Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصيام يجمع اللبنانيين... والأسواق أيضا

يستمر الرهان على الفرق الرقابية لكبح الاحتكار وضمان استقرار الأسعار

تشهد الأسواق اللبنانية حركة استثنائية مع بدء موسم الصوم (اندبندنت عربية)

ملخص

للمرة الأولى منذ أعوام يلتقي موسم الصيام لدى الطوائف الإسلامية والمسيحية في لبنان، تزامناً مع حركة تجارية نشطة في الأسواق مما انعكس على أسعار السلع الأساسية، فيما يطمئن المعنيون إلى أن الأيام المقبلة ستحمل تراجعاً في الأسعار.

ليس من قبيل المصادفة أن تشهد الأسواق اللبنانية زحمة استثنائية، ففي هذا العام يصادف قدوم شهر رمضان مع بدء الصوم الكبير لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويمين الشرقي والغربي. وتعد أسواق مدينة طرابلس بفعل تنوع نسيجها الاجتماعي خير شاهد على الإقبال الشديد على متاجر بيع الأدوات المنزلية، وأسواق الخضراوات، ومحلات الحلويات.

فتح موسم الصوم الباب واسعاً أمام تحريك النشاط الاقتصادي الذي كان يعاني ركوداً في لبنان، ودفعة لأصحاب المصالح التجارية للاستمرار والصمود، إلا أن ما يجري بنظر كثيرين لا يعدو كونه "فورة عابرة" لا يمكن البناء عليها من دون البدء بالإجراءات الإصلاحية، وتحسين الأجور، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين. في المقابل، تبرز الشكوى ككل عام من "احتكار" و"مناورات احتيالية" تمارسها أقلية من التجار بغرض الاستفادة من ارتفاع الطلب على السلع وغياب الرقابة.

"هم الطبخة"

في داخل سوق العطارين تنتقل السيدة رحاب من بسطة إلى بسطة تسأل عن أسعار الخضراوات الأساسية لإعداد طبق السلطة، واللحوم من أجل إعداد الطبق الرئيس، واللبن من أجل الفتة، فهي بالنسبة إليها "أمر ضروري للحفاظ على قوى الجسم طوال 13 ساعة صياماً".

لاحظت الربة لأسرة مؤلفة من خمسة أشخاص ارتفاعاً ملحوظاً بأسعار الخضراوات والفاكهة، وهو "ما يدفعها لشراء كمية أقل، ولا ضير في ذلك لعدم فساد الخضراوات في حال بقيت لليوم الثاني".

يخوض الزبائن النقاش المعتاد حول الأسعار، فيؤكد صاحب المتجر أن "الأسعار غالية من المصدر". وعلى حد قوله "اشتريت صندوق الزعتر الأخضر بمليون و200 ألف ليرة لبنانية (13.5 دولار)، وفي حال فسدت ربطة واحدة، واضطررت لرميها فإن الصندوق سيخسر".

 

 

بحسب دراسة أجرتها الدولية للمعلومات، فإن كلفة طبق الفتوش لشهر رمضان الجاري ارتفع ليصبح 286 ألف ليرة لبنانية (3.2 دولار) للأسرة، و57 ألف ليرة (0.64 دولار) للفرد واحد.

من جهته لفت أمين سر نقابة تجار المواشي في لبنان ماجد عيد إلى "ارتفاع كبير في أسعار الأبقار الحية في دول المنشأ لا سيما في أوروبا، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم في لبنان إلى ما بين 14 و15 دولاراً أميركياً للكيلوغرام الواحد".

الخضراوات مشترك

يجتمع اللبنانيون على أهمية الخضراوات في أطباقهم اليومية أثناء فترة الصيام، فبالنسبة إلى الطوائف المسلمة هو حاجة وضرورة من أجل تزويد الجسم بالماء والغذاء بالفيتامينات والمعادن. وبالنسبة إلى الطوائف المسيحية، فإن الخضراوات في صلب "المأكولات القاطع".

يشير حسين الرفاعي عضو مجلس نقابة سوق الخضراوات في حديث لـ"اندبندنت عربية" إلى "زيادة في الأسعار نظراً إلى الإقبال الملحوظ على الخضراوات، إضافة إلى تضرر الإنتاج بالعوامل الطبيعية، وموجة البرد القطبية التي ضربت لبنان والمنطقة"، مضيفاً "من الطبيعي أن ترتفع الأسعار في الأيام الأولى من شهر رمضان، لأن الناس تقبل على شرائها بكثرة"، وطال الارتفاع البقدونس، فتضاعف ثمن القفص إلى نحو 560 ألف ليرة لبنانية (6.2 دولار) ومن المتوقع انخفاضه بدءاً من الغد إلى 200 ألف ليرة لبنانية (2.24 دولار)، كما ارتفع سعر الفجل بسبب انخفاض الإنتاج وتراجع زراعته.

ولا تزال البطاطا تحافظ على استقرار نسبي في الأسعار لأنها من جهة تستورد من مصر، ومن جهة أخرى تشكل أساس المائدة، فيما تراجعت أسعار البصل إلى 25 ألف ليرة (0.26 دولار) للكيلو الواحد، ويتراوح سعر البندورة المستوردة من سوريا بين 40-60 ألف ليرة لبناني (0.45 و0.67 دولار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما تشهدت السوق طلباً على الليمون والجزر نظراً إلى انتشار بسطات العصائر في كل زاوية من الزوايا، فارتفع سعر الليمون إلى 60 ألفاً (0.67 دولار) بعدما كان 20 ألفاً (0.22 دولار) بسبب تراجع الكمية المعروضة، ومصادفة الطلب مع نهاية الموسم، فيما يشهد بعض الأصناف إقبالاً بسبب الصوم لدى الطوائف المسيحية مثل "الأبو شوشة"، والخضراوات التي تعد بديلاً عن البروتين.

يتطرق الرفاعي إلى إشكالية الاستيراد من الخارج، قائلاً "لا مشكلة في استيراد الخضراوات عند الحاجة كما هو حاصل حالياً، ولكن من المرفوض إغراق السوق عندما يبدأ موسم الحصاد في لبنان في أواخر مارس (آذار) الجاري، وهو ما يفتح الباب أمام المضاربة"، ومن ثم وجوب الالتزام بالرزنامة الزراعية لحماية الإنتاج المحلي، وتنظيم السوق وهو أمر غير متوافر حالياً.

ويعتقد أن "الإقبال على الخضراوات لا يعني أن الناس تعيش البحبوحة، وإنما بسبب حاجتهم الضرورية للطعام، ومن ثم لا بد من رصد الحركة في أماكن أخرى، حيث تشهد الأسواق ركوداً بسبب تآكل المداخيل".

من جهته، يقر إبراهيم ترشيشي رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع بـ"ارتفاع محدود للسلع مع بدء موسم الصوم وازدياد الطلب، علماً أن ثمة إسهاماً للعوامل في ذلك وموجات الصقيع، ووصول الثلج إلى الساحل، وهو ما أدى إلى تضرر المزروعات والبيوت البلاستيكية، لأن النبتة لا تثمر في أثناء البرد"، نافياً "تحكم التجار بالأسعار".

ويأمل ترشيشي أن يشهد الإنتاج الزراعي تحسناً مع قرب ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الإقبال مما يسهم في تدني الأسعار بانتظام، منبهاً إلى شكوى المزارعين من التطرف المناخي وانخفاض كميات مياه الري، وتحديداً "في منطقة البقاع حيث بلغت الهطولات في العام الحالي قرابة 200 ملم، أما عام 2024 فقد تجاوز 600 ملم، وهذا مثار وجع للمزارعين، وزيادة الأكلاف بمستوى الثلاثة أضعاف بفعل ارتفاع كلفة الري، حيث يضطر المزارع إلى البدء بالري في الأول من مارس، بينما كان يتأخر ذلك إلى مايو (أيار)".

نهوض ظرفي

يشهد النشاط الاقتصادي انتعاشاً ملحوظاً في معرض بدء موسم الصوم. كما شكلت مناسبة لإطلاق عديد من المصالح التي يأتي في مقدمها "بسطات الزينة"، و"أكشاش العصائر والحلويات العربية".

يتحدث حسان عن تجربته الخاصة، فقد كان يعمل سائق تاكسي، إلا أن المردود الضئيل، وتجنب الزحمة، دفعاه إلى افتتاح محل صغير لبيع السلع الأكثر طلباً في موسم الصوم. ويروي أنه "في كل يوم، ينزل بالصباح الباكر إلى مدينة طرابلس، يحضر علب القطايف المخبوزة طازجة، إضافة إلى صناديق الليمون والجزر، وعصائر التوت والخروب"، جازماً "تحقيق دخل جيد يساعده على تأمين حاجات العائلة، والتحضير للأعياد".

ويرى المتخصص في الشأن الاقتصادي بلال علامة أنه "لا توجد حركة اقتصادية بالمعنى الحقيقي للكلمة، حيث نشهد حركة ظرفية لا تدوم إلا لأيام من أجل تلبية حاجات الصائمين. وتقتصر على سلع أساسية كالخضراوات والحلويات". وينبه إلى أن "الأمور لا تبشر بالخير لناحية النمو والاستمرار، إذ يمكن أن نشهد تراجعاً خلال الفترة المقبلة، لأن التضخم سينعكس على سلوك المستهلكين".

الرقابة المنقوصة

صحيح أن الحركة الاقتصادية تتأثر إلى حد بعيد بمستوى الدخل، ورغبات المستهلكين، وكذلك بفاعلية الأجهزة الرقابية، والتي يصفها الدكتور بلال علامة بـ"شاهد ما شافش حاجة" (شاهد لم ير شيئاً)، مستشهداً بـ"عدم تطبيق الرزنامة الزراعية نتيجة ازدهار أعمال التهريب وعدم إمكانية ضبط الحدود"، وما نجم عنه من مشكلات مع البلدان العربية الشقيقة.

ويأسف علامة أن الأجهزة الرقابية عاجزة عن أداء أدوارها بالشكل والمضمون المناسبين، وهو ما ينجم عنه "اضطراب في الأسواق، وفورات لا تنتج أي نمو ونشاط اقتصادي حقيقي".

 

 

من جهة أخرى يتحدث زهير برو المسؤول في جمعية حماية المستهلك عن عدة مستويات لرقابة الأسواق في لبنان، فعلى مستوى رقابة الأسعار، "هناك صعوبة في ضبطها بفعل النظام الاقتصادي الحر، علماً أن النظام في لبنان احتكاري بامتياز". أما على مستوى الرقابة على النوعية وجودة المنتجات، فهو يحتاج إلى تفعيل فرق الكشف والتفتيش، التي يجب أن تكون دائمة ومستمرة، منوهاً إلى أنه "بسبب انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، يلجأ هؤلاء لشراء سلع رخيصة ونوعية أقل جودة، بالتالي لا بد من التحقق من جودتها، لأن التاجر يبحث عن تأمين الربح على حساب الجودة، وهو ما يمكن أن يشكل العنصر الغالب في ظل شلل مؤسسات الدولة وعدم وجود سياسات حقيقية لحماية المستهلك في لبنان.

وينبه برو إلى "حيلة التلاعب بالتخفيضات" موضحاً أن مؤسسات تقوم بالإعلان عن تخفيضات ولكن يسبقها رفع أسعار، حيث لا تنعكس التخفيضات على السعر الأساس. من هنا، يطالب برو بمراقبة التخفيضات لدى التجار لأنه لا ثقة على مستوى النزاهة والشفافية. كما يأسف إلى بقاء قوانين حماية المستهلك من دون تطبيق، فالقانون الصادر في 2005، وقانون المنافسة الصادر في 2015، لا تزال حبراً على ورق بانتظار صدور مراسيم تطبيقية لم توضع بعد بسبب تقديم مصلحة التجار على حساب المواطن.

إزاء ذلك، كشف محمد أبو حيدر مدير عام وزارة الاقتصاد، أنه "منذ شهرين، بدأت مديرية حماية المستهلك القيام بمتابعة أسعار سلة غذائية مؤلفة من 74 سلعة بالتعاون مع منظمة الغذاء العالمي والمراقبين الحكوميين في مختلف المناطق اللبنانية"، موضحاً "مع اقتراب زمن الصوم الكبير وبدء شهر رمضان، بدأت فرق الوزارة في تنظيم جولات رقابة يومية وتسطير محاضر، وإحالة المخالفين إلى القضاء المتخصص على أمل أن تكون العقوبات أقسى ورادعة لكل شخص يحاول تحصيل أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين"، حيث يخضع لتلك الرقابة كل من المستورد والموزع ونقاط البيع.

كما نجم عن تلك الحملات والعمليات التفتيشية "إقفال بعض المؤسسات على غرار ما جرى مع أحد معامل الحلويات لمخالفته الشروط الصحية".

يختم أبوحيدر حديثه بالإشارة إلى عقد اجتماعات تنسيقية مع وزارة الزراعة لمراقبة أسعار الخضراوات والفاكهة واللحوم والدجاج، ومتابعتها مع النقابات المعنية لأن بعض أسواق الجملة خاضعة لمراقبة تلك الوزارة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير