Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غضب في شمال إسرائيل وأصوات تحذر من العودة إلى "الوحل اللبناني"

على مدار أقل من 24 ساعة شهدت إسرائيل تناقضات متتالية في المواقف حول المدة الزمنية لإبقاء قواتها في 5 نقاط استراتيجية

آثار تركها الجنود الإسرائيليون على منزل مدمر في قرية كفركلا الجنوبية في لبنان (أ ف ب)

ملخص

مرغليوت والمطلة وزرعيت وكريات شمونة وغيرها، بلدات معظمها لا تزال في حال دمار وغير قابلة للسكن، ورغم الاجتماعات والاحتجاجات لضمان تحويل الميزانيات للبلدات ومباشرة إعادة بناء هذه البلدات بعد الحرب، فإن الميزانية بمجملها هي فتات الميزانيات.

كان متوقعاً أن يكون المشهد الأبرز في شمال إسرائيل، أمس الثلاثاء، بعد انسحاب الجيش من لبنان والبقاء في خمسة مواقع عسكرية، ذروة أعمال البناء وتحضير المؤسسات التعليمية وعودة الآلاف، على الأقل، إلى بعض البلدات التي يمكن السكن فيها في الشمال، بل إن وزارة الداخلية اختارت هذا اليوم للانتخابات البلدية ومنحت عطلة رسمية لجميع السكان، وهم بمعظمهم لا يزالون نازحين، لحثهم على الوصول إلى بلداتهم، لكن شيئاً لم يغير واقع هذه البلدات التي لا تزال يُطلق على بعض منها "مدن الأشباح".

الدمار هائل، ومشاريع إعادة التأهيل خجولة، سواء للمنازل والمباني المدمرة أو المؤسسات التعليمية والاجتماعية ومجمل البنى التحتية، والميزانيات التي خصصتها وزارة المالية لكل بلدة لا تسد تكاليف ربع الاحتياجات، وفق ما أكد إيتان دافيدي رئيس بلدية مرغليوت المحاذية للحدود الشمالية، والتي يرفض سكانها العودة.

أمس، وُصف بيوم "الغضب" في شمال إسرائيل، وقد شهد حملة احتجاجات واسعة، إذ عد رؤساء البلدات والمنتدى الذي يشمل جميع الرؤساء أن وصف المسؤولين الإسرائيليين للمواقع الخمسة التي بقي فيها الجيش في جنوب لبنان بالمنطقة العازلة مراوغة، جاءت لتتناسب مع مطلب إقامة منطقة عازلة تبدأ من الحدود بعمق أمتار قليلة في لبنان، ويُمنع دخول أي شخص إليها.

هذا الحديث جاء رداً على حديث وزير الخارجية يسرائيل كاتس، صباح أمس، الذي أعلن فيه أن إسرائيل ستبقى في منطقة عازلة في خمسة مواقع في لبنان على طول الحدود، بما يضمن مراقبة الحدود والبلدات وضمان الأمن لإسرائيل. وفي محاولة لطمأنة الإسرائيليين بأن اليد الإسرائيلية لا تزال هي العليا، أكد كاتس أن الجيش سيواصل عملياته ونشاطاته لمنع تعزيز قدرات "حزب الله" وعودة عناصره إلى بلدات الجنوب اللبناني وتشكيل خطر على إسرائيل.

استفزاز لسكان الشمال

شكل هذا الحديث استفزازاً لسكان الشمال الذين صعدوا مطلبهم بإقامة منطقة عازلة تمنع عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل حرب "طوفان الأقصى". وقال إيتان دافيدي إنه كان الأجدر بالوزير أن يأتي إلى بلدات الشمال، "يأتي هنا إلى مرغليوت ليرى إذا كان يمكن العودة إلى هنا، ليس فقط بسبب وضعية البلدة، إنما وضعية الحدود التي لا تزال كما هي"، وأضاف "ليحضر إلينا الوزير وقائد منطقة الشمال والمسؤولون ويشرحوا للسكان أي مكونات أمن بلورتها إسرائيل في لبنان لتضمن لنا عودة آمنة في الأول من الشهر المقبل، كما أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حتى عائلتي رافضة العودة إلى هنا".

 

وعدَّ دافيدي أن البقاء في خمسة مواقع عسكرية أمر شكلي ليس إلا ولن يضمن الأمن، بل على العكس من شأنه أن يزيد التوتر، وبرأيه "كما رأينا منذ صباح الثلاثاء، عند عودة سكان بلدات الجنوب، نرى الوضع على حاله، ومعظم السكان من مؤيدي (حزب الله)، وكل من كان يطل علينا من الجنوب ويسكن في مناطق تكشف بلدات الشمال سيعود إلى بيته، وسيعود يراقبنا ويهدد حياتنا بالخطر. إسرائيل فشلت في لبنان وفشلت في ضمان أمننا".

بلدات غير قابلة للسكن

يوافق دافيدي رؤساء بلدات آخرين على أنه "من دون منطقة عازلة حقيقية على طول الحدود لن نحقق الأمن، وبقاء الجيش في المواقع الخمسة قرار لم تتخذه إسرائيل بتفاهم، لا مع دولة لبنان ولا (حزب الله)، وهذا سيتركنا في حال أمنية غير مستقرة وخطرة"، وأضاف "الجيش يقول إنه يستعد لاحتمال احتكاكات والرد على بقاء الجيش في المواقع الخمسة بنوع من الاستفزازات وتصعيد للوضع، وهذا ما نحذر منه، وهذا ما نراه أمام أعيننا، لأن القرار خطأ من كل جوانبه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرغليوت والمطلة وزرعيت وكريات شمونة وغيرها، بلدات معظمها لا تزال في حال دمار وغير قابلة للسكن، ورغم الاجتماعات والاحتجاجات لضمان تحويل الميزانيات للبلدات ومباشرة إعادة بناء هذه البلدات بعد الحرب، فإن الميزانية بمجملها هي فتات الميزانيات.

المبلغ الذي تم تخصيصه لإعادة بناء البيوت في كل منطقة الشمال يبلغ مليوني شيكل، أي أقل من 600 ألف دولار، بينما حاجتها للترميم وإعادة بنائها تتطلب أضعاف هذا المبلغ. "إنه مبلغ لا يكفي لبناء بيت"، قال دافيدي، "ماذا سنفعل بمثل هذه الميزانية التي لا تكفي لتصليح 10 في المئة من الحاجة؟".

رئيس بلدية مرغليوت، كغيره من رؤساء البلدات في الشمال، قرر عدم استخدام الميزانية التي وصلته من ميزانية الشمال، وأعلن أنه لن يبدأ، لا في إعادة بناء البيوت المدمرة، ولا في إصلاح المتضررة منها، ولا في أي خطوة أخرى طالما أن الميزانية لم تتغير. "لسنا ساذجين ولسنا أغبياء، وعلى الحكومة أن تفهم ذلك. قدمنا مطالبنا للمسؤولين، وهم يدركون تماماً هذه المطالب كما يدركون احتياجاتنا".

وبعد استعراض هذا الوضع، عاد واستدرك دافيدي قائلاً "بكل الأحوال، عدم العودة غير مرتبط بمطالبنا لإعادة بناء الشمال فحسب، إنما بمطالبنا لإعادة أمن الشمال وضمانه، وهذا لا يتحقق إلا بمنطقة عازلة".

 

عودة إلى الوحل اللبناني

في إسرائيل، هناك من يرى أن إبقاء جندي إسرائيلي واحد في لبنان هو خطأ، رغم عد آخرين، حتى من المعارضة الإسرائيلية، أن قرار المستوى السياسي بانسحاب الجيش من لبنان والإبقاء فقط على القواعد الخمس قرار خطأ، وفق ما قال رئيس حزب "المعسكر الوطني" بيني غانتس، الذي حمل الحكومة والجيش اللبناني المسؤولية، ودعا إلى تعزيز بقاء الجيش الإسرائيلي في لبنان مع تكثيف هجماته وعملياته ضد "حزب الله".

والأصوات التي حذرت من بقاء الجيش عدت أن خطوة المواقع الخمسة قد تكون بداية ستعيد إسرائيل إلى الوحل اللبناني.

الخبير العسكري آفي أشكنازي يرى أن إبقاء القواعد العسكرية الخمس في لبنان سيجعل كثيراً من الأمهات والآباء في إسرائيل يبكون أبناءهم، ويقول إن قرار البقاء خطأ ويعيد إسرائيل إلى الوحل اللبناني بعد 25 عاماً من التخلص منه وانسحابها عام 2000.

إسرائيل كانت قد أقامت بعد حرب لبنان الأولى عام 1982 حزامين أمنيين، لكنهما لم يساعدا في ضمان أمن إسرائيل وسكانها، ويقول أشكنازي "بعد فترة قصيرة من إقامة الحزام الأمني الأول لحماية بلدات الشمال، تحول إلى مصيدة لموت الجنود الإسرائيليين الذين وجدوا في منطقة الحزام، واليوم الوضع لا يختلف، وإسرائيل تكرر الخطأ في ظل إخفاقات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث يحاول الجيش استعادة الثقة وخلق شعور بالأمن بين السكان".

التناقضات والمعضلة الأميركية

على مدار أقل من 24 ساعة، شهدت إسرائيل تناقضات متتالية في المواقف حول المدة الزمنية للمواقع العسكرية الخمسة. فبعد نشر خارطة هذه المواقع والتصريحات بأن وجود الجيش ليس محدداً بفترة زمنية وربما يمتد لفترة طويلة، ارتفعت أيضاً مطالب بتوسيع هذه المواقع وإبقاء عدد كبير من الجنود فيها، وأكد مسؤول في الجيش أنه لا حديث الآن عن انسحاب، وأن الجيش سيبقى لفترة طويلة.

كان هذا بعد ظهر الإثنين، عشية انسحاب الجيش، لكن الموقف سرعان ما تغير صباح الثلاثاء، وبدأ الحديث عن إبقاء المواقع لمدة أسابيع وربما أشهر قليلة، ليتضح لاحقاً أن إسرائيل تعرضت لضغوطات كبيرة من واشنطن لعدم البقاء في لبنان لفترة طويلة. وإذا لم ينفذ الجيش اللبناني المطلوب منه بالانتشار في كل لبنان وتنفيذ الاتفاق بتقويض قدرات "حزب الله" ومنع إعادة تسلحه أو اقترابه من الحدود ونهر الليطاني، فسيكون البديل قوة دولية في لبنان وليس الجيش اللبناني.

من جهته، يقول الخبير في الشؤون الأمنية أماتسيا برعام، إنه في حال طلب الأميركيون انسحاباً كاملاً للجيش الإسرائيلي من لبنان، فهذه مشكلة كبيرة، لأنه لن يكون هناك ضمان أمني حقيقي لسكان الشمال.

ويضيف برعام، أن الوضع الحالي يضع الولايات المتحدة أمام معضلة كبيرة، فإذا لم يتمكن الجيش اللبناني من تنفيذ مهامه وبقي الجيش الإسرائيلي، فهذا من شأنه أن يزيد الضغط على الحكومة اللبنانية من جانب "حزب الله"، ومن ثم تتزايد التوترات في المنطقة، وأي قرار تتخذه الإدارة الأميركية سيكون له ثمن، سواء على لبنان أو على إسرائيل.

من جهة أخرى، يقول برعام إن إبقاء الجيش الإسرائيلي من شأنه أيضاً أن يؤدي إلى زعزعة استقرار الحكومة اللبنانية، وفي كلتا الحالين، من المتوقع أن يؤدي أي قرار تتخذه الولايات المتحدة إلى إضعاف جانب من ميزان القوى الإقليمي.

المزيد من تقارير