ملخص
دخلت فصائل مسلحة إلى مدينة اللاذقية بعد بدء المواجهات بين الأمن العام وفلول النظام السابق، ووردت تقارير ونداءات عن انتهاكات ضد المدنيين شملت إعدامات وسرقة البيوت ونهب الممتلكات فيما وردت شهادات أخرى من سكان الساحل السوري تؤكد أن بعضهم احترم وراعى حرمات البيوت وطرح بعض الأسئلة وخرج.
القصة التي بدأت بمطاردة عمليات منظمة استهدفت أجهزة الدولة من قبل عصابات تتبع لفلول النظام المخلوع سرعان ما رافقت انتهاكات ضد المدنيين، بخاصة أن نداءات غير نظامية كثيرة وردت للتوجه إلى الساحل السوري. ذلك القتال غير المنظم الذي طغت عليه الحالة "الانتقامية والثأرية" مثلما يصفها سكان الساحل وضع قوى الأمن العام ووزارة الدفاع تحت ضغط كبير لناحية متابعة فلول النظام من جهة، وإيقاف التفلت والانتهاكات الطائفية من جهة أخرى.
ولعل خير ما يستدل به على ذلك المواجهة الأمنية من قبل القوات النظامية عشية أمس السبت مع مجموعات لا تحمل مهام رسمية حاولت الدخول إلى حي "دمسرخو" في اللاذقية.
مصادر أهلية ومنظمات غير حكومية رجحت لـ"اندبندنت عربية" أن يكون رقم الضحايا مضاعفاً عما ذكره المرصد السوري، مبدين في الوقت ذاته استحالة ايجاد إحصاء دقيق في هذه الأحوال في ظل استمرار الأزمة. ووردت بيانات من جهات إقليمية ودولية مستنكرين فيه واقع الحال الذي يصفه البعض بـ"التطهير العرقي" وطاول عائلات وأشخاصاً مسيحيين وسنيين، ولو بأعداد قليلةـ مع التركيز نحو الحاضنة العلوية معزولة السلاح في مناطق لم تشهد هجمات على قوى الأمن الذي يدرك تماماً تلك المعطيات فيعمل وفق توجيهات القيادة على ضبط الفلتان ما أمكن، وهي مهمة تبدو صعبة بسبب نداءات التوجه نحو الساحل وتحديداً جبلة وبانياس واللاذقية وقُراهم التي اجتاحتها أرتال من المسلحين.
محاولة لوقف الانتهاكات ضد المدنيين
يمكن القول إن القصة معقدة للغاية، فقد بدأت بمنطق القانون لإيقاف تعديات فلول نظمت نفسها من جديد لتثير القلائل دون وجود حاضنة شعبية فعلية لها في الساحل، لتتفلت الأمور وسط سقوط ضحايا بالعشرات من الأمن العام، ويهبُّ المقاتلون غير المخولين أو المطلوب منهم مساندة أجهزة الدولة الرسمية، لكن تلك الهبَّة لم تكن ضرورية كما بينت الإدارة السورية عبر حديث مسؤوليها عن توقف مؤقت لعمليات الساحل ريثما يتم إخراج الأشخاص الذين قدموا للمؤازرة ولا يحملون مهام رسمية من الداخلية أو الدفاع.
نداءات للاستغاثة والحماية
يرفع أهل الساحل بما ضجَّت به وسائل التواصل الاجتماعي في كل تحديث نداءاتهم لقوات الأمن العام لحمايتهم، وتجد الإدارة الجديدة نفسها أمام اختبار في الحفاظ على السلم الأهلي بعد وقوع مئات الانتهاكات في الساحل السوري، فيما أن شريحة من أبناء هذه المناطق حاولت أن تخلع عنها التهم المرتبطة بالرئيس الفار، مبينة في غير مكان عن الفرق الشاسع بين الطائفة العلوية والطائفة الأسدية، لكن ذلك لم يمنع قتل مدنيين في بانياس واللاذقية بعدما تدخلت عناصر منفلتة غير منظمة عسكرياً على خط الصراع معيدةً سيرة الدم الأول في الحرب السورية. في حين تبدو طرطوس حتى الآن، وعلى رغم الانتشار المكثف لعناصر الأمن آمنة وسط مخاوف أن تتوسع رقعة عمليات الانتهاكات.
والقصة التي بدأت بمطاردة فلول نظام تحولت الى خلق مظلوميات جديدة ودماء سالت في الشوارع، وأصبح مطلوباً من الإدارة الجديدة موقف حاسم يحمي الأهالي ويؤسس لنواة دولة جامعة.
تحريض غير مسبوق
لا يمكن بأية طريقة قياس حجم التحريض الواقع على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا وضعه في سياقه الطبيعي، ولا إحصاء كمية التنافر التي طفت إلى السطح بين المكونات السورية غداة 14 عاماً من حرب تمرَّس الأسد من خلالها في قتل السوريين وضرب سبل التعايش ما بينهم، وهو ما يدفع ثمنه أبرياء سوريا اليوم.
ومقابل كل ذلك كان لا بد أن يكون من أصوات عاقلة تظهر من الساحل نفسه لتحاول التدخل ولو بأبسط صورة ممكنة، وهو التدخل الذي جاء من قبل المكون السني في جبلة وبانياس في محاولة لحماية من بقي على قيد الحياة في أحياء كاملة وقرى مجاورة، فقاموا بمحاولة تأمين ممرات آمنة واستيعاب العلويين ما أمكن في منازلهم وحمايتهم، لكن ذلك لم يمنع أن أعداداً كبيرةً أخرى باتت ليلتها الماضية في أحراش القرى وبساتينها هرباً من الموت الذي يحمله متطرفون يقتلون دون أن يرفَّ لهم جفن بحسب شهادات ناجين من المقتلة.
شهادات حول الانتهاكات
فؤاد سليماني المتحدر من مدينة بانياس يخبر "اندبندنت عربية" كيف قُتلت عائلة خالته بأفرادها السبعة في رمشة عين وتُركوا في المنزل ممنوع على أحد التوجه بهم إلى المستشفيات وسط حالة غير مفهومة حتى الآن حول السبيل الذي سيدفن به هؤلاء الناس.
ويكمل فؤاد، "منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة وقف الساحل بأكمله خلفها ودعمها وفرح بالتخلص من حكم آل الأسد، وعليه سلم عشرات الآلاف من الجنود السابقين أسلحتهم وأجروا تسويات، الآن عمليات القتل لم تطُل فقط هؤلاء الجنود الذين لم يشاركوا في الأعمال العسكرية الأخيرة، بل قُتلت عائلاتهم، وعائلات أخرى مدنية بالكامل بمن فيها من أطفال وفتيات ونساء، الوضع في الساحل فاق كل التوقعات لما يمكن أن يحصل في حملة أمنية، ولا يزال الناس يعقدون الآمال على الأمن العام في التدخل السريع لحماية ما أمكن ممن تبقى بعد إبادة حي القصور وأحياء أخرى في بانياس".
هائمين على وجوههم في البساتين والغابات يقطع بعض أهالي قرى اللاذقية وبانياس وجبلة مسافات لا وجهة لهم سوى السير هرباً ممن قتلوا أحباءهم وأهلهم وجيرانهم، ومحاولة لتجنب أن يلتقوا ممن هربوا منهم فيتعرضون للقتل... هذا ما حدث مع إحدى السيدات التي روى المدير العام للمرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبدالرحمن القصة التي شهدها مباشرة من خلال مكالمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فقال "الناس منتشرون في البساتين والأراضي هرباً من الفصائل المسلحة التي دهمت بيوتهم وقتلت من قتلت، وأثناء حديثي مع سيدة في مكالمة فيديو شاهدت عملية قتل مباشر في المكان الموجودة هي فيه".
أنور، الموجود في كندا، لكن عائلته في إحدى قرى اللاذقية هائمة على وجهها في البساتين تحدث لـ"اندبندنت عربية"، فقال "تبعد قرية أختي المتزوجة عن قرية أهلي بضعة كيلومترات، وقد وصلت إليهم الفصائل بداية وأخذت رجال القرية وتركت النساء والأطفال، فاستطاع زوجها الاختباء، لكنهم عادوا اليوم فقتلوا زوجها وأهله وهربت هي مع أولادها الصغار في البساتين ولزمن محدد انقطع الاتصال معها".
تواصل أنور مع أخته ووالدته السبعينية التي تعرضت منذ أسابيع لطعنات بالسلاح الأبيض أثناء وقوفها أمام أحد مراكز الحوالات المالية لقبض ما أرسله إليها أنور، فنقلت إلى المستشفى، وهي كانت حتى اليوم تتماثل للشفاء، ولكن حتى هذه السبعينية المنكوبة والمكلومة مرات عدة اضطرت وابنتها إلى الهرب كذلك في البساتين ولا يعلم عنهما أنور شيئاً حتى وقت إعداد هذه المادة.
في جبلة هرب الشاب عامر الذي كان معارضاً خلال حكم بشار الأسد وتعرضت عائلته للابتزاز بسبب ذلك، وضيقت السلطات السابقة عليهم ولم يشفع له ذلك، وهو الآن بين نارين أن "ينفد بجلده" أو ينتظر خبراً من أبيه وأمه في المدينة التي دخلها مسلحون وقتلوا كثيراً من أهلها وهم يمشطون البيوت. وعن هذا تقول شقيقته مارينا التي تعيش خارج البلاد، "أريدهم أن يصلوا إلى منزل أهلي لأعرف ماذا سيفعلون؟ هذا الانتظار أضنى روحي".
وتكررت قصص شبيهة بهذه، وكان هدفها "السرقة والسطو وإهانة الناس وتخريب ممتلكاتهم"، بحسب ما أفاد الأهالي، فقد أجمع عديد منهم على أن طلبهم الأول كان الذهب والأموال، لكن في الوقت نفسه دخل عدد من الأمن العام إلى منازل عدد من أهالي اللاذقية، وخصوصاً الأحياء العلوية بكل احترام بحسب ما ذكر الأهالي. وتقول ميساء، "دخلوا إلى منزلنا، وطرحوا علينا بضعة أسئلة، وأبرزها هل يوجد سلاح؟ وعندما انتبهوا لبكاء ابنتي وخوفها خرجوا كما دخلوا بهدوء".
بعد انتشار الفيديوهات التي توثق الجرائم والانتهاكات التي حدثت سارع أهل البلد الواحد إلى حماية بعضهم بعضاً، فعمد البعض من أبناء الطائفة السنية إلى فتح بيوتهم ومساجدهم وأحيائهم في بانياس وجبلة للعلويين ونشروا أرقام هواتف وإعلانات عاجلة على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة بهم.
ونشر شاب يقول، "منزلنا في منتصف بانياس القديمة وسوقها التجارية، لم يميزوا بين محال وبيوت أحد، لكن الأمن العام تصدى مع شيوخ بانياس لهم، وهم يعملون على حماية العلويين، حيث تم جمعهم ووضعهم في مدرسة".
وفي هذا السياق دعت بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس جميع السوريين المدنيين من كل الطوائف للاحتماء بأقرب كنيسة أو دير يجدونه في الساحل السوري.
تضامن شعبي
"لم يقصر شرفاء بانياس، لكن سبق السيف العذل". يقول أحد الناجين من مجازر بانياس أمس السبت، والذي تمكن من الفرار نحو مساكن المصفاة في المدينة خلال حديثه مع "اندبندنت عربية"، موضحاً أن ما مرَّ على مدينتهم بتمام إكمال السلطة شهرها الثالث في الحكم يندى له الجبين، وفي الوقت الذي لا يحمل فيه قوى الأمن العام ووزارة الداخلية مسؤولية ارتكاب المجازر، لكنه يلومها لأنها الدرع التي يقع على عاتقها حماية كل سوري في منزله. ويضيف، "لم ندرِ كيف وصلت هذه الأرتال من المحافظات الأخرى إلى مدينتنا فجأةً، لكننا اليوم ندرك أننا في مأتم جماعي لم تتعرض له البلاد منذ قرون، نحن لسنا دُعاة ثأر، ولكننا نريد المحاسبة، الآن يجب أن يتطور مفهوم العدالة الانتقالية لأنه لم يعد يخص مظلوميات سابقة، بل تخطاها ليشمل مظلوميات كبرى في عصرٍ حديث، وعلى كل من أطلق رصاصة في سنوات الحرب أو في الأيام الماضية أن ينال عقابه، ولعل هذا يشفي الصدور".
لا حاضنة للفلول
يبدي علويون تحدث معهم "اندبندنت عربية" في اللاذقية وبانياس وطرطوس وجبلة وقرى متفرقة نقمتهم على أسماء بعينها، ومن بينهم الضابط السابق سهيل الحسن الملقب بالنمر، والعميد بالفرقة الرابعة غياث دلا، وقائد إحدى ميليشيات الأسد مقداد فتحية، وآخرون، في جرِّ الساحل إلى مواجهات لم يكن يريدها أهلها، وهي التي أودت لما آلت إليه الأمور بعدما راح العشرات من عناصر القوى الأمنية الرسمية في مكامن متفرقة.
ذلك الغضب لا يخفيه الناس، ولا يختلف عاقلان عليه، وإن كان الجميع متفقاً على أن رد الفعل كان أقوى من الفعل بعشرات المرات، بخاصة مع مقتل الشيخ شعبان منصور التسعيني مع ولده، والذي يعد من كبائر المراجع المتبقية عند الطائفة العلوية، والذي حورب لسنوات طويلة من قبل نظام الأسد لئلا يكون مرجعاً، إضافة لمقتل عائلات بأكملها كانت معارضة لحكم الأسد، ومنهم من قضى سنوات عمره في سجونه، ليظهر أن الانتقام كان سيد الموقف.
الفرصة للدولة
في الأثناء ظلت مدينة طرطوس آمنة مع انتشار مكثف لعناصر الأمن العام في الطرقات والشوارع على رغم خروج تظاهرة قبل يومين نادت بإسقاط أحمد الشرع، فإن الأمور لم تتطور لصراع مسلح داخل المدينة حتى الآن، وتعمل القيادة في دمشق تعمل على احتواء الموقف وتطويقه من كل الاتجاهات.
وفي هذا السياق يرى الأكاديمي في العلوم العسكرية منصور زيدان أنه لا مطالب بالتقسيم رُفعت أو نُودي بها، مستبعداً أن تكون المنطقة على شفى حرب أهلية لأن موازين القوى من الأساس غير متكافئة، داعياً الحكومة إلى تحمل مسؤولياتها كاملة بحماية المدنيين من مختلف المكونات والحفاظ على السلم الأهلي والتنبه لقسوة البيان الفرنسي والانتباه إلى أن عائلات لا مقدار لتعدادها لجأت إلى قاعدة حميميم الروسية لتبيت بها محتمية بالروس الذين أكدوا أنهم ليس لديهم ضلوع بما حدث على الأرض أو علم بماهيته. ويختتم كلامه بالقول، "قبل مناشدة المجتمع الدولي للتحرك، هناك فرصة جدية لحكومة دمشق بالتحرك وتدارك الوضع وإرسال الرسائل في مختلف الاتجاهات أنها قادرة على احتواء الموقف المتصاعد، بخاصة مع بوادر حسن النية التي أبدتها بتفرغ قسم من القوى الأمنية لمصادرة المسروقات من سيارات وغيرها، والتي حصلت خلال أعمال الشغب والعنف وإعادتها لأصحابها أصولاً، وبالمنطق نفسه يمكن تجريم مرتكبي الجرائم وتعريتهم لأنهم لا يمثلون الصورة التي يريدها الرئيس الجديد للبلاد، والذي أوضح في خطابه الأخير حول الأحداث ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي".
لجنة حكومية لرصد الانتهاكات
وأعلن المرصد السوري لحقوق الانسان في حصيلة جديدة أن "745 مدنياً علوياً قتلوا في مناطق الساحل السوري وجبال اللاذقية من جانب قوات الأمن ومجموعات رديفة" منذ الخميس. وبذلك ترتفع حصيلة أعمال العنف إلى أكثر من 1018 قتيلاً بينهم 273 عنصراً من قوات الأمن ومسلحين موالين للأسد، وفق المصدر نفسه.
وتحدث المرصد عن "عمليات تصفية على أساس طائفي ومناطقي" و"عمليات إعدام ميدانية" ترافقت مع "عمليات نهب للمنازل والممتلكات".
وأعلنت وزارة الدفاع السورية أنها شكلت لجنة طارئة لرصد المخالفات وإحالة المتجاوزين لتعليمات القيادة خلال العملية العسكرية والأمنية الأخيرة في منطقة الساحل السوري إلى المحكمة العسكرية، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السورية "سانا".
وأعلنت وزارة الدفاع بالتنسيق مع إدارة الأمن العام إغلاق الطرق المؤدية إلى منطقة الساحل السوري، "لضبط المخالفات ومنع التجاوزات وعودة الاستقرار تدريجاً" إلى المنطقة، بحسب المصدر.
وأظهرت صور نشرتها الوكالة الرسمية انتشار قوات الأمن العام في الشوارع والساحات العامة في محافظة طرطوس للحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية المدنيين.