ملخص
تسعى الروائية منى الشرافي تيم إلى سرد رؤية قيامية في روايتها "أقدار مشفرة" ("ضفاف" و"الدار العربية للعلوم ناشرون") ترى فيها القضاء على رموز الشر في العالم، وتستشرف مستقبلاً زاهراً للعالم العربي "بفضل ثرواته البشرية المتمثلة في شبابه، وموارده العظيمة الموجودة في أراضيه".
لعل هذه الرؤية التي تحملها "أقدار مشفرة" هي حصيلة تضافر الجهود بين مجموعة من الخوارق البشرية وأخرى من الكائنات الفضائية، مما يترتب عليه تطهير الأرض من الشر ورموزه، والتمهيد لمرحلة أخرى يسود فيها السلام والوئام. على أن هذا التضافر يتم في إطار قدري، تلعب فيه الأقدار دوراً كبيراً في تسيير الناس الذين يظنون أنهم يصنعون أقدارهم بأنفسهم بينما هم، في الحقيقة النهائية، من صنع القدر.
"أقدار مشفرة" رواية خيال علمي تجري أحداثها في زمن تاريخي ومكان جغرافي، فيشكل الواقعي فضاء للمتخيل، الأدبي والعلمي، وتتجاور في الرواية مجموعة من المتضادات، يتحرك بينها مكوك السرد ليصنع النسيج الروائي، من قبيل: العلم/ الإيمان، القدر/ الإرادة، التخيير/ التسيير، الطبيعة/ التكنولوجيا، الإنسان/ الآلة، العالم الحقيقي/ العالم الموازي، الأرض/ الفضاء، وغيرها. وهي متضادات فرعية تندرج تحت أخرى رئيسة هي، الخير/ الشر، وهذه المتضادة كثيراً ما شغلت الرواية التقليدية بحيث يندلع الصراع بين طرفيها، وغالباً ما ينتهي بانتصار الخير على الشر. على أن ما يميز رواية "أقدار مشفرة" عن تلك التقليدية هو تناول الصراع من منظور تكنولوجي حديث، فتتمحور أحداثها حول ثيمة التكنولوجيا واستخداماتها، وهي ثيمة حديثة بطبيعة الحال، والتكنولوجيا سلاح ذو حدين، قد يدمر وقد يطور، والأمر يتوقف على الجهة المستخدمة لهذا السلاح. وهو ما نقرؤه في الرواية من خلال بعديها، الواقعي والمتخيل، والعلاقة بينهما.
تمظهرات واقعية
تتمظهر الواقعية في "أقدار مشفرة" في الزمن التاريخي الذي تجري فيه الأحداث، ويمتد بين عامي 2017 و2026، أي إنه يشمل الماضي والحاضر والمستقبل. ولا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الكاتبة تحدد تاريخ حصول بعض الأحداث باليوم والشهر والسنة، مما يجعل النص يقترب من التأريخ، وهو قد ينتقص من روائية الحدث في الرواية الواقعية فكيف في رواية الخيال العلمي؟ على أن الخلفية التاريخية للأحداث الروائية تراوح ما بين ثورة الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وجائحة كورونا، وتفجير مرفأ بيروت، والحرب على غزة، وحرب الإسناد، وغيرها. وتتمظهر الواقعية أيضاً في المكان الروائي فتجري الأحداث في أماكن جغرافية معروفة. وتتوزع على لندن ومانشستر وبيروت ونيويورك وكاليفورنيا والصين. وإذا كانت الكاتبة قد حددت الزمن بالدقة المشار إليها آنفاً، فإن تحديد المكان غالباً ما بقي في الإطار العام، واقتصر على المدن الكبرى، ونادراً ما تم ذكر التفاصيل، من حي وشارع ومبنى، مما قد ينتقص من واقعية المكان الروائي. وتتمظهر الواقعية أيضاً في بعض الشخوص والأحداث. غير أن هذه الواقعيات، الزمنية والمكانية والحدثية، تندرج في مناخ الخيال العلمي الذي يطغى على "أقدار مشفرة".
تمظهرات الخيال العلمي
يتمظهر الخيال العلمي في الرواية في الشخوص والأماكن والأحداث، فالشخوص مجموعة من الخوارق، يتحدرون من جنسيات مختلفة، يمتلكون مهارات علمية عالية ومتنوعة، يتمتعون بحس إنساني مرهف، ويدخلون في علاقات وثيقة بحيث يشكلون أسرة واحدة في السراء والضراء. والشخوص أيضاً مجموعة من الكائنات الفضائية التي تستدرجها المجموعة الأولى، وتقيم معها علاقات صداقة وتعاون لما فيه خير البشرية. ولعل التخيل العلمي يكمن في العلاقة الأسرية الوثيقة التي تنشأ بين أفراد المجموعة الأرضية وتتخطى العلاقة الأسرية البيولوجية، من جهة، وفي العلاقة بين المجموعتين الأرضية والفضائية، من جهة ثانية. والأماكن تتمثل في القصر الفيكتوري القديم في مانشستر المجهز بأحدث المختبرات العلمية الذي يلتقي فيه الخوارق دوريا، وفي الكوكب الفضائي الصناعي على شاطئ كاليفورنيا. والأحداث تتمثل في المشاريع البحثية التي تعمل عليها المجموعة، من قبيل: اختراع إنسان آلي يقرأ أفكار الآخرين، واختراع إنسان آلي يكتشف الألغام والمتفجرات، وبناء كوكب صناعي يصلح لاستقبال الكائنات الفضائية، وغيرها.
جنسيات متعددة
هذه التمظهرات تجترحها مخيلة منى الشرافي تيم الخصبة لتقول بضرورة استخدام التكنولوجيا في مصلحة البشرية، فتتخيل أسرة من الخوارق من جنسيات متعددة، تتألف من طلاب في مقتبل العمر، يجري اختيارهم من المتفوقين في مسابقة علمية، يشرف عليها البروفيسور البريطاني الثري المتحدر من أصول عراقية ناظم البصري وزوجته البروفيسورة آماليا، ويؤمن لهم فرصة الدراسة في لندن والإقامة في قصره الفيكتوري القديم في مانشستر المزود بكل وسائل الراحة والبحث العلمي، فيشكل المختار والمختارون أسرة علمية غير بيولوجية تتبادل الحب والوفاء، وتعيش أواصر الانتماء إلى العلم، وتسعى إلى توظيف التكنولوجيا في محاربة الشر ونشر الخير، وهكذا، تنتمي إلهام اللبنانية وشام السورية وعبدالله العراقي ونائل الأردني وأليشا الصينية إلى أسرة علمية واحدة، يلعب فيها البروفيسور وزوجته دور الأبوين الروحيين والعلميين لأفراد الأسرة. والمفارق أن الروابط بينهم تتفوق على الروابط التقليدية بين أفراد الأسر البيولوجية، فيجمع بينهم أخوة العلم وزمالة التفوق ورابطة الإنسانية وشراكة البنوة الروحية والعلمية لربي الأسرة، وهو ما ترجم من خلال اللقاءات الدورية والأبحاث المشتركة والأهداف الواحدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبذلك، تتخيل تيم أسرة نموذجية، مثالية، غير موجودة في عالم الواقع. وتلغي الفوارق القومية واللغوية والدينية بين أفراد المجموعة، فيشكلون إخوة في الإنسانية والعلم، ويعبرون عن هذه الأخوة في مختلف محطات حياتهم. على أن هذه الأسرة من الخوارق تكبر، مع نمو الأحداث، فينضم إليها وليد الفلسطيني الأصل، وكوهين الإسرائيلي - الفلسطيني الأصل، وتشونغ يو رئيس الحراس في الشركة، وتيا صديقة نائل. وجميع هؤلاء يمثلون الجانب الخير من الثنائية الرئيسة في الرواية، ويدخلون في المشاريع التي تشرف عليها شركات تكنولوجيا الغد، ومن شأنها أن تعود بالخير على البشرية جمعاء. وتنشأ عن هذا التوسع مشاريع حب بين: إلهام ووليد، نائل وتيا، كوهين وأليشا. يؤتي الأول منها ثماره المرجوة، ويبقى الآخران قيد الإثمار.
في المقابل تمثل وكالة الاستخبارات الإرهابية المرخصة الجانب الشرير من الثنائية، وتقوم بتوظيف العملاء بهدف سرقة أسرار التكنولوجيا واستخدامها للاستحواذ على السلطة والقضاء على المنافسين. ويندرج في هذا الفريق سيلا زوجة وليد، وعمتها الألمانية، وأمه أليسون، وجاكوب مدير مقهى الكتب في ليفربول، وغيرهم.
أسباب ونتائج
في غمرة الصراع بين الجانبين، يكون لكل منهما أسلحته، فتلجأ الوكالة الإرهابية إلى القتل والخطف والسرقة والتجسس والابتزاز والتهديد والوعيد وسواها من الأساليب غير المشروعة. وتلجأ شركات تكنولوجيا الغد إلى البحث العلمي وجمع المعلومات وتبادل الأفكار واستخدام التكنولوجيا وبناء المنشآت العلمية والاستعانة بكائنات فضائية. ويتمخض الصراع عن تدمير الوكالة الإرهابية وتحولها إلى حمم بركانية، وإصابة عدد كبير من قادة محور الشر حول العالم بمرض غريب، وتحول أجساد أعضاء التنظيمات الإرهابية إلى كرات من نار، مما يشي بانتصار الخير على الشر، ويفتح التاريخ على مستقبل زاهر، يكون للعرب فيه موقعهم الطليعي. وبذلك، تصدر منى الشرافي تيم عن منظور روائي تقدمي يؤمن بانتصار الإنسان، ويبشر بنهوض العرب من سباتهم الطويل. ولعل تحدر شخوص الرواية من جنسيات متعددة والاستعانة بكائنات فضائية لمعاقبة الأشرار إحالة روائية إلى أن إنقاذ البشرية مما تتخبط فيه هي مسألة عالمية، وتحتاج إلى معجزة فضائية لتتحقق.