Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تسهم رمزية ألاسكا في إنجاح قمة ترمب – بوتين؟

تعكس تراثاً مشتركاً وقرباً جغرافياً وتاريخاً من الصراع وتوفر أيضاً ملاذاً للرئيس الروسي

ملخص

لم يكن اختيار ولاية آلاسكا لاستضافة قمة ترمب – بوتين محض صدفة، بل يحمل رمزية مهمة للبلدين، فتاريخ هذه الولاية الأميركية، الواقعة في أقصى شمال غربي البلاد، ووضعها الاستراتيجي، يرتبطان بروابط جغرافية وثقافية وثيقة مع روسيا، تمتد في تاريخ البلدين إلى قرون مضت، فقد كانت آلاسكا مستعمرة روسية منذ القرن الـ18، ثم بيعت للولايات المتحدة في مقابل 7.2 مليون دولار عام 1867 على يد القيصر ألكسندر الثاني، وهي الآن رمز للتاريخ المتشابك بين البلدين.

بينما ينتظر العالم نتائج القمة الأميركية - الروسية المرتقبة اليوم الجمعة في ألاسكا، في ظل خلافات واسعة حالت في السابق دون التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ومن بينها طبيعة تبادل الأراضي والقضايا الأمنية الأخرى العالقة، يراهن بعضهم على أن يشكل اللقاء الأول منذ سبعة أعوام بين الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين نقطة انطلاق لحلحلة المواقف المتصلبة بين موسكو وكييف، وإعادة ضبط العلاقات الروسية - الأميركية في الوقت نفسه، خصوصاً وأن اختيار مكان القمة في ولاية ألاسكا وداخل أكبر قاعدة عسكرية بها، حمل دلالات رمزية كبيرة يمكن أن تسهم في إنجاح القمة، فما هذه الدلالات؟ وعلى ماذا تنسحب عوامل النجاح والفشل؟ 

بين الأمل والفشل

في وقت تتطلع فيه الأنظار لقمة ترمب - بوتين التي ستنطلق اليوم الجمعة الساعة 11:30 صباحاً بالتوقيت المحلي في ألاسكا التي تستضيف اللقاء، أي 3:30 مساء بتوقيت واشنطن (10:30 مساء بتوقيت السعودية وشرق المتوسط)، تتزايد الآمال في تضع القمة اللبنة الأولى لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، وانطلاق ماراثون تفاوضي ينهي الخلافات العالقة بين البلدين المتحاربين، فقد وصف ترمب اللقاء بأنه اجتماع تمهيدي لمعرفة ما سيقدمه بوتين، ومدى جديته في تحقيق السلام، لكنه أبلغ أيضاً الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والقادة الأوروبيين أنه يأمل أن يوافق بوتين على وقف إطلاق النار، ومن الأفضل عقد اجتماع لاحق يضم زيلينسكي.
وعلى رغم أن ترمب أوضح أن روسيا وأوكرانيا وحدهما القادرتان على إبرام أي اتفاقات نهائية، إلا أن قمة الجمعة ستناقش شروط اتفاق سلام محتمل في أوكرانيا، في وقت يتزايد فيه قلق المسؤولين الأوروبيين والأوكرانيين من أن يقف ترمب إلى جانب بوتين في الاجتماع ويضغط على زيلينسكي لتقديم تنازلات كبيرة في موضوع الأراضي، إذ أثار بوتين بالفعل إمكان المطالبة بمنطقتين في أوكرانيا هما دونيتسك ولوغانسك، مع الحفاظ على المواقع التي تسيطر عليها روسيا حالياً في زابوريجيا وخيرسون.
لكن زيلينسكي المدعوم من القادة الأوروبيين واستطلاعات الرأي للشعب الأوكراني، رفض التنازل عن الأراضي التي لا تحتلها روسيا حالياً، وبخاصة في دونيتسك التي تشمل خط دفاعي مهم عجز الروس عن اختراقه، كما أن الإقليم يحتوي على مراكز ومدن صناعية مهمة، فضلاً عن تعقيدات لوجستية تتعلق بنحو 200 ألف أوكراني قد يضطرون إلى مغادرة أراضيهم إذا تنازلت أوكرانيا عن دونيتسك.
إضافة إلى ذلك، ما زالت هناك قضايا أخرى عالقة تتعلق بالضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف من أميركا وأوروبا، والرغبة في ترك الباب مفتوحاً لانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو مستقبلاً، وهو ما ترفضه موسكو التي تريد وضع قيود على تسليح أوكرانيا، وإزالة ما تصفه بالأسباب الجذرية للحرب، بل وترغب في الدفع بإجراء انتخابات في أوكرانيا تأمل بأن تأتي بقادة جدد موالين لها.
ومع ذلك، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الرئيس ترمب يأمل في التوصل إلى وقف جزئي للقتال لإفساح المجال للمفاوضات حول إنهاء الحرب بصورة كاملة، مؤكداً وجهة نظر ترمب بأن الولايات المتحدة ستعرف على الأرجح مبكراً جداً خلال الاجتماع ما إذا كان هناك شيء ممكن أم لا، فيما توقع الرئيس الأميركي أن احتمال فشل اجتماعه مع بوتين يبلغ 25 في المئة، معبراً عن اعتقاده في رغبة بوتين في إبرام صفقة لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

إعادة ضبط العلاقة

وفي حين أن القمة ستعالج بالأساس الصراع المستمر بين موسكو وكييف منذ أكثر من ثلاث سنوات، إلا أن موسكو أشارت إلى إمكان إعادة ضبط العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، وبخاصة في مجالي ضبط الأسلحة والتعاون الاقتصادي، اللذين من المرجح أن يكونا على جدول الأعمال، إذ صرح كبير المبعوثين الاقتصاديين للكرملين كيريل دميترييف، أن القمة تمثل فرصة لإعادة ضبط العلاقات الأميركية - الروسية إذا سارت الأمور على ما يرام.  
ولأن دميترييف الذي يشغل أيضاً منصب الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، يعد لاعباً رئيساً في حوار روسيا مع إدارة ترمب، وسيشارك في وفد الكرملين إلى ألاسكا، فذلك يشير إلى أن إبرام صفقات اقتصادية محتملة بين واشنطن وموسكو سيكون أيضاً على جدول الأعمال، خصوصاً وأن أول لقاء وجهاً لوجه بين الزعيمين سيعقد في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون العسكرية في أنكوريج التي تعد أكبر مدينة في ألاسكا، وهي الولاية التي كانت يوماً ما جزءاً من روسيا.

رمزية اختيار ألاسكا

لم يكن اختيار ولاية ألاسكا لاستضافة قمة ترمب – بوتين محض صدفة، بل يحمل رمزية مهمة للبلدين، فتاريخ هذه الولاية الأميركية، الواقعة في أقصى شمال غربي البلاد، ووضعها الاستراتيجي، يرتبطان بروابط جغرافية وثقافية وثيقة مع روسيا، تمتد في تاريخ البلدين إلى قرون مضت، فقد كانت ألاسكا مستعمرة روسية منذ القرن الـ18، ثم بيعت للولايات المتحدة في مقابل 7.2 مليون دولار عام 1867 على يد القيصر ألكسندر الثاني، وهي الآن رمز للتاريخ المتشابك بين البلدين، اللذين تضررت علاقاتهما بشدة منذ أن شنت روسيا هجومها على أوكرانيا عام 2022.

باع قيصر روسيا ولاية ألاسكا، لأن استغلال هذه المنطقة النائية في القرن الـ19 كان صعباً للغاية على الروس اقتصادياً، ولهذا رحب البلاط الإمبراطوري الروسي ببيعها في ظل معاناة البلاد الاقتصادية في ذلك الوقت، ومع ذلك فإن الحنين والسعر المنخفض لبيع ألاسكا يدفع الروس في وقت التوترات السياسية مع واشنطن إلى إعادة طرح النقاش حول صفقة البيع ومدى شرعيتها القانونية، إذ أصبحت الصفقة بالنسبة إلى الروس مؤسفة، بعدما تبين أن ما كان سابقاً مركزاً لتجارة الفراء فقط، يزخر الآن بموارد طبيعية حيوية مثل الذهب والنفط.
على سبيل المثال، عادت قضية ألاسكا للواجهة في يوليو (تموز) 2022، في خضم الحماسة الوطنية في روسيا ومع تصاعد التوترات بين موسكو وواشنطن عقب الهجوم على أوكرانيا، إذ تحدث فياتشيسلاف فولودين، رئيس مجلس الدوما (الغرفة السفلى في البرلمان الروسي)، عن استعادة أراضي ألاسكا، واصفاً الولاية بأنها أرض متنازع عليها، ومع ذلك يبدو أن السلطات الروسية غير مهتمة رسمياً باستعادتها، ففي عام 2014 سأل رجل متقاعد الرئيس بوتين عن إمكان ذلك، فأجاب: "عزيزي، لماذا تحتاج إلى ألاسكا؟"، مضيفاً أن المنطقة باردة جداً.
ولعل هذا السبب، هو ما دفع بعضهم في أوروبا إلى انتقاد قرار ترمب بإجراء محادثات حول الصراع الروسي - الأوكراني في ألاسكا، إذ عبر السفير البريطاني السابق لدى بيلاروسيا نايجل غولد - ديفيز عن مخاوفه من أن يجادل بوتين خلال اجتماعاته مع ترمب بأن الأراضي قابلة للتغيير، ومثلما أصبحت ألاسكا الروسية جزءاً من أميركا، قد يقول بوتين الذي سيكون أول رئيس روسي يزور أنكوريج: "لقد أعطيناكم ألاسكا، لماذا لا تستطيع أوكرانيا أن تعطينا جزءاً من أراضيها؟".

لماذا ألاسكا؟

وإضافة إلى عامل التاريخ هناك رمزية جغرافية للولاية الأميركية بالنسبة إلى روسيا، إذ تقع جزيرة "ديوميد الصغيرة" في ألاسكا على بعد أقل من ثلاثة أميال (4.8 كيلومتر) من جزيرة "ديوميد الأكبر" في روسيا، ويفصل بينهما مضيق بيرينغ، مما يظهر مدى القرب الجغرافي بين البلدين، ويعد قربها من روسيا والإرث المشترك، رمزاً قوياً لتاريخهما المتشابك وإمكان تجديد العلاقات الدبلوماسية.
غير أن للاختيار مغزى مهماً آخر، إذ يقدم المكان درعاً قانونياً للرئيس بوتين الذي وجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في عام 2023، وبالتالي فهو عرضة للاعتقال في نحو 125 دولة، ونظراً إلى مذكرة التوقيف الصادرة عن هذه المحكمة، لا يستطيع بوتين السفر إلى معظم دول العالم، لكن الولايات المتحدة لا تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مما يعني أن استضافة القمة في ألاسكا تجنب الزعيم الروسي أي تعقيدات قانونية محتملة، وهو بذلك يحذو حذو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي صدرت في حقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة واستضافته الولايات المتحدة قبل أسابيع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمان وخصوصية أكثر

هناك أيضاً سبب إضافي لاستضافة ألاسكا القمة، وهو توفير الأمن والعزلة المطلوبين لنجاح محادثات بمثل هذه الأهمية العالمية، إذ تعقد القمة في "قاعدة إلمندورف - ريتشاردسون" المشتركة، وهي أكبر قاعدة عسكرية في ألاسكا، التي تجمع بين قاعدة إلمندورف التابعة لسلاح الجو الأميركي، وقاعدة فورت ريتشاردسون التابعة للقوات البرية الأميركية، وهي قاعدة عسكرية نائية تضم بعضاً من أخطر الطائرات المقاتلة الأميركية وأكثرها تطوراً مثل طائرات "إف-22 رابتور"، وهي طائرة مقاتلة يقول سلاح الجو الأميركي إنها لا تضاهيها أية طائرة مقاتلة معروفة في الخدمة، بما يوفر أمناً وخصوصية استثنائيين.
وتقع القاعدة التي تضم أكثر من 32 ألف عسكري أي نحو 10 في المئة من سكان أنكوريج في جنوب وسط ألاسكا، وسط جبال خلابة وشامخة مغطاة بالثلوج، وبحيرات وأنهار جليدية، وتمتد على مساحة 13,130 فداناً مربعاً، وتضم أكثر من 800 مبنى، ومدرجين للطائرات، وأكثر من 150 ميلاً من الطرق.
واستقبلت القاعدة العسكرية زيارات لرؤساء أميركيين في القرن الـ21، فقد زارها ترمب مرات عدة في ولايته الأولى، كما زارها باراك أوباما في عام 2015، وخلال إقامته التي استمرت ثلاثة أيام، أصبح أول رئيس أميركي تطأ قدماه شمال الدائرة القطبية الشمالية، بينما زارها جو بايدن في عام 2023 لحضور مراسم إحياء ذكرى هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001.

تذكير بالحرب الباردة

للقاعدة جذور تعود للحرب الباردة، فقد كانت لها أهمية استراتيجية بالغة خلال الصراع الطويل بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وفقاً لمكتبة الكونغرس، كونها أقرب نقطة جغرافية بين القوتين العظميين آنذاك، وبلغت القاعدة أعلى مستوياتها على الإطلاق في عام 1957، إذ بلغ عدد الطائرات فيها ما يقرب من 200 طائرة مقاتلة موزعة على ثمانية أسراب. لكن مع التغيرات في طبيعة التهديد الناجم عن تطوير الاتحاد السوفياتي للصواريخ الباليستية العابرة للقارات، بدأ تقليص القوة الجوية في ألاسكا في أواخر خمسينيات القرن الماضي، إذ بحلول عام 1960 لم يكن لدى إلمندورف سوى سرب مقاتلات واحد، وهو سرب للمقاتلات الاعتراضية، لكن سرعان ما عادت قاعدة إلمندورف للصدارة في عام 1966، عبر تعزيز الطائرات المقاتلة بها حتى نهاية الحرب الباردة.
وفي أغسطس (آب) 1990، ونتيجة لإعادة تنظيم استراتيجي لقوات المحيط الهادئ، عادت القيادة الجوية في ألاسكا لجذورها، إذ أعيدت تسميتها بـ"القوات الجوية الـ11"، وأصبحت "إلمندورف" قاعدة للقوات الجوية في المحيط الهادئ مدعومة بطائرات "إف-15 إي سترايك إيغلز"، وهي مقاتلة الخط الأمامي للقوات الجوية.

من اليابان إلى روسيا

في خضم الحرب العالمية الثانية وقبل أن تهاجم اليابان الولايات المتحدة، بدأت قاعدة إلمندورف الجوية أعمالها في الثامن من يونيو (حزيران) 1940، إذ وصل إليها أول فوج مشاة من الجيش بعد وقت قصير من بدء العمل في المطار الجديد، لكن أول فرقة من سلاح الجو وصلت في الـ12 من أغسطس 1940.
أدى الهجوم الياباني على بيرل هاربور، في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1941، إلى اندفاع محموم لتعزيز القوات في ألاسكا التي كانت تتألف آنذاك من ست قاذفات متوسطة وعشرات من طائرات المطاردة، وبحلول فبراير (شباط) 1942 تضخم عدد القوات إلى أكثر من 3 آلاف رجل.

وفي محاولة لتوسيع خط جبهتهم من جزيرة ميدواي في المحيط الهادي إلى سلسلة جزر ألوشيان، قصف اليابانيون ميناء "داتش هاربور" في ألاسكا، وأنزلوا قوات لهم في "كيسكا" و"أتو" في غرب جزر ألوشيان في السادس من يونيو (حزيران) 1942، ومن هناك بدأت حملة الولايات المتحدة لاستعادة جزر ألوشيان التي استمرت حتى أغسطس 1943، إذ لعب مطار إلمندورف دوراً حيوياً كمركز لوجستي رئيس ومنطقة انطلاق للحرب الجوية في هذه الحملة الشرسة، التي جرت في ظل أسوأ الظروف الجوية خلال الحرب العالمية الثانية.
خلال سنوات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، ازدادت أهمية إلمندورف في الدفاع عن شمال غربي أميركا الشمالية، إذ بدأت مشاريع بناء ضخمة لاستبدال المرافق الموقتة التي تعود للحرب العالمية الثانية بأخرى دائمة.

ولا تزال هذه القاعدة حتى الآن بالغة الأهمية للبنية التحتية الدفاعية الشمالية الأميركية، إذ تتمثل مهمة القاعدة في الدفاع عن المصالح الأميركية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتشير تقارير من وزارة الدفاع الأميركية إلى أن هذه القاعدة تصدت مرات عدة لمحاولات الطائرات المقاتلة الروسية اختراق المجال الجوي الأميركي هناك خلال العقدين الماضيين، إذ فوجئ الطيارون الروس بطائرات "أف-22 رابتور" الشبحية التي لا تلتقطها أجهزة الرادار تحلق فوق رؤوسهم، مما يدفعهم للهرب فوراً.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات