Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخراب غير المسبوق في غزة

لماذا لم تحقق سياسة الاقتصاص من المدنيين مكاسب استراتيجية

بعد غارة جوية إسرائيلية ليلية على مدينة غزة، أغسطس 2025  (داود أبو الكاس / "رويترز")

ملخص

الحرب في غزة غير متكافئة وتزرع الدمار ولا تحصد مكاسب استراتيجية

بعد مرور نحو 700 يوم على الحرب في غزة، بلغت حصيلة الضحايا في القطاع مستويات صادمة، فقد تحولت مناطق واسعة من القطاع إلى ركام جراء القصف المكثف، بينما تسبب الحصار الخانق بمجاعات جماعية ووفيات بسبب الجوع. ووفقاً لوزارة الصحة التابعة لحركة "حماس" في غزة، التي لا تميز في إحصاءاتها بين مدنيين ومقاتلين تابعين لها، فقد قتل أكثر من 61 ألف فلسطيني، وأصيب أكثر من 145 ألفاً بجروح خطرة.

لكن الأعداد الحقيقية للضحايا قد تكون أعلى بكثير من تلك المعلنة، إذ لا تشمل الأرقام الرسمية آلاف الجثث التي لا تزال تحت الأنقاض، ولا أولئك الذين لم تنقل جثامينهم إلى المشارح، ولا الوفيات غير المباشرة الناتجة من انهيار البنية التحتية وغياب الخدمات الصحية، وانتشار الأمراض والمجاعة. ففي فبراير (شباط) 2025 نشرت مجلة "ذا لانسيت" الطبية تحليلاً موسعاً استند إلى مصادر متنوعة، منها سجلات النعي، وخلص إلى أن العدد الرسمي للوفيات المباشرة جراء الحرب في غزة، أقل بنسبة 41 إلى 107 في المئة من الواقع، من دون أن يشمل الخسائر غير المباشرة المرتبطة بانهيار النظام الصحي، وغياب مياه الشفة والغذاء وغياب الرعاية الطبية.

وتفيد تقديرات معدي الدراسة بأن الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 26 ألف فلسطيني إضافي، مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي قد يتجاوز 120 ألفاً، مما يرفع الحصيلة الإجمالية المحتملة للضحايا إلى نحو 186 ألف قتيل. وبناء على هذه المعطيات، فإن ما بين خمسة إلى 10 في المئة من سكان القطاع قبل اندلاع الحرب، البالغ عددهم مليونان و200 ألف نسمة، قد لقوا حتفهم بحلول نهاية يوليو (تموز) 2025. وتعد هذه الخسائر البشرية المروعة غير مسبوقة من حيث الحجم، وتعتبر الحملة الإسرائيلية في غزة المثال الأكثر فتكاً على استخدام دولة ديمقراطية غربية سياسة العقاب الجماعي ضد المدنيين كأداة من أدوات الحرب.

كثيراً ما اعتبر القادة والمفكرون أن الديمقراطية تمثل حصناً منيعاً ضد أسوأ ممارسات الأنظمة الاستبدادية، ولا سيما في ما يتعلق بالتوسل بالعنف والقسوة لإخضاع الشعوب. وقد دافعت الولايات المتحدة وسائر الديمقراطيات الغربية - بما فيها إسرائيل - طويلاً عن الديمقراطية، باعتبارها شرطاً لا غنى عنه لصون الحقوق الأساسية، وضمان رفاه الأفراد، وترسيخ السلام العالمي. غير أن إسرائيل - وهي الدولة التي كثيراً ما تباهت بمبادئها الديمقراطية - عندما تنتهك بهذه الطريقة الصارخة أسس القيم والمعايير الديمقراطية، فإنها تقوض جوهر الحكم الديمقراطي نفسه.

قد يدعي المدافعون عن إسرائيل أن سقوط ضحايا مدنيين هو أمر لا مفر منه في معركة ضد عدو إرهابي متغلغل بين السكان المدنيين، لكن الوقائع على الأرض - بدءاً من استهداف الأطفال برصاص القناصة، إلى القصف المتواصل للمنازل والبنى التحتية المدنية، ووصولاً إلى فرض الحصار على سكان القطاع وتجويعهم، إلى جانب تصريحات عدد من المسؤولين الإسرائيليين - تكشف عن أن الحرب التي تشنها إسرائيل لا تستهدف "حماس" وحدها، بل تطاول مجمل سكان القطاع.

وهذا ما خلصت إليه أيضاً هيئات دولية عدة ومنظمات تدافع عن حقوق الإنسان، بل إن الفكرة القائمة على إمكان القضاء على "حماس" بالقوة العسكرية وحدها، ليست سوى "وهم"، بحسب ما قاله هذا الأسبوع الرئيس السابق لجهاز "الأمن العام الإسرائيلي" (شاباك) يورام كوهين. ومع استمرار معاناة المدنيين في غزة، تكون إسرائيل قد بددت ما تبقى لها من موقع أخلاقي، من دون أن تحقق أي مكسب استراتيجي يذكر.

في المقابل، قد يرى بعض منتقدي إسرائيل أن ممارساتها في حق الفلسطينيين تنزع عنها صفة الدولة الديمقراطية، إلا أن هذا الطرح يتجاهل أبعاد السلوك الإسرائيلي في قطاع غزة، فإسرائيل لا تزال تحتفظ بالمقومات المؤسسية التي ترتكز إليها النظم الديمقراطية، من حكم الغالبية إلى المشاركة الواسعة للمواطنين في انتخابات حرة، وهي سمات كثيراً ما ارتبطت بالديمقراطيات الغربية. كما أن جهات مستقلة مثل منظمة "فريدوم هاوس" Freedom House، (وهي مؤسسة غير ربحية تدافع عن قضايا الديمقراطية والحرية السياسية) لا تزال تصنف إسرائيل ضمن خانة الدول الديمقراطية.

لكن ما يثير الصدمة حيال ما يحدث في غزة لا يقتصر على حجم الدمار، بل يكمن في أن الحكومة الإسرائيلية تستطيع، بكل صدق، الزعم بأن سياساتها تعبر عن إرادة غالبية مواطنيها، فالمذبحة الجارية في غزة ليست نتاج استبداد أو شعبوية متطرفة، بل تجري تحت غطاء ديمقراطي. وهو ما يجعل لهذه الحملة تداعيات خطرة، لا على مستقبل أمن إسرائيل فحسب، بل على جوهر الديمقراطية وقيمها في العالم أجمع.

في ضوء التاريخ

في كتابي بعنوان "القصف للفوز"  Bombing to Winالصادر في عام 1996، درست كل حملة عسكرية في القرن الـ20، استخدمت القوة الجوية بهدف معلن، هو إلحاق الأذى بالسكان المدنيين. فقد بلغ عدد هذه الحملات 40، شملت الحرب الأهلية الإسبانية، وحرب فيتنام، وحرب الخليج عام 1991.

ومن بين تلك الحملات الـ40، لم تسجل سوى خمس حملات فقط معدلات وفيات في صفوف المدنيين تجاوزت واحداً في المئة من إجمالي عدد السكان. أربع من هذه الحملات وقعت خلال الحرب العالمية الثانية أو في سياقها: غزو اليابان للصين (1937- 1945)، وغزو ألمانيا النازية لبولندا (1939- 1945)، وقصف الحلفاء وغزوهم لألمانيا (1939- 1945)، وقصف الولايات المتحدة لليابان واحتلالها (1942-1945)، أما الحملة الخامسة فتمثلت في الغزو السوفياتي لأفغانستان بين عامي 1979 و1988.

وحين المقارنة بين مختلف هذه الحملات، يعد الهجوم الذي شنته ألمانيا النازية على بولندا الأكثر دموية، وأسفر على مدى ستة أعوام، عن مقتل أكثر من 20 في المئة من السكان قبل اندلاع الحرب. وتفاقمت هذه الحصيلة بطبيعة الحال، بسبب المحرقة والإبادة الجماعية التي راح ضحيتها ملايين اليهود البولنديين في أحياء الأقليات (الحارات أو الغيتوهات) ومعسكرات الاعتقال.

قبل حرب غزة، كانت أشد حالات العقاب المدني دموية، التي مارستها دولة ديمقراطية غربية، هي قصف الحلفاء والغزو البري لألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، الذي أسفر عن مقتل ما بين اثنين في المئة وأربعة في المئة من إجمالي السكان. وهي نسبة تفوق حتى القصف الأميركي بالقنابل الحارقة والضربات النووية على اليابان، التي أودت بحياة نحو واحد في المئة من السكان اليابانيين. وتشمل التقديرات الخاصة بألمانيا أعداد القتلى الذين سقطوا على يد كل من القوات الغربية والسوفياتية، إلى جانب الوفيات المباشرة وغير المباشرة (كما في الدراسة التي أجرتها مجلة "ذا لانسيت" عن غزة).

سواء وصف ما يجري في غزة بأنه "إبادة جماعية" أم لا، لا يمكن لأي مراقب عاقل أن يغفل عن حجم الدمار الهائل الذي لحق بالفلسطينيين في القطاع، فإلى جانب الخسائر البشرية والمعاناة الجماعية، تكشف الوقائع عن مستوى غير مسبوق من الخراب المادي، بحيث أظهرت تحليلات صور أقمار اصطناعية أجرتها وسائل إعلام مستقلة يمكن الوثوق فيها، مثل "ذا إيكونوميست" و"فاينانشال تايمز"، أن ما لا يقل عن 60 في المئة من المباني و90 في المئة من المنازل في غزة، تعرضت لدمار كلي أو لأضرار جسيمة. وطاولت آلة التدمير جميع جامعات غزة الـ12، ونحو 80 في المئة من مدارس القطاع ومساجده، إضافة  إلى عدد من الكنائس والمتاحف والمكتبات. أما المستشفيات، فلا يعمل أي منها بطاقته الكاملة، فيما لا يزال 20 فقط من أصل 36 مستشفى قيد التشغيل الجزئي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مع ذلك، وعلى رغم هذا المشروع التدميري الهائل، لا تزال إسرائيل بعيدة البعد كله من تحقيق هدفها المعلن بالقضاء على "حماس"، فالحركة لا تزال تحظى بشعبية ملموسة بين الفلسطينيين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية. وعلى رغم تراجع قدراتها العسكرية، فإنها لا تزال قادرة على تجنيد عناصر جدد لتعويض خسائرها، بل إن بعض التقارير تشير إلى أنها استقطبت أكثر من 10 آلاف مقاتل منذ اندلاع الحرب. وهكذا، فإن المستويات المفرطة من العنف التي ألحقتها إسرائيل بالشعب الفلسطيني، لم تحقق المكاسب الاستراتيجية التي وعد بها القادة الإسرائيليون.

في المقابل، يظل التبرير الأخلاقي لإيذاء المدنيين موضع شك دائم، حتى عندما يزعم أن هذا العنف يخدم هدفاً استراتيجياً. أما في حال غياب مثل هذا الهدف، فإن السند الأخلاقي ينهار بالكامل. واليوم، تجد إسرائيل نفسها في موقع أخلاقي لا يمكن الدفاع عنه. وبدلاً من الاستمرار في مسار يثير سخطاً عالمياً متزايداً، ويفاقم الضغوط الاقتصادية، ويزيد احتمالات اندلاع عنف في المستقبل، فإن عليها أن تعيد النظر في نهجها، وتبحث عن بدائل لحملتها التي تسفر عن موت الجماعي في قطاع غزة.

نهاية استراتيجية

لجأت الدول على مر التاريخ إلى معاقبة السكان المدنيين بقسوة، في محاولة للضغط على المجتمعات المحلية ودفعها إلى الانقلاب على الحكومات المعادية أو الجماعات الإرهابية، إلا أنه حتى العقاب المدني الشديد  نادراً ما حقق الأهداف المرجوة. بل غالباً ما كان يأتي بنتائج عكسية، مما أدى إلى ما كنت أطلقت عليه  "تأثير بيرل هاربور" Pearl Harbor Effect: أي تعاظم دعم المجتمع المدني المستهدف لتلك الجهة نفسها، سواء كانت حكومة أم جماعة إرهابية محلية.

في يونيو (حزيران) 2024، كتبت في مجلة "فورين أفيرز" أن حركة "حماس" باتت من نواح معينة، أقوى مما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صحيح أن الضربات الإسرائيلية ألحقت أضراراً فادحة بقيادة الحركة، ودمرت جانباً كبيراً من بنيتها التحتية، لكن بحسب بيانات استطلاعات الرأي الأكثر موثوقية آنذاك، فإن الدعم الشعبي لـ"حماس" في قطاع غزة والضفة الغربية بقي مستقراً أو شهد ارتفاعاً. وبصورة عامة، بدا أن مصدر قوة حركة "حماس"، أي قدرتها على تعويض خسائرها البشرية عبر تجنيد مقاتلين جدد، قد تعزز بالفعل. وبحلول شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2025، كشف مسؤولون أميركيون عن أن الحركة جندت ما يقرب من 15 ألف مقاتل جديد منذ بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية في عام 2023، وهو رقم يفوق الخسائر التي كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قدرتها للحركة، التي تفاوتت ما بين 11 ألفاً و13 ألف مقاتل.

تجد إسرائيل نفسها اليوم في مأزق أخلاقي لا يمكن تبريره، فمنذ مطلع العام الحالي، تسارعت سلسلة من التطورات اللافتة، أبرزها انهيار وقف إطلاق النار الذي دام نحو شهرين في مارس (آذار)، وتصعيد الحصار الإسرائيلي، وتشديد القيود على دخول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية إلى القطاع، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي تطاول جميع سكان غزة، إلى جانب إعلان إسرائيل عزمها السيطرة على ما لا يقل عن 75 في المئة من أراضي القطاع، وقد تحدث بعض القادة الإسرائيليين علناً عن فكرة التهجير الكامل للفلسطينيين من غزة.

في المقابل، صعدت حركة "حماس" من استخدام تكتيكات حرب العصابات، كالكمائن والتفجيرات التي تستهدف الجنود الإسرائيليين داخل غزة، غير أنها لم تتمكن من الدفاع بصورة فعالة عن القطاع وسكانه في وجه الهجمات الإسرائيلية.

في الأشهر الأخيرة، أفادت تقارير إعلامية بقيام تظاهرات متفرقة في غزة ضد حركة "حماس"، مما يشير إلى وجود حال من التذمر لدى بعض الفلسطينيين من سلوك الحركة وأدائها. مع ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن الحركة لا تزال تحظى بشعبية واسعة في صفوف الفلسطينيين، سواء في القطاع أم في الضفة الغربية. وحتى الآن، لم يؤد الحجم غير المسبوق للحملة العسكرية الإسرائيلية إلى دحض الافتراضات التي كنت انطلقت منها في تحليلي الأساسي.

لا يمكن في الواقع تقييم قوة حركة "حماس" وفق المعايير نفسها التي يقاس بها التوازن العسكري بين إسرائيل وخصومها من الدول، ففي النزاعات بين الدول يعد التفوق العسكري عاملاً حاسماً بالنسبة إلى كل طرف، فعادة ما تنخرط الجيوش في معارك مباشرة وواسعة النطاق للسيطرة على الأراضي، أو فرض الهيمنة الجوية، أو تأمين الوصول إلى مناطق متنازع عليها. ويقاس نجاح هذه العمليات بمؤشرات رئيسة، مثل عدد المقاتلين، وحجم الترسانة العسكرية، ومستوى الدعم الاقتصادي. من هنا، لو كانت هذه العوامل وحدها تحكم طبيعة الصراع بين "حماس" وإسرائيل، لكانت الحرب انتهت منذ زمن بعيد، إذ إن إسرائيل تتفوق على الحركة بصورة ساحقة في جميع مؤشرات القوة العسكرية التقليدية.

إلا أنه بعد مرور ما يقرب من عامين على الحرب، لا تزال "حماس" تبسط قدراً من النفوذ في قطاع غزة يتيح لها إخفاء الرهائن الإسرائيليين، وتكبيد القوات الإسرائيلية خسائر متواصلة، ويوضح هذا الصمود أن القوة الحقيقية للحركة تتخطى نطاق مقاييس التوازنات العسكرية التقليدية.

ديمومة "حماس"

تخوض الجماعات الإرهابية، مثل "حماس"، حروبها بأساليب تقوم على غياب التكافؤ، فهي نادراً ما تسعى إلى السيطرة على أراض أو خوض معارك عسكرية واسعة النطاق. وبدلاً من ذلك، تركز على استنزاف خصومها عبر وسائل أخرى، أبرزها حرب العصابات التي تستهدف جنود العدو بأعداد محدودة وعلى فترات طويلة، إضافة إلى تنفيذ هجمات ضد أهداف مدنية. وغالباً ما يكون الهدف الأساس لتلك الجماعات، هو إلحاق أكبر مقدار ممكن من الأذى بالمدنيين الأكثر ضعفاً.

ونظراً إلى كون هذه الجماعات الإرهابية أضعف بكثير من خصومها من الدول من حيث المؤشرات العسكرية التقليدية، فإنها تدرك مسبقاً أنها ستتكبد خسائر فادحة كلما طال أمد الصراع. ونتيجة لذلك، فإن المقياس الحقيقي لقدرتها على الصمود يكمن في قدرتها على تعويض خسائرها البشرية بمقاتلين جدد. وفي حالة "حماس"، تبدو هذه القدرة على الصمود واضحة في الأعداد، فوفقاً لتقديرات الجيش الإسرائيلي، بلغ عدد مقاتلي الحركة في مطلع عام 2025 نحو 23 ألف عنصر، وهو عدد يوازي تقريباً ما قدرته إسرائيل لحجم الحركة قبل أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.

إن في استطاعة "حماس" تجنيد مقاتلين جدد، لأنها لا تزال تحظى بدعم شعبي. ويعد استطلاع الرأي العام الطريقة الأمثل لمعرفة حجم الدعم الذي تحظى به بين الفلسطينيين، أما أفضل الاستطلاعات المتاحة التي استهدفت السكان الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وأكثرها صدقية، فكانت بإشراف "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" Palestinian Center for Policy and Survey Research (PSR)، وهو مركز مستقل غير ربحي، تأسس في عام 1993 عقب توقيع "اتفاقات أوسلو"، ويتعاون مع باحثين ومؤسسات إسرائيلية.

وكان تحليلي الذي نشرته في يونيو (حزيران) عام 2024، قد استند إلى نتائج هذه الاستطلاعات لعامي 2023 و2024، لكن عند إضافة أحدث البيانات الصادرة في شهر مايو (أيار) من عام 2025، تظهر  نتيجة ملفتة للنظر، مفادها بأن حركة "حماس" اليوم تحظى بدعم شعبي يفوق ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول). فعلى سبيل المثال، أصبحت الحركة أكثر شعبية من منافستها السياسية الرئيسة، حركة "فتح"، التابعة لـ"منظمة التحرير الفلسطينية"، والمهيمنة على السلطة الفلسطينية. في سبتمبر (أيلول) عام 2023، كانت "فتح" تتقدم على "حماس" بفارق أربع نقاط (26 في المئة في مقابل 22 في المئة). أما في استطلاع مايو (أيار) 2025، فانقلبت المعادلة وأصبحت "حماس" تتقدم على "فتح" بفارق 11 نقطة (32 في المئة في مقابل 21 في المئة).

هذا التحول في المزاج الشعبي نحو "حماس" يبدو أكثر وضوحاً في الضفة الغربية، إذ تضاعف الدعم لحركة "حماس" هناك، وارتفعت نسبة التأييد للهجمات المسلحة ضد مدنيين إسرائيليين، بما فيها هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 - من 48 في المئة في يونيو (حزيران) عام 2023، إلى 59 في المئة في مايو (أيار) عام 2025.

أما في غزة، فعلى رغم الحجم الهائل للمعاناة التي لحقت بسكان القطاع منذ عملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، ظل الدعم لـ"حماس" مستقراً إلى حد كبير. ففي سبتمبر (أيلول) عام 2023، كانت الحركة تتقدم على "فتح" في غزة بفارق 13 نقطة (38 في المئة في مقابل 25 في المئة)، وفي مايو (أيار) 2025 كانت النسبتان متقاربتين: "حماس" تتفوق على فتح بفارق 12 نقطة (37 في المئة في مقابل 25 في المئة). والمؤشر الوحيد الذي يظهر أثر الحملة العسكرية الإسرائيلية على اتجاهات الرأي العام هو تراجع التأييد بين سكان غزة للهجمات على المدنيين الإسرائيليين، الذي انخفض من 67 في المئة في سبتمبر (أيلول) عام 2023، إلى 37 في المئة في مايو (أيار) من عام 2025.

 

لكن استطلاعات الرأي تشير بوضوح إلى أن إسرائيل لم تنجح في قطع الصلة التي تربط بين سكان غزة وحركة "حماس"، فالدعم الشعبي للحركة إما بقي ثابتاً أو ازداد، فيما ظل استعداد الفلسطينيين للانخراط في الهجمات ضد المدنيين الإسرائيليين مرتفعاً بما يكفي لتلبية احتياجات "حماس" من المقاتلين الجدد، على رغم الحملة العقابية الأكثر وحشية التي نفذتها دولة ديمقراطية غربية في التاريخ. وتكمن المفارقة المأسوية هنا في أن إسرائيل، ومن أجل أمنها، لم تتمكن من القضاء على العنصر الأهم الذي يمكن "حماس" من تنفيذ هجوم كبير في المستقبل: ويتمثل في القاعدة الواسعة من المقاتلين المستعدين للمواجهة، والموت دفاعاً عن القضية.

قد تكون شعبية "حماس" الراسخة عاملاً في اتساع رقعة العنف خارج قطاع غزة، ومع تكثيف القوات الإسرائيلية غاراتها على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، أصبحت المنطقة الآن أشبه ببرميل بارود. فالضفة الغربية تضم نحو مليونين و700 ألف فلسطيني و670 ألف مستوطن إسرائيلي يعيشون على مقربة من بعضهم بعضاً. ومن المرجح أن تسهم الخطط الإسرائيلية الأخيرة لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وخطاب شخصيات يمينية متطرفة تدعو إلى ضمها إلى إسرائيل، في صب الزيت على هذه النار المحتملة.

لن تنجح النية الإسرائيلية المعلنة بالسيطرة على ما لا يقل عن 75 في المئة من قطاع غزة، ومن ثم حصر سكانه في رقعة ضيقة، في فصلهم عن حركة "حماس". فمع دفع الفلسطينيين نحو هامش جغرافي ضيق، ستنتقل "حماس" ببساطة معهم، ولن تكون هذه الخطة أكثر فاعلية من محاولات التهجير السابقة التي أجبرت السكان على التنقل داخل القطاع من منطقة إلى أخرى، بل إن مثل هذه الإجراءات لن تؤدي إلا إلى تعميق معاناة المدنيين، وإلى تزايد عدد المتشددين.

في الواقع، ستؤدي مثل هذه الإجراءات الإسرائيلية إلى تعميق معاناة المدنيين، وإلى إنتاج مزيد من المتشددين. ويمكن أن تمضي إسرائيل أبعد من ذلك بطرد سكان غزة إلى صحراء سيناء، غير أن مثل هذا الإجراء الجذري من شأنه أن يغذي احتمالات حدوث أعمال انتقامية في المستقبل ضد الإسرائيليين. أما العنصر الأكثر خطورة على الأمن الإسرائيلي على المدى الطويل، فيكمن في أن طرد سكان غزة من أراضيهم، سيجعل إسرائيل عرضة لاتهامات بارتكاب تطهير عرقي، ما من شأنه أن يقوض أي أساس أخلاقي يمكن الاستناد إليه في دعمها دولياً.

إن العمليات العسكرية التي تؤدي - عن قصد أو غير قصد - إلى مستويات غير مسبوقة من الوفيات بين المدنيين، تفضي في نهاية المطاف إلى تعقيد المشهد الأمني بالنسبة إلى إسرائيل، وتحولها إلى موطن أقل جذباً لليهود، وهدفاً أكثر عرضة للانتقام. وبدلاً من هذا المسار التصعيدي، ينبغي على إسرائيل أن تعيد رسم حدود أمنية جديدة تفصل بين التجمعات السكانية الإسرائيلية والمدنيين الفلسطينيين في غزة، بما يضمن للفلسطينيين مساحة كافية لإعادة بناء حياتهم، ويسمح بتدفق المساعدات الإنسانية والاقتصادية إلى القطاع من دون عوائق، مع العمل بالتوازي مع الحلفاء الدوليين على تطوير ترتيبات سياسية بديلة، تخرج قطاع غزة من دائرة سيطرة "حماس" أو الهيمنة الإسرائيلية المباشرة.

الأثمان الاستراتيجية للأفعال اللاأخلاقية

منذ تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948، استند جزء كبير من الدعم الدولي لها، إلى الاعتراف بأن اليهود كانوا ضحايا أسوأ إبادة جماعية في التاريخ، إلا أن الحرب في غزة أدت إلى تصاعد موجة من الإدانات الدولية المتزايدة التي تتهم إسرائيل بإلحاق أذى متعمد بالمدنيين، وارتكاب فظائع جماعية، لا بل حتى جرائم إبادة جماعية.

وقد أصدرت "المحكمة الجنائية الدولية" مذكرات توقيف تلزم نحو 125 دولة - منها فرنسا والمملكة المتحدة - باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي وأعضاء آخرين في حكومته إذا دخلوا أراضيها. حتى داخل إسرائيل، بدأت أصوات بارزة تطالب بتصحيح المسار، بحيث رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت أن أفعال إسرائيل في غزة تصل إلى مستوى "جريمة حرب"، قائلاً: "إن ما نقوم به في قطاع غزة الآن هو حرب تدميرية، تتمثل في قتل عشوائي غير محدود، ووحشي، وإجرامي في حق المدنيين".

ومع تحول إسرائيل إلى دولة منبوذة على المستوى العالمي، وتزايد المقاومة لحكمها في غزة، فإن هذا النطاق غير المسبوق من العقاب الجماعي للمدنيين لن يكون من شأنه سوى تقويض أمن إسرائيل على المدى البعيد.

وقد بدأت دول غربية عدة اتخاذ خطوات لتأديب إسرائيل، بما في ذلك الانضمام إلى الغالبية الساحقة من دول العالم في الاعتراف رسمياً بدولة فلسطينية، وهي خطوة قد تمهد لتدخل إنساني واسع النطاق في غزة، وفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل. وعلى رغم أن من غير المرجح أن تسلك الولايات المتحدة هذا المسار، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتسم بالتقلب. فقد سبق أن ناقض كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأكد أن تجويع سكان غزة يجب أن يتوقف.

كذلك تتسع الهوة داخل القاعدة السياسية لترمب في شأن إسرائيل، بحيث صرحت النائبة الأميركية مارجوري تيلور غرين، وهي من أبرز "الجمهوريين" اليمينيين المتشددين، بأن إسرائيل ترتكب فعلاً إبادة جماعية في غزة، مستخدمة خطاباً كثيراً ما ارتبط باليسار. وقد تنشأ في الولايات المتحدة تحالفات تكتيكية بين عناصر من أقصى اليمين وأخرى من أقصى اليسار، تسعى إلى تقليص الدعم الأميركي لإسرائيل.

تعد إسرائيل الدولة الأقوى عسكرياً في الشرق الأوسط، وقد حققت خلال الأعوام الأخيرة سلسلة من الانتصارات على خصومها، إلا أنها في نهاية المطاف، تبقى دولة صغيرة محاطة بخصوم إقليميين، وتعتمد في بقائها واستقرار اقتصادها على علاقات وثيقة مع كبرى الديمقراطيات الغربية.

لكن تلك العلاقات باتت مهددة، في ظل مواصلة إسرائيل شن إحدى أشرس حملات العقاب الجماعي التي تنفذها دولة ديمقراطية غربية في حق مدنيين. حملة لم تحقق هدفها المعلن بالقضاء على حركة "حماس"، بل أفضت إلى اتساع دائرة أعداء إسرائيل وتعميق عزلتها الدولية.

في ضوء ذلك، يجدر بصناع القرار في إسرائيل أن يتساءلوا بجدية حول ما إذا كانت هذه السياسات اللاأخلاقية المستمرة في غزة، تستحق الكلفة الباهظة التي قد تتحملها الدولة على المدى البعيد؟

روبرت أنطوني بايب هو أستاذ في العلوم السياسية ومدير مشروع "الأمن والتهديدات"Security and Threats في "جامعة شيكاغو"، ومؤلف كتاب "القصف للفوز: القوة الجوية والإكراه في الحرب" Bombing to Win: Air Power and Coercion in Wa

 

مترجم من فورين أفيرز آب /أغسطس 2025

اقرأ المزيد

المزيد من آراء