ملخص
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقول إن "تصريحات فلوديمير زيلينسكي تجعل من الصعب جداً تسوية الحرب الروسية-الأوكرانية، فليس لديه ما يتباهى به"، متابعاً "الوضع بالنسبة إلى أوكرانيا كارثي، ويمكن لزيلينسكي الحصول على السلام، أو يمكنه القتال لمدة ثلاثة أعوام أخرى حتى يخسر البلد بأكمله".
في وقت كانت العاصمة البريطانية لندن تستعد لاستضافة وفود رفيعة المستوى لوزراء خارجية الولايات المتحدة وكبريات الدول الأوروبية لمناقشة أولى خطوات التسوية السلمية للأزمة الأوكرانية، أعلن وزير الخارجية الأميركية مارك روبيو أنه لن يشارك في هذا الاجتماع، وهو موقف مماثل لقرار زميله ستيف ويتكوف المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي دونالد ترمب للشأن الأوكراني، الذي من المقرر أن يزور موسكو خلال الأيام القليلة المقبلة.
ويقول مراقبون إن فشل اجتماع لندن يعكس المدى الذي بلغته تعقيدات الأزمة الأوكرانية، ومدى تعقد المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى، وصعوبة ما تطالب به أوكرانيا حول السيادة الكاملة لكل الأراضي التي استولت عليها روسيا وتبلغ زهاء 20 في المئة من أراضيها.
انهيار اجتماع لندن
ثمة من يقول إن انهيار المحادثات التي كانت مقررة على مستوى وزراء الخارجية والمقرر انعقادها داخل لندن، جاء في أعقاب إعلان كييف عن عدم موافقتها على الاعتراف بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، وما عزاه الرئيس فلوديمير زيلينسكي إلى أن الدستور الأوكراني لا يجيز التنازل عن أي من الأراضي التي "استولت" عليها روسيا.
وجاء ذلك على وقع ما قاله نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال زيارة يقوم بها حالياً للهند، حول أن "الولايات المتحدة قدمت عرضاً واضحاً للغاية للروس والأوكرانيين، وحان الوقت بالنسبة إليهم للموافقة عليه، لأنه بخلاف ذلك فإن الولايات المتحدة ستنسحب من عملية التفاوض"، وأضاف "سوف نرى ما إذا كان الأوروبيون والروس والأوكرانيون قادرين على إيصال هذه المسألة إلى خط النهاية".
وأشار فانس إلى اقتراح واشنطن حول "تجميد خط التماس العسكري في وضعه الحالي، حتى يمكن إجراء مفاوضات في شأن تسوية دبلوماسية طويلة الأمد. وسيتعين على الجانبين التنازل عن بعض الأراضي التي يسيطران عليها حالياً".
وأعلن وزير الخارجية الأميركية مارك روبيو أن الولايات المتحدة ستركز على قضايا مهمة أخرى إذا لم يحدث تقدم في المفاوضات لتسوية الأزمة الأوكرانية، وقال "لقد بذلنا كل ما في وسعنا، واستثمرنا كثيراً من الوقت والجهد على أعلى مستويات حكومتنا، وإذا قررنا في مرحلة ما أننا بعيدون جداً من بعضنا بعضاً ولا نتحرك للأمام بما فيه الكفاية، فقد نضطر إلى الانتقال إلى أولويات أخرى، لأن هناك كثيراً من الأشياء المهمة التي تحدث في العالم".
وتعليقاً على نبأ تهديد البيت الأبيض بالانسحاب المحتمل من وساطته في تسوية الأزمة القائمة، قال المتحدث الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن موسكو لا تعد تصريح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في شأن انسحاب واشنطن المحتمل من التفاوض حول أوكرانيا بمثابة إنذار نهائي من جانبها، إذا لم توافق موسكو وكييف على الخطة المقترحة.
وأضاف الناطق الرسمي باسم الكرملين "لا، إن الولايات المتحدة تواصل جهود الوساطة، ونحن نرحب بها بالطبع، كما نواصل نحن اتصالاتنا، وذلك ما أكرره مجدداً".
ترمب ينتقد موقف زيلينسكي من القرم
وكان الرئيس الأميركي وجه انتقاداته إلى زيلينسكي بقوله "إن تعنت زعيم نظام كييف فلوديمير زيلينسكي وعدم الاعتراف بأن شبه جزيرة القرم أرض روسية، يضر بمفاوضات السلام مع روسيا"، وأضاف أن " زيلينسكي، يتباهى في الصفحة الأولى من صحيفة ’وول ستريت جورنال‘ بأن أوكرانيا لن تعترف قانوناً باحتلال شبه جزيرة القرم، وهذا التصريح ضار جداً بمفاوضات السلام مع روسيا".
وإذ أكد الرئيس ترمب أن "شبه جزيرة القرم فقدت منذ أعوام تحت رعاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وهي الآن لم تعد محل نقاش، قال "إنه إذا كان زيلينسكي يريد استعادتها، فلماذا لم يقاتل من أجلها قبل 11 عاماً عندما سُلمت إلى روسيا دون إطلاق رصاصة واحدة؟".
وأضاف أن هذه المنطقة ولأعوام عديدة قبل تسليم أوباما كانت تضم قواعد رئيسة للغواصات الروسية (في اشارة إلى ميناء سيفاستوبول، القاعدة الرئيسة التاريخية للأسطول الروسي في البحر الأسود)، فيما أكد أن "التصريحات التحريضية على غرار تصريحات زيلينسكي هي التي تجعل من الصعب جداً تسوية هذه الحرب، وليس لدى زيلينسكي ما يتباهى به".
وخلص الرئيس الأميركي إلى القول إن "الوضع بالنسبة إلى أوكرانيا رهيب، ويمكن لزيلينسكي الحصول على السلام أو يمكنه القتال لمدة ثلاثة أعوام أخرى حتى يخسر البلد بأكمله"، وأضاف أنه "لا علاقة لي بروسيا، ولكن لدي رغبة كبيرة في إنقاذ حياة آلاف الجنود الروس والأوكرانيين الذين يموتون أسبوعياً من دون سبب".
ويقول مراقبون غربيون إن زيلينسكي صار مدعواً إلى الاستعداد لما هو أسوأ في حال انسحاب الولايات المتحدة من وساطتها، كما أنه لم تصدر أية تصريحات عامة حتى الآن في شأن الأراضي التي سيطلب من روسيا التخلي عنها، خلال وقت تواصل فيه القوات الروسية زحفها داخل مقاطعة سومي الأوكرانية المتاخمة لمقاطعة كورسك الروسية، بعد استكمالها استعادة كل أراضيها تقريباً التي كانت القوات الأوكرانية احتلتها خلال أغسطس (آب) 2024.
وذلك فضلاً عما استولت عليه من أراض في مقاطعة خاركيف شمال أوكرانيا، إلى جانب ما تستعيده القوات الروسية من بقية أراضي المناطق الأربع التي ضمتها روسيا خلال سبتمبر (أيلول) 2022 حتى حدودها الإدارية (السوفياتية السابقة)، ورفض الرئيس الأوكراني زيلينسكي اقتراح ستيف ويتكوف المبعوث الشخصي للرئيس ترمب بأن تعترف واشنطن رسمياً بضم روسيا لشبه جزيرة القرم مقابل إنهاء موسكو للأعمال القتالية.
وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة، فإن الاتفاق "من شأنه أن ينص على رفع تدريجي للعقوبات المفروضة على روسيا"، وثمة تسريبات تقول بـ"احتمالات استعداد روسيا للتخلي عن بعض مطالبها الخاصة بالأراضي مقابل اعتراف أميركي بضم القرم، سيكون مقدمة لاعتراف دولي أوسع نطاقاً يكفل لهذه المنطقة تدفق الاستثمارات الأجنبية، وذلك ما ترفضه أوكرانيا والبلدان الغربية جملة وتفصيلاً، بوصفه انحيازاً من جانب الطرف الأميركي إلى روسيا".
بوتين يواصل تعزيز الصناعات العسكرية
وفي توقيت مواكب للإعلان عن انهيار اجتماع لندن، وموقف الولايات المتحدة من مبادرتها حول الوساطة والتسوية السلمية للأزمة الأوكرانية، عقد الرئيس بوتين اجتماع هيئة رئاسة لجنة الصناعات العسكرية في موسكو، نقلت وسائل الإعلام الروسية شطراً كبيراً منه على الهواء مباشرة.
وكان بوتين أعلن مطلع الأسبوع الجاري عن تشكيل هيئة رئاسة اللجنة الصناعية العسكرية في روسيا الاتحادية، بهدف تحسين أنشطة المجمع الصناعي العسكري، وفي هذا الاجتماع قال بوتين إن هيئة الرئاسة ستتخذ قرارات تشغيلية لضمان تنفيذ المهام والوظائف الموكلة للمجمع الصناعي العسكري، وأكد أن جميع شركات الدفاع تقريباً لبت طلباتها بالكامل العام الماضي.
وكشف الرئيس الروسي أن الجيش الروسي لا يزال يعاني نقصاً في بعض الأسلحة بما فيها الطائرات المسيرة، على رغم الزيادة الكبيرة في الإنتاج، وقال بوتين "على سبيل المثال، تضاعف إنتاج الأسلحة وأنظمة الاتصالات والاستطلاع والحرب الإلكترونية، وتسلمت القوات أكثر من 4 آلاف وحدة من الأسلحة المدرعة، و180 طائرة مقاتلة وهليكوبتر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف بوتين "أُنتج أكثر من 1.5 مليون طائرة مسيرة من مختلف الأنواع، بما في ذلك نحو 4 آلاف طائرة مسيرة ذات توجيه شخصي، وهي نماذج خفيفة الوزن مصممة للاستهداف الدقيق"، لكنه عاد ليقول "أعلم جيداً، وكثر هنا ممن يشاركون في اجتماعنا اليوم يدركون تماماً مثلي أنه لا يزال هناك نقص في هذه الأسلحة، إنها ليست كافية"، وتابع "أنا متأكد من أن جميع خطط زيادة إنتاج المعدات اللازمة، وفي هذه الحالة الطائرات المسيرة، ستنفد بالتأكيد، قواتنا تنتظرها بفارغ الصبر على الجبهة".
وكان الرئيس بوتين سبق وأعلن أن قطاع الصناعات العسكرية يعمل على مدار الساعة في ثلاث ورديات يومياً منذ بداية العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، إلى جانب ما يقوله مراقبون حول حصول روسيا على معدات عسكرية من دول أخرى ومنها إيران والصين وكوريا الشمالية.
وكانت أوكرانيا وجهت اتهاماتها إلى الصين بإمداد روسيا بمعدات وأسلحة وهو ما لم ترد عليه المصادر الروسية الرسمية، وتزايدت الاتهامات الأوكرانية للصين خلال الآونة الأخيرة بدعم الجانب الروسي فعلياً في الصراع الذي طال أمده، وتزعم المصادر الأوكرانية أنه كُشف عن حقيقة أن روسيا جندت مواطنين صينيين للمشاركة في الأعمال العدائية، وقُدمت هذه المعلومات أيضاً إلى الجانب الصيني، إذ إن بكين متهمة بالتورط في إنتاج الصواريخ الباليستية الروسية وتوريد الأسلحة إلى روسيا.
فرضت أوكرانيا بالفعل عقوبات اقتصادية على ثلاث شركات مسجلة في الصين"، على حد قول المصادر الأوكرانية، ولعله من الغريب أن تتعالى هذه الاتهامات من جانب أوكرانيا في "حرب"، يعلم القاصي والداني في كل أنحاء المعمورة أن أوكرانيا تعتمد كلياً وجزئياً، في معاركها ضد زحف القوات الروسية، على كل أنواع الأسلحة الغربية الحديثة بما فيها الصواريخ البعيدة والمتوسطة المدى، فضلاً عن المساعدات اللوجيستية والفضائية الاستخباراتية الأميركية، وهو ما جرى الإعلان عنه رسمياً في أعقاب "طرد" الرئيس الأوكراني من المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض مطلع مارس (آذار) الماضي.
ومن اللافت في هذا الصدد أن ما يصدر عن الرئيس بوتين من تصريحات وما يعقده من اجتماعات، يشير إلى أن روسيا تعتزم زيادة إنتاجها العسكري خلال العام الرابع من حربها في أوكرانيا، حتى خلال وقت تجري أثناءه محادثات مع الولايات المتحدة في شأن سبل إنهاء الصراع القائم منذ اندلاع الازمة الأوكرانية عام 2014.