ملخص
العالم الذي أنشأته واشنطن ليس هو العالم الذي ترغب بكين وموسكو العيش فيه، لإدراكهما أنه لم يعد بإمكان البحرية الأميركية الدفاع عن حرية الملاحة في البحار والمحيطات، بعدما انخفض عدد السفن الحربية الأميركية من 6000 سفينة عام 1945 إلى 295 سفينة خلال الوقت الراهن.
خلال وقت أمر الرئيس دونالد ترمب بنشر غواصتين نوويتين قرب روسيا رداً على تصريحات الرئيس الروسي السابق ديميتري ميدفيديف الذي لوح بقدرات روسيا النووية، بدا أن الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لصراع محتمل في أعالي البحار، أو في الأقل تريد توجيه رسالة ردع إلى روسيا أو حتى الصين، لكن الحقيقة بدت على غير ظاهرها، إذ أشارت تقارير أخيرة إلى نقاط ضعف واضحة لدى بحرية أقوى دولة في العالم، سواء في صيانة وإصلاح الغواصات والقطع البحرية الأعلى قيمة، أو في مشروع بناء السفن. فكيف تواجه إدارة ترمب هذه التحديات؟ وما جاهزية أميركا لخوض حرب بحرية في آسيا أو أوروبا؟ ولماذا لم تعد الدول راغبة في شراء سفن حربية أميركية؟
عمل استعراضي
يوم الجمعة الماضي، تعمد الرئيس الأميركي تأكيد جاهزية القوات البحرية لبلاده عندما أمر بنشر غواصتين نوويتين قرب روسيا، وسط توتر نادر من نوعه عكسته تصريحات لفظية ساخنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول القدرات النووية مع نائب رئيس مجلس الأمن القومي في موسكو والرئيس الروسي السابق ديميتري ميدفيديف، لكن هذا التوجيه الرئاسي الأميركي الذي لم تواجهه روسيا بتصعيد مماثل، بدا عملاً استعراضياً بالنظر إلى أن الغواصات النووية الأميركية وكذلك الروسية تجوب البحار والمحيطات بصورة مستمرة، ولا يعلن أي طرف عن أماكن وجودها، كما أنه ليس من المتصور أن تتحول مقارعة لفظية بين رئيس أقوى دولة في العالم ومسؤول روسي يعرف بتصريحاته الاستفزازية المتكررة منذ بدء الحرب في أوكرانيا، إلى مواجهة حقيقية.
لكن على خلفية هذا المشهد، كشفت تقارير صحافية نشرتها "وول ستريت جورنال" و"بيزنس إنسايدر" ووسائل إعلام أميركية أخرى متخصصة بالشؤون الدفاعية عن حقيقة مربكة للولايات المتحدة، وهي أن وتيرة إصلاح وصيانة الغواصات وسفن السطح، بل وعمليات بناء السفن الحربية الأميركية الجديدة، أبطأ بكثير مما كان متصوراً وأكثر كلفة، مما يزيد من التحديات التي تواجه إدارة ترمب، ويثير تساؤلات حول مدى جاهزية الولايات المتحدة لخوض حرب حاسمة في البحار وبخاصة ضد الصين.
أهمية فريدة
يكشف أمر ترمب الاستعراضي الأخير أهمية الغواصات وكفاءتها في حروب المستقبل، ليس فقط من حيث كونها سلاحاً فعالاً لردع الخصوم، وإنما أيضاً للقدرات التكنولوجية التي تحملها غواصات الهجوم بمحركات نووية، والتي تمنحها سرعة أكبر وقدرة أوسع على المناورة والتخفي من الرصد، ومدى عملياتي أبعد، وقدرة على البقاء تحت الماء لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة.
على رغم أنها لم تستخدم أبداً خلال حرب فعلية، فإن الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية وتحمل صواريخ ذات رؤوس نووية هي أكثر الأسلحة فتكاً التي ابتكرتها البشرية على الإطلاق، إذ يمكن لغواصة واحدة مثل الغواصة "أوهايو" الأميركية على سبيل المثال، أن تحول 288 مدينة إلى رماد مشع في أقل من 30 دقيقة، ولهذا يمكن للغواصات وما تحمله من أسلحة دمار أن تنهي الحضارة الإنسانية خلال وقت أقل مما يتطلبه الأمر لطلب بيتزا إذا اندلعت حرب عالمية ثالثة الآن أو مستقبلاً.
تتمثل مهمة غواصات الصواريخ الباليستية الأميركية في التربص بصمت في أعماق المحيط، والاستعداد لشن حرب دمار نووي على أي هدف في أي مكان وفي أي وقت بناءً على أوامر من الرئيس، ويمتلك الأسطول الأميركي 72 غواصة تعمل بالطاقة النووية بالكامل، منها 14 من طراز "أوهايو" التي تحمل صواريخ باليستية نووية، وأربع من طراز "أوهايو" تحمل صواريخ "كروز" موجهة، فضلاً عن 49 غواصة هجوم سريع تقودها 19 من فئة "فرجينيا" التي تعد أحدث غواصات الهجوم السريع وأفضلها على الإطلاق.
وكانت روسيا من أوائل القوى التي شغلت غواصات نووية خلال عهد الاتحاد السوفياتي، وهي تمتلك 64 غواصة من بينها نحو 30 ذات دفع نووي. ولا تزال البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبى الصيني تشكل محور القلق العسكري الأميركي الآن ولعقود أخرى مقبلة، فوفقاً لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، يشتمل أسطول الصين المكون من 65 غواصة على ما لا يقل عن 13 غواصة تعمل بالطاقة النووية، بينما يعتقد أن الصين ستشغل أسطولاً يصل إلى 70 غواصة قبل نهاية هذا العقد.
معاناة طويلة
وعلى رغم مظاهر القوة التي يعكسها أسطول الغواصات الأميركي الذي يتباهى به الرئيس ترمب، فإن أحد الجوانب المهمة التي تهدد القوة البحرية الأميركية بصورة عامة، سواء للغواصات أو لسفن السطح، يتمثل في المعاناة الطويلة خلال الصيانة الروتينية للقطع البحرية الأميركية التي تمتد إلى عقود من الزمن، مع تحديات تشمل اختناقات مستمرة في أحواض بناء السفن، ومحدودية توافر الأحواض الجافة، والأخطاء المقلقة في الجداول الزمنية ونقص القوى العاملة، وبيانات الصيانة غير الموثوقة أو غير المتسقة، والمشكلات غير المتوقعة التي عادة ما تظهر أثناء عمليات الإصلاح وتتسبب في تأخيرات كبيرة، فضلاً عن ازدياد مشكلات سلسلة التوريد ونقص قطع الغيار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لعل أحد أبرز الأمثلة على هذه المعاناة وأكثرها إدانة على مشكلات الصيانة التي تعانيها البحرية الأميركية، هو الغواصة الهجومية "بويز" التي قالت صحيفتا "وول ستريت جورنال" و"بيزنس إنسايدر" إنها تأخرت في الصيانة والإصلاح لمدة 10 أعوام كاملة منذ انتهاء آخر دورية لها أوائل عام 2015، ومنذ ذلك الحين فقدت قدرتها على القيام بعمليات، ثم فقدت شهادة الغوص خلال العام التالي، وتلا ذلك مزيد من الانتظار مما أدى إلى خروج هذه الغواصة القتالية القيمة عن الخدمة.
وبعد إثارة المشكلات التي تعانيها عمليات الصيانة على أعلى المستويات في البنتاغون والكونغرس الأميركي، منحت البحرية خلال فبراير (شباط) 2024 شركة بناء سفن تدعى "هنتنغتون إنغالز إندستريز" عقداً بقيمة 1.2 مليار دولار لبدء إصلاح هندسي شامل على "بويز"، لكن العمل لن يكتمل إلا بحلول عام 2029، مما يعني أن الغواصة لن تبحر إلا بعد مرور 15 عاماً تقريباً من توقفها، مما يعد إهداراً هائلاً لأصول باهظة الثمن في الخطوط الأمامية.
مشكلات متعددة
ويشير برايان كلارك وهو ضابط غواصات متقاعد وخبير دفاع في معهد هدسون، إلى أن أسباب التأخير تعود إلى محدودية أحواض بناء السفن العامة الأربعة التابعة للبحرية التي يجري فيها العمل على الغواصات الأميركية التي تعمل بالطاقة النووية، والتي شهدت طلبات هائلة في العقود الأخيرة بسبب نقص الاستثمار في الصيانة من البحرية، وزيادة تعقيد العمل في الغواصات وحاملات الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية، وأدت الاضطرابات المتتالية لجائحة "كوفيد-19"، لا سيما في سلاسل التوريد ومجموعات العمالة، إلى زيادة الضغط على أحواض بناء السفن، فضلاً عن الاستثمار غير المتكافئ والتخطيط غير المتسق ونقص عمال الإصلاح ذوي الخبرة، بسبب عدم جاذبية الأجور الضعيفة المعروضة على ذوي المهارات.
ووفقاً لمسؤولين أميركيين فإن الأمر لا يقتصر على الغواصات بل يشمل كذلك سفن السطح، إذ تأخر ثلثا أعمال صيانة سفن السطح الأميركية عن مواعيدها خلال الأعوام الأخيرة على رغم إنفاق ملايين الدولارات، واستغرقت المدمرات الأميركية 2633 يوماً إضافياً لإصلاحها مقارنة بالفترة المتوقعة عام 2024، مما يفاقم مشكلة أميركا المتمثلة في عدم قدرتها على بناء السفن بالسرعة التي تتفوق بها الصين، العدو اللدود الذي يسعى إلى توسيع وجوده في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويهدد مصالح الولايات المتحدة.
جاهزية مهددة
أصبحت إعادة السفن والغواصات إلى البحر بسرعة أكثر أهمية من أي وقت مضى، بسبب تقلص عدد الأسطول الأميركي من نحو 600 سفينة وغواصة أواخر الثمانينيات إلى 295 حالياً، ومع قلة عدد السفن العاملة خلال أوقات صيانة أطول ينشأ فراغ، إذ تقضي السفن المتاحة وقتاً أطول في البحر وتعاني التآكل والتلف، ثم تتطلب عناية أكبر عند عودتها إلى الرصيف.
ولا يبدو أن طرق الحل يسيرة، إذ تعود الصعوبات التي تواجهها البحرية في إصلاح السفن إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما خفضت الولايات المتحدة عدد أحواض بناء السفن العامة المكلفة صيانة حاملات الطائرات والغواصات النووية إلى النصف، ولم يتبق من أحواض بناء السفن المملوكة للحكومة سوى أربعة شيدت منذ نحو قرن، ولهذا صممت لبناء السفن التي تعمل بطاقة الرياح والبخار، ومن الطبيعي أن تعاني هذه الأحواض الآن بنية تحتية قديمة، إذ تجاوز أكثر من نصف معداتها العمر الافتراضي المتوقع لها، وفقاً لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي.
ومع ازدياد أهمية جاهزية القوات البحرية الأميركية للقتال نظراً إلى تلميح إدارة ترمب إلى أنها قد تتدخل في حرب محتملة بين الصين وتايوان، وأن أي صراع من هذا القبيل سيحدث غالباً في البحر، يخشى خبراء البحرية من أن تؤدي مشكلات الإصلاح إلى إبقاء السفن والغواصات مختبئة في الأرصفة عندما تكون هناك حاجة ماسة إليها خلال صراع محتمل مع الصين، وبخاصة بعدما كشفت معلومات استخباراتية أميركية أن الصين قد تتجه إلى الاستيلاء على تايوان بحلول عام 2027، كما أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق حول الجزيرة خلال أبريل (نيسان) الماضي.
تأخر في بناء السفن
في خطابه أمام الـ"كونغرس" خلال مارس (آذار) الماضي، أكد ترمب أن إدارته تريد إنشاء مكتب جديد لبناء السفن بهدف إنتاج مزيد من السفن التجارية والعسكرية والحد من الهيمنة الصينية على هذه الصناعة بعدما سبقت الصين أميركا قبل أعوام في تصنيع السفن البحرية بصورة أسرع وبكلفة أقل، فبين عامي 2014 و2023 دشنت البحرية الصينية 157 سفينة، بينما دشنت الولايات المتحدة 67 سفينة فحسب، وفقاً لمحلل الدفاع الأميركي توم شوغارت، مما جعل الأسطول البحري الصيني هو الأكبر في العالم بعدد 730 سفينة، من بينها 50 غواصة تقليدية، و13 غواصة نووية في الأقل، على رغم أن البحرية الأميركية تقول إن جودة وكفاءة سفنها التي يبلغ عددها 295 سفينة وغواصة لا تزال أفضل.
ووفقاً لمكتب الموازنة في الـ"كونغرس" تراجع بناء السفن البحرية الأميركية في بعض المؤشرات الرئيسة، فخلال العقد الأول من القرن الـ21 أصبحت الغواصات الهجومية التي كان بناؤها يستغرق ستة أعوام تتطلب حالياً تسعة أعوام، وحاملات الطائرات التي كانت تستغرق ثمانية أعوام تتطلب الآن 11 عاماً.
ويعود تراجع معدلات بناء السفن الحربية في الولايات المتحدة إلى مجموعة من العوامل، منها قلة عدد بناء أحواض السفن والبيروقراطية والتعديلات المتعددة التي تضاف إلى التصميمات، فضلاً عن ارتفاع كلف الصلب في ظل حرب تجارية مستمرة، وتفتقر الولايات المتحدة إلى صناعة وبناء سفن تجارية، مما يعني أن السفن العسكرية لا تستطيع مشاركة سلاسل التوريد لعدد من المكونات المتشابهة، أو للمواد الخام أو العمال.
الفرقاطة "كونستليشن"
من بين الأمثلة الصارخة على تأخير بناء السفن الأميركية تقفز الفرقاطة البحرية "كونستليشن" كدليل واضح، إذ بدأ تشييدها في حوض بناء سفن داخل ولاية ويسكنسن عام 2020 لتجهيزها بأسلحة متطورة للحماية من غواصات العدو وصواريخه وطائراته المسيرة، وكان من المتوقع أن تكون جاهزة للإبحار في المياه المفتوحة عام 2026، بعد اختيار الولايات المتحدة تصميماً جربته من قبل شركة بناء السفن الإيطالية "فينكانتيري أف سي تي".
غير أن البحرية الأميركية بدأت في إجراء تعديلات عدة من بينها إطالة الهيكل بمقدار 24 قدماً لاستيعاب مولدات أكبر، وأعيد تصميمه جزئياً لأن التصميم كان مبنياً على الظروف المناخية المعتدلة نسبياً في البحر المتوسط، وتغيير المروحة لتحسين الأداء الصوتي.
وبلغت التعديلات مدى بعيداً لدرجة أن السفينة التي كان من المفترض أن تشترك ضمن 85 في المئة من تصميم شركتها الأم الإيطالية، لم تعد تشترك الآن سوى في 15 في المئة فحسب، وفقاً لكبير المحللين في شؤون القوات البحرية والأسلحة في مكتب الموازنة بالـ"كونغرس" إريك لابس.
وكانت النتيجة مثل معظم السفن البحرية الأميركية الأخرى، تأخرت "كونستليشن" عن الجدول الزمني بأعوام، وبعد ثلاثة أعوام لم يكتمل المشروع إلا بنسبة 10 في المئة.
وبهذه الوتيرة، بما في ذلك عامان من وقت التصميم قبل بدء البناء، سيُنتهى من بناء السفينة خلال تسعة أعوام، أي ما يقارب ضعف المدة التي استغرقها حوض بناء سفن إيطالي، ومن المتوقع أن تزيد كلفة "كونستليشن" وهي الأولى من بين نحو 20 سفينة جديدة يتوقع بناؤها، بما لا يقل عن 600 مليون دولار عن تقديرها الأصلي البالغ 1.3 مليار دولار.
لا إقبال على سفن أميركا
يفسر بطء إنتاج سفينة "كونستليشن" وكلفها الإضافية عدم رغبة أية دولة تقريباً في شراء سفن حربية أميركية جديدة، حتى في ظل تدافع الحلفاء للحصول على طائرات مقاتلة أميركية وأسلحة أخرى.
في المقابل، فإن معظم الدول المنافسة الأخرى أسرع في البناء، ومن بين 20 فرقاطة مختلفة صنعت أخيراً أو من المقرر الانتهاء منها قريباً داخل 10 دول مختلفة، شُيدت جميعاً أو ستُبنى خلال وقت أقل من "كونستليشن" الأميركية باستثناء واحدة فحسب، وبينما تعد الفرقاطات هي السفن الحربية متوسطة الحجم المستخدمة في حرب الغواصات والتي ترافق السفن الأكبر حجماً، فإن بناء الولايات المتحدة للمدمرات، وهي السفن الحربية الأكبر والمجهزة بأسلحة ثقيلة، أبطأ أيضاً من الدول الأخرى.
ومع عدم مواجهة الطائرات المقاتلة الأميركية وبعض أنظمة الصواريخ نوع المنافسة الدولية الذي تواجهه شركات بناء السفن الأميركية، أصبحت طائرة "أف35" من شركة "لوكهيد مارتن" أكثر الطائرات المقاتلة طلباً في العالم، ويحظى نظام الدفاع الصاروخي "باتريوت" وأسلحة أميركية أخرى بسجل طلبات أجنبية لأعوام مقبلة، لكن السفن الأميركية حديثة البناء نادراً ما تتفوق على نظيرتها الأوروبية والكورية الجنوبية عند البيع في الخارج.
مع ذلك يرى نائب مساعد وزير البحرية لشؤون البحث والتطوير بريت سيدل أن شركات بناء السفن الأميركية تنتج سفناً حربية مخيفة، وهي الأعلى جودة والأكثر أماناً وتطوراً في العالم، مشيراً إلى أنه من بين الدول القليلة القادرة على بناء حاملات طائرات، تعد الولايات المتحدة أكبر المنتجين للحاملات التي تعمل بالطاقة النووية، ولا يزال كثير من الأسلحة والتكنولوجيا المستخدمة فيها رائدة عالمياً.
تحديات ضخمة
لكن الهدف الأخير للبحرية الأميركية يتمثل في زيادة عدد السفن القتالية من 295 سفينة حالياً إلى 390 سفينة بحلول عام 2054، ومع الأخذ في الاعتبار السفن التي ستحال إلى التقاعد خلال تلك الفترة، ستحتاج أحواض بناء السفن الأميركية إلى إنتاج كميات أكبر بكثير مما أنتجته خلال الأعوام الـ10 الماضية وإطالة عمر السفن الموجودة بالفعل، وفقاً لتقرير صادر عن مكتب الموازنة في الكونغرس خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، بينما تشير بعض التقديرات إلى أن الولايات المتحدة في حاجة إلى مضاعفة معدل إنتاجها تقريباً، ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن تبلغ كلفة بناء السفن نحو 40 مليار دولار سنوياً على مدى الـ30 عاماً المقبلة، وهو ما يزيد بنسبة 17 في المئة عن تقديرات البحرية.
وإذا لم تواصل البحرية الأميركية انتشارها المعهود في دوريات مستمرة موزعة على 18 منطقة بحرية في العالم، وتضمن أمن كل نقطة محورية بحرية عالمية، فإن الظروف التجارية والاقتصادية على هذا الكوكب، التي تحسنت بصورة كبيرة منذ الحرب العالمية الثانية بفضل القوة البحرية الأميركية، قد تكون مهددة بحسب ما يقول متخصصون في الاستراتيجية البحرية الأميركية، إذ إن العالم الذي أنشأته واشنطن ليس هو العالم الذي ترغب بكين وموسكو العيش فيه، لإدراكهما أنه لم يعد بإمكان البحرية الأميركية الدفاع عن حرية الملاحة في البحار والمحيطات بعدما انخفض عدد السفن الحربية الأميركية من 6000 سفينة عام 1945 إلى 295 سفينة خلال الوقت الراهن.
تدرك الولايات المتحدة أهمية القوة البحرية حول العالم، إذ يتحرك الآن 80 في المئة من التجارة العالمية من حيث الحجم و70 في المئة من حيث القيمة من طريق البحر، كما أن نحو 95 في المئة من بيانات الاقتصاد العالمي بين القارات تجري عبر الكابلات البحرية، فيما تتزايد عمليات التنقيب عن الطاقة والموارد الخام والتعدين من قاع البحار والمحيطات، ولهذا تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على مكانتها العالمية كقوة بحرية رائدة، لكن التحديات هائلة والتنافس مع الصين يحتدم يوماً بعد يوم من حيث عدد القطع البحرية والتكنولوجيا المستخدمة فيها، وستكشف الأعوام القليلة المقبلة من سيفوز في صراع الهيمنة على البحار.