ملخص
تعيش منطقة جنوب كردفان أوضاعاً إنسانية صعبة بينما تجري ترتيبات لإسقاط جوي للمساعدات على الأهالي، فيما رصد الشروع في إنشاء عاصمة إدارية جديدة للسودان لنقل مقار الحكومة من وسط الخرطوم.
أعلنت حركة "أطباء بلا حدود" اليوم الأربعاء تعليق عملياتها في المستشفى الوحيد للإحالات داخل إقليم دارفور، بعد هجوم مسلح أسفر عن مقتل شخص وجرح خمسة بينهم عامل صحي يعمل مع المنظمة الخيرية.
تفيد الأمم المتحدة بأن أكثر من 120 عنصر إغاثة قتلوا منذ اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" خلال أبريل (نيسان) 2023.
وأفاد منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان لوكا ريندا أمس الثلاثاء بأن "الحاجات الإنسانية في السودان بلغت مستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، يتعرض الأشخاص الذين يبادرون لتقديم المساعدة، وهم العاملون لدينا في مجال الإغاثة، لهجمات واعتقالات ومضايقات وحتى للقتل".
وهاجم المستشفى الواقع في زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور، أقارب مريض توفي متأثراً بجروح تعرض لها جراء طلق ناري. واشتبكوا مع مسلحين آخرين.
في الأثناء، انفجرت قنبلة يدوية أمام غرفة الطوارئ، مما أدى إلى سقوط ضحايا.
وتعد المنشأة مستشفى الإحالات الوحيد الذي يخدم سكان المنطقة البالغ عددهم نحو نصف مليون نسمة، والذين يعانون حالياً تفشي الكوليرا.
ويفيد اتحاد أطباء السودان بأن 90 في المئة من مستشفيات البلاد أجبرت على إغلاق أبوابها في مرحلة ما خلال الحرب. وتعرض عدد منها إلى القصف أو اقتحمها مقاتلون ونهبوا كل محتوياتها.
وأن الأطباء أنفسهم تعرضوا إلى هجمات وأجبروا على إجراء عمليات جراحية لمقاتلين تحت تهديد السلاح.
يواجه نحو 25 مليون شخص في السودان الجوع الشديد بعدما حرم الملايين من مساعدات يمكن أن تنقذ حياتهم.
وكثف الطيران الحربي للجيش السوداني أمس الثلاثاء من غاراته الجوية المتتالية على مواقع "الدعم السريع" بمناطق غرب بارا وكازقيل وأبو زبد والخوي والنهود والفولة، بولايتي شمال وغرب كردفان، التي ظلت تتمركز فيها منذ أشهر.
وأوضحت مصادر ميدانية أن سلسلة الغارات ضد مواقع تلك القوات أسفرت عن تحييد ما لا يقل عن 20 من عناصر "الدعم السريع"، وتدمير عدد من العربات القتالية بكامل عتادها.
حملة واستعدادات
وكشفت المصادر عن أن تصعيد الغارات الجوية يأتي ضمن الاستعدادات العسكرية للجيش والقوات الحليفة لإطلاق حملة عسكرية واسعة في محور كردفان، وفق خطة لتحرك ميداني كبير متعدد الجبهات وبأسلحة متنوعة وفعالة لاستعادة السيطرة على مدن الإقليم الرئيسة، وفتح الطريق القومي والتحرك نحو دارفور لفك الحصار عن مدينة الفاشر. وقبل خمسة أيام زار قائد الجيش عبدالفتاح البرهان منطقة رهيد النوبة التي يسيطر عليها الجيش بشمال كردفان، متفقداً سير العمليات الحربية، مؤكداً التحرك نحو دارفور وفك الحصار عن الفاشر. كما أجرى البرهان قبل يومين تغييرات في رئاسة هيئة أركان الجيش، وأحال عدداً من كبار ضباط الجيش إلى التقاعد، ورقى مكانهم آخرين.
توغل مزعج
وحذرت مصادر محلية مما سمته "التوغل المستمر والمزعج لعناصر الميليشيات في عمق الفاشر ووصولها إلى منطقة ديم سلك شرق المدينة والبحيرة جنوب السوق مباشرة"، بينما أكدت مصادر عسكرية أن قوات الجيش والمشتركة والمقاومة الشعبية قادرة على تأمين المدينة وحمايتها، مشيرة إلى تنفيذها أمس عمليات تمشيط ميدانية تمكنت خلالها من أسر ثلاثة عناصر من المرتزقة الكولومبيين وضبط طائرة مسيرة كانت معدة للهجوم على المدينة من المحور الجنوبي الغربي.
من جانبها أكدت قوات "الدعم السريع" على منصاتها بمواقع التواصل الاجتماعي أن قواتها حققت انتصارات جديدة في الفاشر بالسيطرة على سجن شالا القومي ومعسكر الاحتياط المركزي جنوب المدينة. أشارت كذلك إلى أن قواتها بالجبهة الجنوبية من مدينة الفاشر، التحمت مع قوات تحالف (تأسيس) على الجبهة الشرقية من المدينة.
تعمق المأساة
في الأثناء أضافت الأزمة الحادة في الدواء بعداً أكثر قتامة على مأساة سكان مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، التي باتت تواجه بجانب الجوع والكوليرا انعداماً تاماً للأدوية في ظل التزايد المستمر للحالات المرضية والإصابات وعجز الكوادر الطبية عن تقديم العلاج لها.
وأعربت "شبكة أطباء السودان" عن قلقها البالغ إزاء الوضع الصحي في الفاشر، حيث يواجه آلاف المواطنين خطر الموت نتيجة انعدام الأدوية الأساسية والمنقذة للحياة، محذرة من وقوع كارثة إنسانية نتيجة استمرار انعدام الإمدادات الطبية. وشدد بيان للشبكة على ضرورة تدخل عاجل من المنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية بالتنسيق مع السلطات المحلية، لفتح ممرات آمنة لإيصال المستلزمات الطبية.
ازدياد الأوبئة
وكشف التقرير الأسبوعي لغرفة الطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة بالولاية الصادر أمس الثلاثاء، عن زيادة في حالات الإصابة بالأوبئة وأمراض فصل الخريف.
وتشهد ولاية شمال دارفور ازدياداً مطرداً في معدلات الإصابة وتفشي وباء الكوليرا، إذ تجاوز إجمالي الحالات منذ تفشي المرض في دارفور 7161 حالة، وقفز عدد الوفيات إلى 306، وفق المنسقية العامة للنازحين بدارفور.
وأشار تحديث للمنسقية إلى أن الوباء امتد إلى مناطق طبرة وروبيا وتبسة، ومناطق أخرى بجبل مرة، بما في ذلك قولو وجلدو ودريبات وروكيرو وفينا ونيرتتي، بجانب معسكرات سورتوني وعطاش ودريج والسلام، إضافة إلى معسكري الحصاحيصا والحميدية بمدينة زالنجي بوسط دارفور.
تراجع المنظمات
من جانبه أوضح مفوض العون الإنساني بشمال دارفور عباس يوسف آدم أن أكثر من 845 ألف شخص بالفاشر المحاصرة يواجهون أوضاعاً كارثية، بينما لم تتبق بالمدينة سوى أربع منظمات دولية إنسانية من جملة 25 منظمة كانت تقدم خدماتها الإنسانية قبل الحرب.
وأشار آدم إلى أن الفاشر كانت تحتضن في السابق نحو مليون ونصف مليون مواطن، لكن غالبيتهم فروا بسبب الصراع العسكري في المدينة والحصار الذي تفرضه عليها "الدعم السريع" منذ 18 شهراً.
تصاعد النزوح
وإثر تصاعد هجمات "الدعم السريع" على المدنيين بشمال كردفان، وشح الخدمات الأساسية، تواصلت موجات نزوح آلاف المواطنين من أرياف الولاية.
ورصد ناشطون ومتطوعون زيادة كبيرة في وتيرة النزوح من مناطق أم سيالة وأم قرفة والقرى المحيطة بهما، خلال اليومين الماضيين، بسبب هجمات "الدعم السريع".
ولفت الناشطون إلى وصول مئات الأسر الفارة إلى ولاية النيل الأبيض، فيما لا تزال مجموعات أخرى عالقة في بعض القرى الصغيرة أثناء رحلة النزوح، بينما تكافح غرف الطوارئ لزيادة السعة الاستيعابية لمراكز الإيواء بمدينة الأبيض لاستقبال التدفقات القادمة.
تشريد القرى
وأوضحت قيادات محلية أن الميليشيات هاجمت لليوم الثاني على التوالي قرية "الغبشان / المرامره" بشمال كردفان، انتقاماً لتصدي شباب القرية لقوة من الميليشيات هاجمتهم في اليوم الذي سبقه.
كما اضطر أهالي قرى جبرة الشيخ إلى العيش في العراء والوديان في أقصى شرق شمالي كردفان في ظروف قاسية، بعدما شردتهم الميليشيات من قراهم.
ومنذ أشهر تحول إقليم كردفان إلى مسرح للعمليات الحربية والمواجهات والمعارك الشرسة بين الجيش وحلفائه من جانب و"الدعم السريع" من الجانب الآخر، فيما لا يزال الطرفان يحشدان القوات والعتاد العسكري توطئة لاستئناف المعارك.
حصار وتدهور
أما في جنوب كردفان فتشهد مدينتي الدلنج وكادوقلي عاصمة الولاية أوضاعاً إنسانية صعبة وتدهوراً مريعاً في الأحوال المعيشية والصحية نتيجة النقص الحاد في الإمدادات الغذائية والدوائية، بسبب الحصار وإغلاق الطريق القومي الرابط بينها وشمال كردفان.
وخلال شهر أغسطس (آب) الجاري، شهدت مدينة كادوقلي انفلاتاً أمنياً، كما تعرضت لقصف مدفعي عشوائي من "الحركة الشعبية شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو تسبب في مقتل وإصابة عدد من المواطنين وإغلاق الأسواق وتعطيل الاتصالات.
ويزداد الوضع الصحي في المدينة سوءاً، مع تصاعد تفشي وباء الكوليرا والنقص الحاد في الأدوية المنقذة للحياة والأمراض المزمنة بالمستشفيات، إضافة إلى توقف مراكز غسيل الكلى والجراحات وارتفاع وفيات الأمهات والأطفال أثناء الولادة، وانتشار سوء التغذية وسط الأطفال.
ومع استمرار إغلاق الطرق التجارية وتوقف الإمدادات، اختفت السلع الأساسية من الأسواق بصورة تامة، وارتفعت أسعار المتاح منها بصورة جنونية.
وحذر عمال إنسانيون، من أن الوضع في كادوقلي في طريقه إلى انفجار كارثي، ما لم تجر تدخلات إنسانية عاجلة وفتح الطرق لإيصال المساعدات لإنقاذ حياة الناس.
الإسقاط الجوي
في السياق أكد نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار حرص الحكومة على تعزيز الجهود المبذولة لتخفيف معاناة إنسان جنوب كردفان، من خلال إيصال المساعدات الإنسانية عبر الإسقاط الجوي وتمكين الفرق والمنظمات الإنسانية من أداء مهماتها.
وأشاد عقار لدى لقائه أمس وفد "نداء جنوب كردفان الشعبي" بالمبادرات، التي طرحها الوفد لدعم الجهود الرسمية في إيصال المساعدات الإنسانية إلى مدن كادوقلي والدلنج التي تعاني الحصار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
القيادة الجديدة
وعن الأثر الميداني المتوقع لقرارات قائد الجيش استبدال هيئة الأركان وإخضاع جميع القوات المساندة لقيادة وقانون القوات المسلحة، استبعد عضو "القيادة العليا للضباط المعاشيين" (تضامن) الرائد المتقاعد محمد عبدالمنعم مقلد أن تحدث تلك التغييرات "تأثيراً ملموساً على الأرض، كونها لا تعدو أن تكون تغييراً للوجوه فقط، لأن مشكلة القوات المسلحة تتمثل في رأس الهرم نفسه".
ورأى مقلد أن "قرارات إعادة ترتيب الهرم القيادي للجيش والمتمثلة في الإحالات على المعاش والترقيات والنقل ليست بعيدة بأية حال عن مخرجات لقاء سويسرا الذي جمع البرهان ومستشار (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب لشؤون أفريقيا مسعد بولس، التي تأكدت من خلالها جدية الولايات المتحدة في الوصول إلى تسويه شامله في السودان من أجل وقف الحرب وعودة الحكم المدني الديمقراطي".
وتابع "من الواضح أن الولايات المتحدة طالبت البرهان بتحرك جاد وملموس في اتجاه إنهاء الحرب، غير أن قرارات البرهان شملت تحولات محدودة في هيئة قيادة الجيش بإحالة عدد من الضباط المحسوبين على الحركة الإسلامية ويشكلون ذراعها العسكري داخل الجيش، في محاوله منه للإيهام بأن هناك إصلاحات تجري داخل المؤسسة العسكرية".
كما انتقد عضو "تضامن" قرار إخضاع القوات المساندة للجيش لقانون القوات المسلحة، معتبراً أنه يشكل خرقاً واضحاً لقانون القوات المسلحة نفسها، ومن شأنه أن يقود إلى مزيد من الفوضى وعدم الانضباط، إذ إن القوات المطلوب إخضاعها للقانون العسكري ستصبح جزءاً مكملاً داخل هيكل الجيش من دون مراعاة للاعتبارات العسكرية الأساسية.
ولفت مقلد إلى وجود فصائل وميليشيات عسكرية جهوية وقبلية وعقائدية تساند الجيش، وأن القرار الصحيح هو البدء بحلها جميعاً وخروجها من المدن والمنشآت المدينة، والتمركز في مناطق تخضع لسيطرة الجيش.
عاصمة جديدة
إلى ذلك قررت اللجنة السيادية لتهيئة البيئة لعودة الحكومة المركزية والمواطنين إلى ولاية الخرطوم، برئاسة عضو مجلس السيادة الانتقالي مساعد القائد العام الفريق مهندس إبراهيم جابر، إفراغ وسط المدينة ونقل المرافق الحكومية وإعادة تخطيطها بصورة حضارية.
وأوضح رئيس لجنة نقل المرافق الحكومية الفريق محمد الغالي أن اللجنة أوصت بالشروع في إنشاء عاصمة إدارية جديدة واقترحت نقل الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى مقار بديلة، وستصدر توجيهات إلى الجهات الحكومية كافة المعنية للتنفيذ.
كبح الدولار
اقتصادياً، عقد رئيس مجلس الوزراء السوداني اجتماعاً عاجلاً أمس الثلاثاء، ضم وزير المالية ومحافظ البك المركزي لبحث السيطرة على ارتفاع سعر صرف الدولار والعملات الأجنبية الأخرى في مقابل الجنيه السوداني.
ومنذ أسابيع عدة تشهد قيمة الجنيه السوداني تراجعاً كبيراً في مقابل العملات الأجنبية، إذ وصل سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى 3270 جنيهاً.
دولياً، أكدت السفارة الأميركية بالخرطوم الحاجة الماسة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة من "الدعم السريع"، لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان الفاشر والمعسكرات المحيطة بها.
وأعربت السفارة في منشور على صفحتها بمنصة "إكس" عن صدمتها إزاء التقارير حول التدهور الإنساني في مدينة الفاشر، ومواجهة آلاف المدنيين خطر المجاعة في ظل التصعيد العسكري المستمر الذي وضع أرواح الأبرياء، خصوصاً النساء والأطفال، على المحك.
وشدد المنشور على ضرورة التزام الأطراف المتحاربة بتعهداتهما في "إعلان جدة" وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2736)، بما يشمل حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات من دون عوائق في دارفور وبقية أنحاء السودان.