ملخص
بمرارة لا يمكن إخفاؤها، تحكي تامارا ستيبانيان عن علاقتها المكلومة بوطنها أرمينيا. هذا الجُرح المفتوح في حياة المخرجة الأربعينية، هو ما يشكّل خلفية "بلاد آرتو"، فيلمها الروائي الطويل الأول الذي افتتح أمس الدورة الـ78 لمهرجان لوكارنو السينمائي (6 - 16 أغسطس/ آب)، كتحية سينمائية لأرض معلّقة بين أنقاض الماضي وأسئلة المستقبل. تنبش المخرجة بين الحطام لتجد لغة سينمائية خاصة بها، في ملتقى بين الوثائقي والروائي، الذاتي والجمعي.
تنطلق أحداث الفيلم في فترة ما بعد اندلاع حرب ناغورنو كره باغ الثانية (2020). نتعرف إلى سيلين (كاميّ كوتان)، امرأة فرنسية من جيل المخرجة، يموت زوجها الأرميني فتقرر زيارة بلده الأم، لاستكمال أوراق الجنسية لابنهما، بيد أنها تجد نفسها وقد أصبحت تبحث عن جزء خفي من سيرة هذا الرجل، الذي عاش معها لسنوات من دون أن يفصح كثيراً عن ماضيه. علماً أنه كان جندياً في بلاده قبل أن يهاجر إلى فرنسا حيث تعرف إليها وتزوجها. تدخل سيلين أرمينيا، ومن حيث لا تدري تجد نفسها في دوامة بلد لا يشبه الروايات السياحية، بلد منهك جراء ثلاثة عقود من النزاع مع أذربيجان، مثقل بالخسارات، لا يظهر وجهه إلا عند من يقرأ الألم في تضاريسه. بلد غائب تماماً عن حسابات الإعلام، وسيحاول الفيلم الإضاءة عليه وعلى معاناة شعبه.
الفيلم ليس عن الحرب (ولو أنها حاضرة)، بقدر ما هو عن صدمة ما بعد الحرب، واكتشاف أرض غير مكتشفة سينمائياً، وذلك عبر عينيّ سيدة غربية تحاول إتمام عملية الحداد على زوجها من خلال التوغل في بلاده وتنقل عبره شيئاً من إرثه إلى ولديه. تذهب إلى أرض لا تعرفها، فتعي جزءاً من مسؤوليتها كأم تجاه ابنها، الذي ينتمي أيضاً إلى هذا الوطن، وقد يُجبر على الانضمام إلى جيشه ذات يوم إذا اقتضت الحاجة. هذا كله سيفتح أمام سيلين باب الأسئلة التي ما كانت تعلم بوجودها حتى. الزوج الراحل، آرتو، تجسيد للهوية الأرمنية المعذّبة. فهو نجا من زلزال غيومري (ثاني أكبر المدن الأرمنية) عام 1988 الذي قضى على 60 في المئة منها، كما نجا أيضاً من حرب التسعينيات، لكنه لم يصمد أمام هزيمة 2020 عندما استعادت أذربيجان أراضي كان هو ورفاقه حاربوا من أجلها في شبابهم، فقرر أن ينهي حياته. هذا الموت الأخير هو المسمار الذي يثبّت سيلين في أرض أرمينيا، ويشرع أمامها بوابة حكاية يتداخل فيها العام والخاص.
مرايا الذات
لدى المخرجة تامارا ستيبانيان قدرة على تحويل الآخرين مرايا لذاتها. على غرار آرتو الذي هو تجسيد للذاكرة الجريحة، فإن المخرجة نفسها تجسّد، من خلال هذه الشخصية التي لا نراها بل تحضر على لسان الزوجة، شتاتاً شخصياً وتاريخياً معاً. تقول ستيبانيان: "كل أفلامي يسكنها المنفى والحنين. تركتُ أرمينيا في عام 1994 وأنا طفلة، وما زلت أبحث عن جذور... فوجدتُها في السينما. فقط في السينما أشعر بأني في بيت حقيقي". هذه ليست مجرد عبارة جميلة، بل حقيقة تؤكدها قائمة أعمالها الوثائقية، حيث تعيد بناء أرشيف شخصي من المنافي المتنقلة التي حطت فيها (لبنان، فرنسا…)، لتصوغ منه خطاباً إنسانياً يتجاوز الانتماء العرقي. مع "بلاد آرتو" ها إنها تنتقل من الوثائقي إلى الروائي. عن هذا الانتقال تقول: "بعد تخرجي من مدرسة السينما في لبنان، تابعتُ دراستي في الدنمارك. وهناك وقعتُ في حبّ السينما الوثائقية، لكن قلبي ظلّ متعلقاً دائماً بالسينما الروائية. يمكنني القول إنني، من خلال استكشافي للشكل الوثائقي طوال هذه السنوات، كنتُ أُحضّر نفسي للروائي. كما أنني أؤمن بوجود عنصر وثائقي في هذا الفيلم. غالباً ما أجد الأفلام الروائية مصطنعة ومُفتعلة، لذلك كنت أبحث عن روح وثائقية للفيلم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن، على رغم صدق النوايا وثراء الرؤية الإنسانية، فإن "بلاد آرتو" لا يخلو من مشكلات بنيوية، تحول دون تحقّقه كعمل روائي مكتمل. التمثيل ضعيف، الخط الدرامي هشّ، ما يجعل الفيلم يتقدّم بخطوات بطيئة ومترددة. مشاهد كثيرة ليست سوى لنقل الحبكة من مكان إلى آخر، مليئة بحوارات ساكنة غير مقنعة، وشخصيات تقول أكثر مما تشعر، تُخبر من دون أن تُجسّد. والنتيجة: تجربة أقرب إلى سلسلة تأملات محبطة، تغيب فيها قوة الشهادة الوثائقية أو التماسك الروائي. الفيلم يعاني من علل عديدة تمنعه من بلوغ الاكتمال الفني، وكأنه لا يسعى أصلاً لبثّ انفعال، إنما يكتفي بالتحديق في الماضي من دون بناء فعل سينمائي عليه. إضافة إلى أنه يبدو مهذّباً أكثر مما يلزم، وهذا مأزق الأعمال التي تُنجز بصدق، لكن الإخلاص لمسألة لا يكفي وحده لصنع سينما كبيرة.
كأي فنانة تعي محدودية الفن، لا تقدم ستيبانيان أي حل، لكنها تحاول أن تطرح أسئلة وتعمّقها، والأهم أنها تفتح ملفاً عانى لعقود من إهمال وتجاهل. لا بطل في الفيلم، فجميعهم من الخاسرين المكلومين، إنما الكثير من الأشباح التي تحوم فوق الحاضر وأولها آرتو نفسه. قد لا يُغيّر الفيلم شيئاً في الوعي الغربي، لكنه يمنح تجربة أنجاز فيلم في أرمينيا صوتاً أنثوياً، دافئاً، مشتتاً، يشبه البلاد التي يُحاول تصويرها.