ملخص
أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن بأن انشغال حكومته بمفاوضات السلام مع مصر، التي قادت إلى أول معاهدة سلام بين إسرائيل ودولة عربية، صرف أنظار تل أبيب عن الخطر المتنامي في طهران.
في لحظة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط الحديث، كان بإمكان قرار استخباراتي واحد أن يغير مسار المنطقة برمتها. قرار رفضه الموساد الإسرائيلي، على رغم طلب مباشر من آخر رئيس وزراء في عهد الشاه، شابور بختيار، يقضي باغتيال مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني قبيل عودته من باريس إلى طهران، مطلع عام 1979.
اليوم، وبعد مرور أكثر من 46 عاماً على تلك اللحظة، وفي خضم حرب مفتوحة واشتباك مباشر بين إسرائيل وإيران، تعود صحيفة "جيروزاليم بوست" لتفتح هذا الملف من جديد، مستعرضة وقائع تلك الفرصة التي لم تُستغل، والتبعات الإقليمية والعالمية التي نتجت منها.
فهل كان اغتيال الخميني سيمنع ولادة نظام الجمهورية الإسلامية، الجار المزعج وغير المنضبط؟ وهل أخطأت إسرائيل في تقدير حجم التهديد الذي كان يتربص بها؟ أم أن لحظة القرار كانت أكبر من قدرة الاستخبارات وحدها على حسم المسار؟ أسئلة تعود بقوة إلى واجهة النقاش الإسرائيلي اليوم، بينما تتسارع الأحداث نحو مواجهات قد تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
بعد أكثر من أربعة عقود على قيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، أعادت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية تسليط الضوء على فصل بالغ الأهمية ورد في مذكرات إليعازر تسفرير، آخر ممثل لجهاز "الموساد" في طهران قبيل انهيار نظام الشاه (البهلوي)، وهو ما عدته الصحيفة تقديراً استخباراتياً خاطئاً غيَّر مسار الشرق الأوسط.
في كتابه "الشيطان الأكبر، الشيطان الأصغر"، يروي تسفرير تفاصيل لقاء جمعه بشابور بختيار آخر رئيس وزراء في عهد الشاه، شتاء عام 1979، بعد أيام قليلة من مغادرة محمد رضا بهلوي لإيران. وخلال اللقاء، توجه بختيار بسؤال مباشر لممثل الموساد في طهران، هل بإمكان الجهاز اغتيال روح الله الخميني، الذي كان آنذاك في باريس يقود الحملة لإسقاط النظام الملكي؟
نقل تسفرير الطلب إلى مدير الموساد في حينه إسحاق حوفي، إلا أن الأخير رفض تنفيذ العملية لأسباب أخلاقية وسياسية. وشارك هذا الموقف عدد من كبار المسؤولين في الجهاز، الذين اعتقدوا أن نظام الشاه لا يزال يملك ما يكفي من القوة لمواجهة الخميني داخلياً، وأشاروا إلى أن تنفيذ عملية اغتيال في فرنسا لم يكن صعباً من الناحية الاستخباراتية.
أبلغ تسفرير الجنرال ناصر مقدم رئيس جهاز "السافاك" برفض الموساد الرسمي، بعد نقاشات داخلية جرت في تل أبيب. وتشير الروايات إلى أن حكومة بختيار قدمت الطلب ذاته إلى قوى غربية أخرى، لكنها قوبلت بالرفض أيضاً.
وقال تسفرير ضمن تصريح لاحق لصحيفة "جيروزاليم بوست"، "لم يكن واضحاً، لو كنا نفذنا ذلك الطلب وانكشف عن أن الموساد وراءه، هل كان العالم سيدرك أصلاً أننا أنقذناه من أي خطر؟"
لاحقاً، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن بأن انشغال حكومته بمفاوضات السلام مع مصر، التي قادت إلى أول معاهدة سلام بين إسرائيل ودولة عربية، صرف أنظار تل أبيب عن الخطر المتنامي في طهران. وكان الرئيس الأميركي جيمي كارتر يضغط خلال الوقت نفسه على شاه إيران لإجراء إصلاحات داخلية، بينما يركز على إنجاح الوساطة بين مصر وإسرائيل.
وكان محمد رضا بهلوي الذي أقام علاقات بحكم الأمر الواقع مع إسرائيل مقرباً من الرئيس المصري أنور السادات، وداعماً لاتفاق السلام بين القاهرة وتل أبيب، لكن تقارب البلدين جاء خلال وقت كانت فيه أسس حكم الشاه تتهاوى تحت وقع احتجاجات شعبية في أنحاء مختلفة من البلاد.
بعد مغادرة الشاه، أبقت إسرائيل على عدد محدود من موظفيها ودبلوماسييها ضمن ما كان يعرف رسمياً بـ"المكتب التجاري الإسرائيلي" لدى طهران، والذي كانت تعده فعلياً سفارة لها. أما آلاف الإسرائيليين الذين كانوا يعملون في مشاريع اقتصادية وتجارية داخل إيران، غادروا البلاد خلال الأشهر الأخيرة من حكم الشاه على متن آخر رحلات طيران "العال" بين طهران وتل أبيب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحتى بعد عودة الخميني من باريس، بقيت مجموعة صغيرة من الإسرائيليين في إيران، قبل أن يتمكنوا من مغادرتها بمساعدة من الولايات المتحدة وكندا. وكان من بينهم إليعازر تسفرير والسفير الإسرائيلي داويد هرميلين اللذان التقيا حينها السيد محمد بهشتي أحد كبار قادة النظام الجديد، ومع ذلك تمكنا من مغادرة البلاد.
وتأتي إعادة نشر هذه الرواية اليوم، في خضم تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، وسياق الحديث داخل الدوائر الإسرائيلية عن احتمالات استهداف قادة النظام الإيراني الحالي وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي. وتحدث وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس أخيراً وبصورة صريحة عن إمكانية استهداف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، مما يعيد إلى الأذهان السؤال، ماذا لو وافق الموساد عام 1979 على اغتيال الخميني؟ وهل كان الشرق الأوسط سيتخذ مساراً مختلفاً تماماً؟
هذا ولا شك في أن تنفيذ الموساد عملية اغتيال روح الله الخميني داخل باريس، بناءً على طلب شابور بختيار، كان من شأنه أن يغير مسار المشهد السياسي داخل إيران، ومن ثم في الشرق الأوسط بأسره. فاغتيال الخميني آنذاك كان سيربك المعسكر الثوري ويفكك مركز الثقل الذي التفت حوله مختلف التيارات القومية والسياسية الإيرانية، وربما كان سيمنع قيام نظام الجمهورية الإسلامية من الأساس.
بالتالي، كانت المنطقة العربية قد تتفادى تصدير الثورة الإيرانية، وظهور الميليشيات الطائفية وعدد من الانقسامات والصراعات التي أججتها سياسات "إيران الثورة" لاحقاً.