ملخص
نشاط وزخم واتفاقات عدة بين إثيوبيا والجزائر، ماذا يمثل التطور في علاقات البلدين للمنطقة وللهموم الأفريقية المشتركة؟
لفتت العلاقة المتنامية بين أديس أبابا والجزائر الأنظار تجاه توظيف البلدين لعلاقاتهما في ظل ما يمثلانه من أهمية وما يواجهانه من قضايا، وتأتي الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس في أغسطس (آب) الجاري إلى الجزائر ضمن دلالات الزخم المتنامي في علاقات البلدين، كذلك كانت زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الجزائر في الـ28 من أغسطس 2022 أول زيارة رسمية له في الخارج بعد فوز حزبه بالانتخابات وتوليه منصبه في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وعلى رغم طابع التكتم الذي تبعها (لم يعلن عنها سابقاً)، فإنها كانت بداية انطلاقة متجددة مهدت لتعزيز شراكة متنامية بين البلدين.
علاقات البلدين اللذين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات تمثلت بداية في جوانب تاريخية مشتركة لما لهما من أدوار لعباها على المستوى الأفريقي لحل نزاعات المنطقة الأفريقية، كما تجمع البلدين رغبات مشتركة في الاستفادة من علاقات تساعد في تلبية أهدافهما، فإثيوبيا ترى في الجزائر دولة عربية ذات وزن اقتصادي وسياسي إلى جانب مكانتها الإقليمية، ويمثل الدور الذي لعبته في الحرب الإثيوبية - الإريترية (1998-2000)، والتوصل بالطرفين إلى اتفاق الجزائر في ديسمبر (كانون الأول) 2000، اعترافاً دولياً إقليمياً بمكانتها المرموقة في المجتمع الدولي.
وضمن رصيدها الدبلوماسي رحبت الجزائر بالتوقيع على اتفاق السلام بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، وشجعت طرفي الاتفاق على التطبيق الفعلي له شكلاً ومضموناً.
العلاقة الحديثة بين البلدين بدأت من منطلق سياسي وتحرري خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فبعد استقلال الجزائر عام 1962 اكتسبت العلاقة بعداً دبلوماسياً وسياسياً لما كان لإثيوبيا من مكانة إقليمية ودولية على عهد الإمبراطور هيلاسلاسي (1930-1974) في دعم حركات التحرر الأفريقية، وشارك زعماء البلدين لاحقاً (هيلاسلاسي والرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين) ضمن الآباء الأفارقة المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، التي تحولت لاحقاً إلى الاتحاد الأفريقي، وتوحدت جهودهما تجاه الرؤية المشتركة في مجابهة الاستعمار والعمل على دعم حركات التحرر في القارة.
وفي مقابلة خاصة مع وكالة الأنباء الإثيوبية، كان سفير الجزائر لدى إثيوبيا محمد الأمين لاباس سلط الضوء على الصداقة الطويلة الأمد بين إثيوبيا والجزائر، مؤكداً "أن هذه الرابطة التاريخية تعمقت بمرور الوقت، حيث يقدم كلا البلدين الدعم المتبادل ويتعاونان لمواجهة التحديات السياسية المشتركة"، مضيفاً أن "الشراكة امتدت إلى التبادل الثقافي، وهو ما يمثله كثير من الطلاب الإثيوبيين الذين يتابعون تعليمهم في الجزائر"، ووفقاً للسفير، يعد التعاون الاقتصادي محوراً رئيساً، مع وجود إستراتيجية مشتركة تركز على التجارة والاستثمار والعلاقات الشعبية.
تطورات مرتقبة
وفي ظل أزمة سد النهضة الممتدة بين إثيوبيا ومصر والسودان، تنظر إثيوبيا إلى صداقتها مع الجزائر كعامل مهم في أي تطورات مرتقبة، إلى جانب اعتبارات كسب بُعد عربي يشكل لها دعماً وتوازناً في علاقاتها بالمحيط العربي، فضلاً عن الاستفادة من الخبرات الجزائرية في كثير من الجوانب العلمية والتكنولوجية، فخطت علاقات البلدين خطوات متقدمة ضمن ما تراه الجزائر بدورها في شأن الاستفادة من مكانة إثيوبيا كمقر للاتحاد الأفريقي وواجهة لكثير من الهيئات الدولية، إلى جانب فرص الاستثمار المتاحة في إثيوبيا كدولة أفريقية تحظى بفرص عدة.
تبنى البلدان شراكة إستراتيجية اقتصادية وسياسية وعلمية، عقب الزيارة الأولى التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي، والتي وصفها وزير الخارجية الجزائري رمضان العمامرة بأنها "حيوية لبناء تعاون متعدد الأبعاد"، إذ رافقها كثير من الاتفاقات بين الجانبين، ترجمت أخيراً في بروتوكول التعاون الثنائي الذي تم توقيعه خلال الاجتماعات الوزارية المشتركة في 2023-2024، وشمل الاقتصاد والتجارة والصناعات الدوائية والنقل الجوي والبحري والزراعة والتعليم العالي والتدريب الفني والتعاون الأمني والدبلوماسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هدف البروتوكول الثنائي إلى تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون الاقتصادي في كافة النواحي، لا سيما التجارة والصناعة والبحث العلمي، وأثمر كذلك تدشين الخط الجوي المباشر بين الجزائر وأديس أبابا الذي افتتح في سبتمبر (أيلول) 2023 كثاني خط طيران أفريقي مباشر مع الجزائر بعد خط "الجزائر- جوهانسبرج" في جنوب أفريقيا.
وشملت زيارة وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طمنتيوس إلى الجزائر، محادثات مع وزير الشؤون الخارجية والأفريقية الجزائري أحمد عطاف، استعرضت التقدم المحرز في تنفيذ القرارات الرئيسة التي تم الاتفاق عليها خلال الدورة الخامسة للجنة الوزارية المشتركة بين البلدين، التي انعقدت في أديس أبابا خلال أبريل (نيسان) الماضي، كما تبادل الطرفان وجهات النظر حول قضايا السلام والأمن على الصعيدين القاري والإقليمي، واتفقا على ضرورة تعزيز التعاون الاقتصادي، وأكد الوزيران على عمق الشراكة الإستراتيجية بين إثيوبيا والجزائر، والتزامهما المشترك بتعزيز دور الاتحاد الأفريقي على الساحة العالمية.
السيادة الأفريقية
وضمن امتداها تمثل إرادة التحرر التي جمعت البلدين خلال عقود ماضية، حافزاً مشتركاً لكثير من التوجهات والآمال السياسية، فإثيوبيا حريصة على التقارب السياسي داخل الاتحاد الأفريقي في مختلف القضايا المتعلقة بالسيادة القارية، ويرافق الحديث المتكرر عن السيادة إشارات تجاه الاعتماد على الاتحاد كوجهة رئيسية تلجأ إليها الدول الأفريقية لحل مشكلاتها.
وكان وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، أكد أن الجزائر وإثيوبيا تربطهما علاقات "قوية ونموذجية" تتماشى مع قيم ومبادئ ومثل الوحدة السياسية الأفريقية والتكامل الاقتصادي للقارة.
وأبرز عطاف، خلال ترؤسه مع نظيره الإثيوبي أعمال الدورة الخامسة للجنة المشتركة الجزائرية - الإثيوبية في أديس أبابا، أنه "طالما ارتبطت الجزائر وإثيوبيا بعلاقات قوية ونموذجية لا تنال رضا الطرفين وحسب، بل القارة الأفريقية بأكملها".
عن تنامي العلاقات بين إثيوبيا والجزائر، يقول رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد، إنها "تشهد تطوراً إيجابياً خلال العقود الثلاثة الماضية، وبعد وصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للسلطة قبل سبعة أعوام انتقلت العلاقات الإثيوبية – الجزائرية، من مستوى الدبلوماسية إلى الشراكة الإستراتيجية لتعزيز التعاون والتكامل بين البلدين في مجال التنمية الاقتصادية من جهة، والقضايا الإقليمية الأفريقية والعربية والدولية من جهة أخرى".
ويشير إلى أن "إثيوبيا والجزائر دولتان محوريتان في أفريقيا، إذ تعتبر أثيوبيا دولة محورية في شرق أفريقيا، وعاصمتها أديس أبابا مقر الاتحاد الأفريقي ومركز الدبلوماسية الأفريقية، بينما تعتبر الجزائر دولة محورية في شمال القارة، وكونها دولة أفريقية عربية فإن لها دوراً مهماً في بناء الجسور الثقافية والدبلوماسية وتعزيز التعاون والتكامل بين أفريقيا والعالم العربي لتحقيق المصالح المشتركة، وعليه هناك فرص كبيرة وأبعاد عدة لإثيوبيا والجزائر في توظيف هذه العلاقة المتنامية بين البلدين ليلعبا دوراً مهماً في تحقيق أجندة الرؤية الأفريقية 2063، وكذلك في التأثير على رسم وصناعة القرارات الإقليمية والدولية من أجل الدفاع عن المصالح الأفريقية والعربية المشتركة في المحافل الدولية، وبخاصة إيجاد مقعد لأفريقيا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".
وحول ما تشكله تلك العلاقات من قلق لجهات إقليمية منافسة، يقول أحمد إن "إثيوبيا الجديدة تحررت من عزلتها التاريخية عن محيطها العربي والشرق أوسطي، وهو ما كان سبباً في التجاذبات بينها ومصر، والسياسات الخاطئة للحكومات المصرية التي اختزلت العلاقات الإثيوبية - العربية في أزمة مياه النيل ومشروع سد النهضة، بعيداً من المصالح والروابط الإقليمية المشتركة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً".
ويوضح "إثيوبيا اليوم تتبنى سياسة (صفر مشكلات) مع الدول المجاورة في القرن الأفريقي، وكذلك مع الدول العربية، وتسعى إلى إيجاد منفذ بحري على البحر الأحمر للأغراض التجارية والأمنية، وذلك لكي يكون لها دور في حفظ أمن البحر الأحمر جنوباً، فأمن المنطقة يتقاطع مع مصالح الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر من جهة، وكذلك مع مصالح القوى الإقليمية والدولية في تأمين التجارة الدولية عبر باب المندب من جهة أخرى".
ويضيف أن "العلاقات الإثيوبية - الجزائرية لا تشكل تهديداً لمصر أو المغرب أو دول أخرى في العالم العربي أو الأفريقي، بقدر ما تعزز العلاقات الثنائية والمصالح الأفريقية والعربية وتوحد المواقف في القضايا الدولية، إن إثيوبيا بثقلها السياسي وموقعها الجيوإستراتيجي في أفريقيا تتمتع بعلاقات وثيقة مع دول الخليج ودول عربية أخرى في إطار تطوير الشراكة الإستراتيجية بين الدول الأفريقية والعربية وتعزيز الروابط ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً".
أنماط التحالفات
أستاذ العلوم السياسية ومؤسس ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية عصام عبدالشافي يقول إن "العلاقات بين إثيوبيا والجزائر في غاية الأهمية، فإثيوبيا دولة كبيرة ولا يمكن نكران دورها في منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي لاحقاً)، إلى جانب أنها الدولة الأكبر من حيث عدد السكان بعد كل من نيجيريا ومصر، لذا تمثل ثقلاً بشرياً كبيراً، وأيضاً ثقلاً سياسياً وإستراتيجياً في منطقة شرق أفريقيا، كذلك الجزائر لديها دور إستراتيجي شديد الأهمية في القضايا الأفريقية وفي منظمة الوحدة الأفريقية، وتعاون الدولتين يصب في مصلحتهما بصورة كبيرة، وبخاصة في ظل التحولات الإستراتيجية التي تشهدها القارة الأفريقية، والتنافس على النفوذ بين كل من الولايات المتحدة والصين على المنطقة".
ويعتقد عبدالشافي أن "أسباب تنامي العلاقات في هذا التوقيت مرتبطة بطبيعة التحولات في المنطقة من جانب، وبالتوجهات الإستراتيجية للولايات المتحدة في هذه المنطقة من جانب آخر، فمع مطلع عام 2025 جرت تحولات مهمة على مستوى توقيع عدد من الاتفاقات بين الجزائر والولايات المتحدة، التي اتجهت أيضاً إلى تعزيز دورها في إثيوبيا، ويمكن أن يكون ذلك دافعاً لتعزيز الشراكة بين الدولتين في ما يتعلق بطبيعة الدور الأميركي وما يسعى إلى تحقيقه من مصالح في هذه المرحلة داخل القارة الأفريقية".
وحول التبعات، يوضح "بطبيعة الحال فإن أي تعزيز للعلاقة بين الجزائر وأية دولة من القوى الإقليمية ينظر إليه نظرة ليست إيجابية من المغرب، وكذلك الحال بالنسبة إلى مصر، فأي تحرك نحو تعزيز العلاقات مع إثيوبيا ينظر إليه نظرة سلبية، لذا في حال تعزيز العلاقات بين الجزائر وإثيوبيا يمكن أن يكون ذلك في المنظور الإستراتيجي لكل من المغرب ومصر غير مرحب به، لكن لا أعتقد أن الدولتين يمكن أن تكون لهما سياسات مناهضة أو متحفظة على هذا التحرك بصورة كبيرة، خصوصاً أن إثيوبيا ترتبط بعلاقات جيدة مع المغرب، وكذلك الحال بالنسبة إلى الجزائر ومصر".
ويوضح عبدالشافي، أن "الجزائر في مرحلة من المراحل عرضت أن تكون وسيطاً في ملف سد النهضة، لذا هي حريصة على التوازن في علاقاتها الإستراتيجية بين مختلف الأطراف، ومصر بالنسبة إلى النظام الجزائري دولة مهمة، لذلك لا أعتقد أن هذا التقارب بين إثيوبيا والجزائر يمكن أن تكون له أو تترتب عليه ردود أفعال سلبية من الأطراف ذات الصلة، وأخص هنا المغرب ومصر".
وفي ما يتعلق بالأبعاد المرتقبة والمسارات المستقبلية، يقول "من وجهة نظري هي ليست مرهونة بحجم العلاقة بين الطرفين أو قوتها فقط، ولكن الأمر مرهون بدرجة الاستقلالية في صنع السياسة الخارجية للدولتين، وكذلك بمواقف الأطراف الدولية وأقصد هنا الولايات المتحدة، وإلى أي مدى يمكن أن تسمح الأخيرة لهذه الأطراف والقوى الإقليمية بتعزيز الحضور وتفعيل العلاقات، ولدينا كثير من التجارب التي لعبت فيها الولايات المتحدة دوراً معوقاً في علاقاتها بمختلف الأطراف".