤلاء الثوار باعتبارهم مصدر إلهام للشباب البولنديين. وفي روسيا، أنشأ الرئيس فلاديمير بوتين طقوساً تدور حول الحرب العالمية الثانية، والمعروفة في روسيا باسم "الحرب الوطنية العظمى". وقرر إحياء يوم الجيش الأحمر وأعاد تسميته بـ"يوم حماة الوطن"، وأعاد الطابع العسكري لاحتفالات يوم النصر السنوية في الساحة الحمراء، التي كانت فقدت هذا الطابع في تسعينيات ما بعد الحرب الباردة. في هذه الفعاليات، كان بوتين يبرز دور المحاربين القدامى كقدوة للمواطنين الروس المعاصرين.

أما في المجر، فتبنى رئيس الوزراء فيكتور أوربان الرموز والخطابات العسكرية. ففي عام 2011، بعد عام من توليه منصبه، أعاد تأسيس حرس الشرف الذي كان يحمي التاج المجري في البرلمان خلال الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي وقت لاحق أنشأ وحدات عسكرية جديدة خاصة للبرلمان والقصر الرئاسي. وفي عهده أيضاً، تبنت المدارس المجرية مناهج تعليمية تركز على الدفاع، تهدف، وفقاً لأحد وزراء دفاعه، إلى منح الشباب المجري "إحساساً بالانتماء في عالم يزداد جفاء وافتقاراً إلى الروابط الشخصية".

سطو مسلح

لكن غزل الشعبويين بالمؤسسة العسكرية غالباً ما يكون قصير الأمد، فالضباط المحترفون ليسوا في الواقع جنوداً يمكن الاعتماد عليهم، لأن ولاءاتهم تكمن في مكان آخر: إما للنظام الدستوري أو للقوات المسلحة ككيان مستقل. وبالتالي، بمجرد إخضاع المؤسسات الأضعف، يسعى الشعبويون غالباً للسيطرة على الجيش إذا أمكنهم ذلك، من خلال طرد المحترفين وترقية الموالين. وإذا فشل هذا النهج من الهجوم، يحاول الشعبويون تقويض مكانة الجيش وشرعيته من خلال شن هجمات سياسية على كبار الضباط، وتصويرهم على أنهم غير أكفاء أو مجرد سياسيين يرتدون الزي العسكري.

مباشرة بعد وصول حزب القانون والعدالة إلى السلطة في بولندا عام 2015، بدأ في إضعاف السلطة القضائية المستقلة جزئياً لكي يسهل على الحكومة البولندية إقالة الضباط العسكريين الذين لا يبدون ولاء كافياً لها. في عام 2023، افتعل وزير الدفاع البولندي فضيحة لتقويض ثقة الجمهور في الجيش، متهماً القوات المسلحة بعدم إبلاغه عن صاروخ كروز روسي ضل طريقه وسقط في الأراضي البولندية. أما في تركيا، فبعد نحو خمس سنوات من انتصاره الانتخابي، سجن نظام أردوغان ودان مئات الضباط المتقاعدين والعاملين، بزعم تخطيطهم للإطاحة بالحكومة. ثم عدل أردوغان عمليات الترقيات العسكرية لإبطاء مسيرة الضباط الذين شعر أنه لا يستطيع الوثوق بهم، وعين حلفاءه في مناصب عليا رئيسة. وكشفت محاولة الانقلاب الفاشل التي أطلقها فصيل من الجيش التركي في عام 2016 عن مدى فاعلية أردوغان في تقليص القوة الهائلة التي كان الجيش التركي يتمتع بها سابقاً. ومنحت محاولة الانقلاب أردوغان ذريعة للسيطرة على التعليم العسكري، وترقيات الضباط الرفيعي المستوى، والنظام القضائي العسكري، والمجلس العسكري الأعلى في تركيا.

في الهند، في عام 2019، أنشأ مودي منصباً جديداً، وهو رئيس أركان الدفاع، ثم عين في هذا المنصب شخصاً قام بترشيحه بنفسه. عندما توفي أول رئيس لأركان دفاع في حادثة تحطم مروحية في عام 2021، أعاد مودي تصميم قواعد التعيين للسماح لمرشحه المفضل، وهو أيضاً موال سياسي، بتولي منصب رئيس أركان الدفاع المتوفى. أما في المجر، فدبر أوربان في عام 2023 عملية تطهير للرتب العسكرية العليا في بلاده، وأقال مئات الضباط بصورة تعسفية لضمان أن يكون خلفاؤهم مدينين له باستمرار حياتهم المهنية. وفي إسرائيل، تجنب رئيس الوزراء الشعبوي بنيامين نتنياهو إلى حد كبير الصدامات العلنية مع قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي، لكن السياسيين المقربين منه هاجموا كبار الضباط بصورة منتظمة، واصفين إياهم بأنهم نخبة تهدف إلى تقويض إرادة الشعب. وشن حلفاؤه حملات ضد ضباط كبار معينين، وقوضوا النظام القضائي العسكري علناً، ودعوا إلى استبدال الجنرالات الذين يرونهم "يساريين" بزملاء أصغر سناً وأكثر قومية، وغالباً أكثر تديناً.

استهداف المؤسسة العسكرية

عندما دخل ترمب المكتب البيضاوي للمرة الأولى في عام 2017، عين عدداً غير مسبوق من الجنرالات المتقاعدين في حكومته، وأطلق عليهم تسمية "جنرالاتي". ومع ذلك، مع تقدم فترة ولاية ترمب الأولى، تدهورت علاقته مع الضباط العسكريين في حكومته عندما لم يظهروا ولاء مطلقاً له، وفي النهاية استقال جميعهم أو أقيلوا. في الوقت نفسه، أصبحت القوة والهيبة والاستقلالية التي يتمتع بها الجيش هدفاً للهجمات، مما جعل كبار الضباط في مرمى الانتقادات. وخلف الكواليس، ورد أن ترمب كان يهاجم الجنرالات ممن هم في الخدمة بأقسى العبارات، إذ أصبح يرى فيهم تجسيداً لما يسمى "الدولة العميقة".

بحلول نهاية ولايته الرئاسية، ظهر ازدراء ترمب للضباط العسكريين في الخدمة إلى العلن. فخلال الاحتجاجات التي اندلعت على مستوى البلاد بعد مقتل جورج فلويد في مايو (أيار) 2020، غضب ترمب عندما رفض الضباط العسكريون إظهار الولاء العلني الكافي له. على سبيل المثال، تصادم مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، مع ترمب عندما اعتذر علناً عن ظهوره في صورة مع الرئيس بعد إخلاء ساحة لافاييت من المتظاهرين. وعلى نحو مماثل، فإن وزير الدفاع مارك إسبر، الذي كان ضابطاً سابقاً، واجه غضب ترمب عندما ناقض مزاعم الرئيس بأنه يمكنه تفعيل قانون الانتفاضة لنشر القوات العسكرية الأميركية في الشوارع.  

في سبتمبر (أيلول) 2020، وفي أوج الحملة الرئاسية، ذكرت مجلة "ذا أتلانتيك" أن ترمب وصف الجنود الأميركيين الذين قتلوا أثناء تأديتهم لواجبهم بأنهم "مغفلون" و"فشلة". وخلال مؤتمر صحافي عقد في ذلك الشهر، هاجم ترمب صراحة قيادة الجيش، وألقى باللوم بصورة مباشرة على فساد كبار القادة في مقتل الجنود في العراق وأفغانستان، وصرح بغضب "أنا لا أقول إن الجيش يحبني، والأرجح أن كبار القادة في البنتاغون لا يحبونني، لأنهم لا يريدون فعل أي شيء سوى خوض الحروب حتى تظل كل تلك الشركات الرائعة التي تصنع القنابل والطائرات... سعيدة"، وألقى باللوم على القيادة العسكرية، واصفاً إياها بأنها مسؤولة عن "خيانة عالمية باردة وقاسية القلب تكررت مرة تلو الأخرى".

مع تقدم ولاية ترمب الأولى، تدهورت علاقته مع الضباط العسكريين في حكومته

 

بعد هزيمة ترمب في الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، عمل مع مؤيديه بصورة أكثر علنية على تشويه سمعة الجيش الأميركي، ومع تحول "النظرية العرقية النقدية" إلى محور اهتمام السياسة اليمينية ألقى الساسة والمحللون المحافظون باللوم مراراً على "يقظة" الجيش [ميل الجيش إلى تيار اليقظة والتقدمية] في إخفاقاته في ساحة المعركة على مدار العقدين الماضيين، وأعطى الانسحاب الكارثي من أفغانستان في أغسطس (آب) 2021 دافعاً جديداً لهذا الخط من الهجوم. وتحولت الاتهامات الموجهة لقيادة الجيش بالإهمال، والادعاءات بأن برامج "التنوع والمساواة والشمول" أضعفت قدراته القتالية وتسببت في أزمة تجنيد، إلى جزء أساس من خطاب الجمهوريين.

في الواقع، أصبح الإدلاء بمثل هذه الادعاءات بمثابة تجربة أداء لشغل دور في مجال الأمن القومي في إدارة ترمب الثانية، على سبيل المثال قدم مايكل والتز، النائب عن ولاية فلوريدا، الذي اختاره ترمب ليكون مستشاره المقبل للأمن القومي، مشروع قانون في عام 2023 لمراجعة برامج "التنوع والإنصاف والشمول" في الجيش وإنهاء تدريس "النظرية العرقية النقدية" في وست بوينت [الأكاديمية العسكرية]. وأعلن مرشح ترمب لمنصب وزير الدفاع بيت هيغسيث، خلال مقابلة بودكاست في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أن "العبارة الأكثر غباء في الجيش على كوكب الأرض هي أن 'قوتنا في تنوعنا'، وأن أي جنرال متورط في أي من أعمال الهراء هذه المتعلقة بـ'اليقظة' والتنوع والمساواة والشمول عليه أن يرحل... هذا هو المعيار الوحيد الذي يهمنا". وخلال حملة عام 2024، كرر ترمب نفسه هذا الخطاب. ففي يونيو (حزيران) الماضي، على سبيل المثال، قال في مقابلة تلفزيونية إن "تيار اليقظة في الجيش" يمثل مشكلة خطرة، مضيفاً أن "الغرض من الجيش [يجب أن يكون] كسب الحروب، وليس الانشغال بقضايا الوعي واليقظة".

لقد ألحقت هذه الهجمات ضرراً حقيقياً بالجيش الأميركي، ووفق عدد من الاستطلاعات الوطنية، فإن ثقة الأميركيين في القوات المسلحة، التي كانت مرتفعة ذات يوم، انخفضت بصورة كبيرة. في يوليو (تموز) 2023، أفاد استطلاع رأي أجرته مؤسسة "غالوب" بأن 60 في المئة فقط من المشاركين قالوا إنهم يثقون "بدرجة كبيرة" أو "كبيرة جداً" في الجيش، مقارنة بـ74 في المئة في عام 2018. وكان الانخفاض ملاحظاً بصورة خاصة بين أولئك الذين يعرفون عن نفسهم بأنهم جمهوريون: ففي حين أعرب 90 في المئة عن ثقتهم بالجيش في عام 2018، انخفضت النسبة إلى 68 في المئة فحسب في عام 2023. إذاً قد تكون إدارة ترمب المقبلة محقة في اعتقادها بأن قاعدة ناخبيها لن تعترض على فصل كبار الضباط الذين يعتبرون يساريين وغير أكفاء مهنياً. وإذا نجح ترمب وأنصاره في تصوير كبار الضباط العسكريين الأميركيين على أنهم مجرد مجموعة من الناشطين السياسيين غير المنتخبين وغير الخاضعين للمساءلة، فإن فريق ترمب لديه مبرر في التعامل معهم مثلما يفعل مع أي معينين سياسيين آخرين، فيبقي عليهم في مناصبهم ما دام أنهم مفيدون ومخلصون ويطردهم عندما لا يكونون كذلك.

إساءة شعبية

الواقع أن تبجيل المؤسسة العسكرية، كما يفعل الشعبويون في البداية، وتقويض استقلالية الجيش واحترافيته يحملان كلفة باهظة. وأظهرت بحوثي الخاصة، المستندة إلى استطلاعات أجريتها مع زملاء في فرنسا وإسرائيل والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بين عامي 2018 و2021، أن المشاركين الذين رأوا في الجنود أنهم وطنيون ومواطنون صالحون، سواء استناداً إلى قناعات سابقة أو بسبب التأثر بتحفيز تجريبي حثهم على تبني هذا الرأي، كانوا أكثر ميلاً إلى دعم العمليات العسكرية المحتملة. وأظهر هذا البحث أيضاً أن تبني المعتقدات المثالية حول الجنود جعل الناس أكثر ميلاً إلى الاعتقاد بأن الجنود متحمسون للانتشار في الميدان، مما يقلل بدوره من ميلهم لمعارضة عملية عسكرية. وعلى النقيض من ذلك، عندما يعتقد الناس أن الجنود انضموا إلى المؤسسة العسكرية لأسباب خارجية، مثل إغراءات الأجور والمزايا، يصبحون أقل ميلاً للموافقة على إرسال أولئك الجنود إلى مناطق الخطر.

ومن الجدير بالذكر أن رفع مكانة الجنود إلى مرتبة مثالية يشكل خطراً عليهم، لأنه يجعل من السهل على السياسيين إقناع الشعب بالموافقة على عمليات الانتشار. وهذا التبجيل لا يقدم أية فائدة في المقابل، لأنه لا يحفز الدعم الشعبي لمزايا أكثر سخاء في مقابل الخدمة العسكرية. وهو أمر سيئ بالنسبة إلى الديمقراطية، لأنه يعطي المدنيين حوافز لإظهار التبعية لأولئك الذين يرتدون الزي العسكري.

اقرأ المزيد

ومع ذلك، إذا كان مدح الشعبويين المفرط يعرض الجنود للخطر، فإن تشهيرهم بالضباط الكبار لاحقاً يشكل خطراً مماثلاً. فهجمات الزعماء الشعبويين تقوض الثقة العامة في القوات المسلحة مما قد يضر بجهود التجنيد والحفاظ على الجنود، إذ تفقد الخدمة في الجيش هيبتها. إذا اقتنع المجندون المحتملون بأن قادة الجيش فاسدون أو نخبويون، فإنهم يصبحون أقل رغبة في وضع حياتهم بين أيدي مثل هؤلاء القادة. وعلى رغم صعوبة الحصول على بيانات دقيقة عما يحفز التجنيد، فإن هنغاريا والولايات المتحدة واجهتا نقصاً كبيراً في تحقيق أهداف التجنيد في السنوات الأخيرة، وكذلك بولندا، على رغم انتشار الخوف من روسيا الانتقامية. ووفقاً لوثيقة تابعة للجيش التركي سربت في عام 2022، كان الجيش "يجد صعوبة في العثور على لواء مدرع / ميكانيكي جاهز للقتال يمكن إرساله إلى المعركة"، بسبب نقص القوات. في هذه التحديات، بالنظر إلى تعدد العوامل التي يمكن أن تؤثر في التجنيد، لا يمكن إلقاء اللوم بصورة قاطعة على هجمات الشعبويين على المؤسسة العسكرية المهنية، ولكن من المرجح جداً أن تكون أسهمت في المشكلة.

والأسوأ من ذلك أن الجهود التي بذلها الشعبويون أخيراً لتقويض احترافية قواتهم المسلحة واستقلاليتها، وتنصيب الموالين لهم، وإخضاع الجيش لإرادتهم بصورة عامة، أضعفت الفاعلية العسكرية من خلال حرمان الضباط المؤهلين من الترقيات وطردهم من المؤسسة العسكرية. فالتطهير الذي تعرض له الجيش في تركيا بعد انقلاب 2016 على سبيل المثال أفرغ قيادة الجيش من الضباط، إذ أصبح من الصعب على الأكثر كفاءة بينهم نيل ترقية في الرتب، مما قد يدفعهم إلى الاستقالة بدافع الإحباط. واليوم، لا يزال سلاح الجو التركي يعاني نقصاً في الطيارين، واضطر الجيش إلى تعيين جنرالات يفتقرون إلى التعليم والخبرة المطلوبين تقليدياً لضباط الأركان.

وأخيراً عندما يتعرض الجيش للتسييس، يكون لدى الضباط حوافز قوية لعدم تقديم نصائح صريحة للمدنيين، مما يفقر النقاشات العامة حول الشؤون العسكرية. وفي الديمقراطية، كما قال إليوت كوهين، يجب أن تكون العلاقات المدنية العسكرية "حواراً غير متكافئ" تسود فيه تفضيلات المدنيين وأحكامهم وقراراتهم. ولكن يجب أن يكون هناك حوار، وإلا فإن اختيار استخدام القوة العسكرية سيكون غير مستنير وربما كارثياً. في الهند عام 2022، على سبيل المثال، على رغم التقارير التي تشير إلى تحفظ قادة الخدمة العسكرية، إلا أنهم دعموا علناً مراجعة حكومة مودي لسياسة القوى العاملة، التي قصرت فترات الخدمة الأولية وقيدت معظم الجنود بفترة خدمة واحدة. بل ورد حتى أنه جرى إسكات عدد من المحاربين القدامى الذين اعتقدوا أن الخطة قد تعرض الفاعلية في ساحة المعركة للخطر وتعزز عسكرة المجتمع الهندي. وفي الوقت نفسه، ظلت القوات المسلحة الهندية صامتة بينما لم تتحقق الوعود بتحديث الجيش، وتراجعت القدرات التكنولوجية للجيش الهندي بصورة كبيرة فتخلفت كثيراً عن الصين، خصمها الإقليمي.

حرب جدية لا ألعاب سياسية

الواقع أن التاريخ الحديث لهذه الدول يمثل درساً تحذيرياً للولايات المتحدة، وهي تتجه نحو إدارة ثانية لترمب من المحتمل أن تكون أقل تقييداً. وللتوضيح يمتلك ترمب الحق القانوني في إقالة كبار الضباط العسكريين الذين فقد الثقة بهم، ويتعين على السلك العسكري أن يطيع أوامر الرئيس القانونية، حتى لو اعتبرها الضباط غير حكيمة. في الحقيقة يمكن تفهم بعض غضب ترمب، خلال ولايته الأولى، بسبب التقارير التي تفيد بأن المسؤولين المدنيين والضباط العسكريين "تعمدوا تأخير تنفيذ" أوامره، فوظيفة الجيش هي مساعدة الرئيس على اتخاذ قرارات مستنيرة. ويمكن للضباط أن يحاولوا بحماسة إقناع الرئيس بوجهة نظرهم، لكن لا يمكنهم ببساطة استبدال حكمهم الشخصي بقرارات الرئيس، حتى لو كانوا يعتقدون أن سياسته غير صائبة.

لكن حقيقة أن تطهير الرئيس للقوات المسلحة سيكون قانونياً لا يعني أنه سيكون أقل فظاعة، فتحويل الجيش الأميركي المحترف إلى قوة محسوبيات ومحاباة، مقيدة بالولاء للرئيس واختبارات أيديولوجية حاسمة بدلاً من الولاء للدستور والمؤسسة، لن يجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً أو ديمقراطيتها أقوى. إن الهجمات الشعبوية والحزبية المستمرة على كبار القادة لن تحل أزمة التجنيد في الجيش، بل قد تؤدي إلى تفاقمها. والتدخل المدني الأكبر في نظام القضاء العسكري من شأنه أن يقوض الانضباط الذي يدعم فاعلية الجيش في ساحة المعركة، وقد يؤدي تسييس الترقيات والتعيينات إلى تدهور جودة ضباط الجيش ونوعية نصائحهم لصانعي السياسات المدنيين.

إذا كان ترمب مهتماً حقاً بتحقيق الفوز حتى نكتفي من الانتصارات، فعليه أن يترك مهنية الجيش الأميركي واستقلاليته في أداء وظائفه الأساسية من دون تدخل. ولكن إذا علّمنا تاريخ الزعامة الشعبوية شيئاً، فهو أنه لن يفعل ذلك، الأمر الذي سيضر بالعلاقات المدنية العسكرية الديمقراطية وبالأمن القومي للولايات المتحدة.

 

مترجم عن "فورين أفيرز" 10 يناير (كانون الثاني)، 2025

رونالد ر. كريبس أستاذ بارز في جامعة ماكنايت وأستاذ في العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا.

المزيد من آراء