ملخص
الذكاء الاصطناعي سيف ذو حدين، فمن جهة يستخدم في مكافحة التغير المناخي ومن جهة أخرى يفاقم انبعاثات الكربون
في غمرة الضجة حول كشف حكومة المملكة المتحدة النقاب عن خطة عمل خاصة بالاستفادة من الفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، والتي تتضمن 50 توصية ترمي إلى تعزيز مكانة بريطانيا كقوة عظمى جديدة في هذا المجال، كان التركيز على ثلاثة محاور رئيسة، ألا وهي: إنشاء "مناطق نمو" للذكاء الاصطناعي [لتطوير هذه التكنولوجيا والمشاريع والمنشآت والشركات المرتبطة بها] في المملكة المتحدة، والتوسع الهائل في قدرة الحوسبة المملوكة للحكومة في الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الكمبيوتر العملاق الجديد؛ وإنشاء مجلس الطاقة للذكاء الاصطناعي.
ولكن في خضم هذه الحماسة المحيطة بالقدرات الكبيرة للذكاء الاصطناعي على إرساء تحولات جذرية في النمو الوطني والإنتاجية في البلاد، والتي أصاب رئيس وزرائنا [كير ستارمر] في التشديد عليها، لم تنل العقبات [التي تحول دون تحقيق استفادة كاملة من الذكاء الاصطناعي بشكل مستدام] الاهتمام اللازم والكافي. وعلى وجه الخصوص: الكميات الضخمة من الطاقة الكهربائية التي تستهلكها هذه التكنولوجيا بنهم شديد، وكيف في الوقت عينه يمكن أن تتماشى هذه الحقيقة مع الأهداف التي تعهدنا بها والمتفق عليها عالمياً لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة.
في الواقع، لم نرسم خريطة طريق تشرح السبل إلى تطوير [واستخدام] تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بالتوازي مع الأهداف الطموحة جداً التي تعهد بها وزير الطاقة البريطاني إد ميليباند لتحقيق صافي الصفر من الانبعاثات الكربونية. هل يتسبب الذكاء الاصطناعي حتى في تسريع وتيرة تغير المناخ؟
للإنصاف، تتمثل المهمة التي حددها مجلس الطاقة البريطاني الجديد في الآتي. من دون الوصول إلى طاقة منخفضة الكلفة وموثوقة، لن تختار شركات الذكاء الاصطناعي المملكة المتحدة وجهة للاستثمار في هذا المجال. ومع ذلك، النقطة التي يُغفل عنها دائماً وسط الحماسة للذكاء الاصطناعي هي الكميات المهولة من الطاقة الكهربائية التي تمتصها هذه التكنولوجيا. على سبيل المثال، ذكرت إحدى الأوراق الأكاديمية أن تدريب نموذج لغوي كبير large language model [قادر على معالجة وتحليل كميات ضخمة من البيانات اللغوية لاستخلاص المعلومات واستخدامها في مهام متعددة مثل "شات جي بي تي"] من شأنه أن يطلق انبعاثات كربونية تعادل كمية الانبعاثات التي تنتجها مدينة نيويورك في شهر واحد.
الجانب الذي يجب أن نوليه اهتماماً أوسع وأعمق [على نطاق شامل] هو ما تستهلكه إلى حد كبير هذه التكنولوجيا "النهمة" من الطاقة، والتعامل مع هذه المسألة سيترك تأثيراً جذرياً كبيراً. وهل العالم عموماً جاهز لمواجهة هذا التحدي؟ الأكيد أن المملكة المتحدة ليست جاهزة بعد.
وتبدو وتيرة نمو قطاع الذكاء الاصطناعي سريعة جداً إلى حد أنه يتعذر علينا وضع مقياس عالمي لاستهلاكه المتوقع للطاقة ومدى تسارعه. ومرد القلق إلى أن هذا الاستهلاك المتزايد للطاقة سيتجاوز عتبة [ناتج] الطاقة الخضراء، ما يفاقم الضغط على مصادر الطاقة الحالية المتوافرة لدينا. المؤكد أن الطلب على الطاقة سيرتفع جداً، ولكن تأثير ذلك على انبعاثات الكربون ما زال غير معلوم.
وفق توقعات "الشبكة الوطنية"، الهيئة المسؤولة عن إدارة وتوزيع الكهرباء في المملكة المتحدة، فإن الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات التجارية ربما يصل إلى 6 في المئة من إجمالي استهلاك الكهرباء في بريطانيا بحلول عام 2030، مقارنة بحوالي 1 في المئة حالياً. عموماً، يتطلب استخدام النماذج اللغوية الكبيرة (اختصاراً LLMs) خوادم قوية في مراكز البيانات، ما يستدعي تزويدها بالطاقة وتبريدها بشكل مستمر.
وكانت "وكالة الطاقة الدولية" حذرت العام الماضي من أن "النمو السريع في حجم النماذج الذكية والطلب المتزايد على الحوسبة مجتمعين ربما يتفوقان على أي تقدم في تحسين كفاءة استخدام الطاقة، ما يقود إلى زيادة صافية في إجمالي استخدام الطاقة المرتبط بالذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة".
ولكن التغيير قادم: أحد الأمثلة، أن الاتحاد الأوروبي على وشك إقرار قوانين تلزم جميع مراكز البيانات، باستثناء الأصغر منها، الكشف علناً ورسمياً عن كمية الطاقة التي تستهلكها. ولكن التركيز المنسق على استهلاك الطاقة الناتج من الذكاء الاصطناعي يشكل الطريقة الوحيدة الكفيلة بفهم التحديات التي تطرحها انبعاثات غازات الدفيئة.
لذا، النبأ الجيد أن المجلس المعني بالطاقة الخاصة بالذكاء الاصطناعي والذي يترأسه وزيرا العلوم والطاقة، يركز عمله بالتعاون مع شركات الطاقة على "فهم حاجات الطاقة والتحديات التي تطرحها هذه التكنولوجيا". والهدف توجيه الدعم نحو رسالة الحكومة لتصبح قوة عظمى في مجال الطاقة النظيفة، وذلك بشكل رئيس من طريق تطوير "مفاعلات نووية ذات وحدات صغيرة". "أمازون" و"غوغل" و"مايكروسوفت"، أعلنت جميعها عن توظيفها استثمارات في توفير مصادر طاقة نووية خاصة بها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهنا تكمن المشكلة الملحة التي تواجهها المملكة المتحدة: سيمر عقد من الزمن قبل أن تنجح في تشغيل أي "مفاعلات نووية ذات وحدات صغيرة". ونظراً إلى التاريخ الطويل من المعارضات التي واجهت بها المجتمعات المحلية استخدام الطاقة النووية في المساحات القريبة من منازلهم، سيتطلب تنفيذ هذه المشاريع إرادة قوية وعزيمة. وقد التزمت أربع شركات تكنولوجيا أميركية كبرى باستثمار 6.3 مليار دولار (5.1 مليار جنيه استرليني) في مراكز البيانات البريطانية.
والآن، يتعين على الحكومة البريطانية أن تفي بالتزاماتها، متغلبة على المعارضة القوية من الأطراف المختلفة ومتجنبة التوجه نحو تبني مشروعات بنى تحتية لم تحقق النجاح في الماضي. ولما كانت الحكومة قد بدأت بالفعل مراجعة جديدة تستغرق ستة أشهر، إضافة إلى الاقتراح الخاص بالذكاء الاصطناعي الذي جرى طرحه الاثنين الماضي، أجدني ما زلت متشائماً. في الواقع، النقص في قدرة الشبكة الكهربائية سيتهدد بالخطر طموحات المملكة المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي وأهدافها في التحول إلى الطاقة المتجددة النظيفة.
وفي هذه الأثناء، ستتقدم دول أخرى علينا. الشرق الأوسط يملك الوسائل والإرادة والسيطرة. تعكف دولة الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، على بناء مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية إلى جانب مراكز بيانات عملاقة في الصحاري. كذلك تعكف على تطوير نماذج لغوية كبيرة ممولة من حكومة البلاد. كانت البداية مع نموذج "فالكون" Falcon، والآن "جيس"Jais [تيمناً باسم أعلى قمة في دولة الإمارات وتقع بإمارة رأس الخيمة] عبر [مركز الذكاء الاصطناعي "إنسبشن" التابع لمجموعة] "جي 42".
حتى الآن، لا بينة بائنة لا لى أن التركيز المتزايد على ابتكارات الذكاء الاصطناعي، المدعومة بمليارات الدولارات من الاستثمارات، يتواكب مع القدر نفسه من الحماسة في إنشاء الطاقة الخضراء اللازمة لدعم هذا النمو في الذكاء الاصطناعي.
ولكن هذا الواقع لا يعني أن جهود توفير الطاقة الخضراء [وخفض الانبعاثات] تلقى الإهمال والتجاهل. تعهدت أكبر الشركات السحابية بتحقيق صافي الصفر من الانبعاثات الكربونية وهي تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة للحد من هذه الانبعاثات. وبالفعل تستعين شركة "ديب مايند" البريطانية [التابعة لغوغل] بالتعلم الآلي لتقليص تكاليف تبريد مركز بيانات "غوغل" [حيث الكثير من الخوادم] بنسبة مذهلة بلغت 40 في المئة.
يتجه المستقبل نحو الذكاء الاصطناعي الذي يعمل كـ"وكيل" مستقل يتخذ قراراته الخاصة ويؤدي مهامه لتحقيق أهداف معينة دونما تدخل بشري [وهو أكثر تطوراً من الأنظمة التي تعتمد على التعليمات أو الأوامر المباشرة]، ولكن تأثيره في تغير المناخ لا يزال غير معروف.
© The Independent