ملخص
كان العرب السبق على الأوروبيين في ترجمة كتاب "المجسطي" لبطليموس، أما تأخر انتشاره في أوروبا، فإنه يعود إلى ما في هذا الكتاب التأسيسي، الذي عاش الفكر الغربي عليه سنوات وقروناً، من تأكيدات كانت تقف متعارضة مع ما كان يؤكده الفكر العلمي الكنسي
كان على أوروبا أن تنتظر حلول عام 1515م قبل أن تطبع وتنشر الترجمة التي حققت من العربية إلى اللاتينية لواحد من أكبر وأهم الكتب في تاريخ علم الفلك، كتاب "المجسطي" للعالم اللاتيني المولود في مصر كلوديوس بثولومي (بطليموس).
وهو الكتاب نفسه الذي طلب الخليفة العباسي المأمون من العلماء العاملين في بلاطه أن ينقلوه إلى العربية ويعمموه. والحقيقة أن هذا الكتاب، منذ نقله إلى العربية في عام 827م، صار بعنوانه الذي اشتقه له العرب كاختصار لاسمه الأصلي "المؤلف الرياضي الكبير" (باعتبار أن المجسطي مشتقة من الكلمة اللاتينية التي تعني "الكبير")، عد جامعاً لعلوم الفلك في صيغتها الرياضية، التي كانت الصيغة الموضوعة من جانب بطليموس.
أما تأخر انتشاره في أوروبا، على رغم وجود تلخيصات وترجمات له، حققت من اليونانية مباشرة أو من العربية منذ القرن الـ13، فإنه يعود إلى ما في هذا الكتاب التأسيسي، الذي عاش الفكر الغربي عليه سنوات وقروناً، من تأكيدات كانت تقف متعارضة مع ما كان يؤكده الفكر العلمي الكنسي. وهي تأكيدات نعرف أن علماء من طينة كوبرنيكوس وكيبلر وغاليليو دفعوا غالياً ثمن تبنيها. ومن المؤكد أن هؤلاء تبنوا معظمها استناداً إلى مؤلف بطليموس. ومن هذه التأكيدات كروية الأرض ووجود الجاذبية وحركة الكواكب... وما إلى ذلك.
جملة معارف ثورية
والحال أنه إذا كان كتاب "المجسطي" احتوى، إلى معارفه "الثورية" تلك، على معلومات أخرى أكثر تقليدية مثل تلك التي أتت في تلك الأحيان المبكرة متحدثة عن حركة الشمس، فإن الجزء الأكبر منه ظل جديداً، على رغم قدمه، في الأقل على الفكر الأوروبي في العصور الوسطى. ومن هنا عد نشره في البندقية في عام 1515 ثورة كبرى ما بعدها من ثورة. ومن الواضح أن هذا الكتاب لعب في الفكر الأوروبي وإلى حد ما، دوراً يشبه الدور الذي لعبه فكر أرسطو وعلوم إقليدس في مجالات موازية.
ومن الناحية العربية يلفتنا ما جاء من تعريف للكتاب وصاحبه في كتاب "الفهرست" لابن النديم، حيث وبعد تعريف بطليموس (الذي يسميه بطلميوس) بأنه "صاحب كتاب المجسطي في أيام أدريانوس وأنطينوس. وفي زمانهما رصد الكواكب ولأحدهما عمل كتاب المجسطي. وهو أول من عمل الاسطرلاب الكروي، والآلات النجومية، والمقاييس والأرصاد. والله أعلم. ويقال إنه رصد النجوم قبل جماعة، منهم أبرخس وقيل إنه أستاذه وعنه أخذ. والرصد لا يتم إلا بآلة، فالمبتدي بالرصد هو الصانع للآلة".
كما جاء في "الفهرست" إضافة إلى هذا، أن في هذا الكتاب (المجسطي) "13 مقالة، وأول من عني بتفسيره وإخراجه إلى العربية، يحيى بن خالد بن برمك، ففسره جماعة فلم يتقنوه، ولم يرض ذلك، فندب لتفسيره أبا حسان، وسلم المهمة معه إلى صاحب بيت الحكمة. فأتقناه واجتهدا في تصحيحه بعدما أحضرا النقلة المجددين فاختبرا نقلهم وأخذا بأنصحه وأصحه. وقد قيل إن الحجاج بن مطر نقله أيضاً. فأما الذي عمله النريزي وأصلحه ثابت (بن قرة)، فهو الكتاب كله بالنقل القديم". ويعدد ابن النديم بعد هذه المعلومات المقالات التي يتألف منها "المجسطي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نظرة أكثر حداثة
وإلى هذا الكلام الملتبس بعض الشيء، الذي جاء عند ابن النديم، جاء في "موسوعة تاريخ العلوم العربية" (وتحديداً في سياق دراسة وضعها ريجيس مورلون ضمن إطار هذا الكتاب الذي صدر قبل أعوام من الآن عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بإشراف العالم المصري المقيم في فرنسا الدكتور رشدي راشد) أن المجسطي أو "المؤلف الرياضي الكبير"، الذي "وصلنا في لغته الأصلية وفي ترجمات عربية عدة، يعد المرجع النموذجي الذي لعب في علم الفلك الدور نفسه الذي لعبه كتاب "الأصول" لإقليدس في الرياضيات" وهو "مؤلف هائل من 13 مقالة عرض فيه بطليموس عرضاً شاملاً، أعمال سابقيه مغيراً فيها بحسب ملاحظاته الخاصة، مهذباً النماذج الهندسية القديمة، ومستنبطاً منها نماذج أخرى".
ووفق مورلون، فإن بطليموس يعرف طريقته بنفسه كما يأتي: أولاً، تجميع أكبر عدد ممكن من الأرصاد الدقيقة. ثانياً، تمييز كل اختلاف للحركة المراقبة، عن الحركة الدائرية المستوية. ثالثاً، إيجاد بالتجربة، للقوانين التي تسمح برؤية كيفية تركيب الأدوار ومقادير الاختلافات المذكورة آنفاً. رابعاً، تركيب حركات دائرية مستوية بواسطة دوائر متراكزة أو مختلفة المراكز، أو بواسطة أفلاك التدوير، لتحليل الظواهر المرصودة. وخامساً، حساب وسائط هذه الحركات للتمكن من تركيب جداول تسمح بحساب مواضع هذه الكواكب.
شيء من التجريب
وإذ يرى مورلون أن "طريقة بطليموس محددة في شكل دقيق جداً" يلفت النظر إلى أن رغبته في "إنقاذ الظواهر" كانت هي التي تقوده عملياً "إلى إضعاف شأن مبادئه الأساسية، إذ إنه اعتاد أن يدخل بعض التجريبية على عدد من براهينه. وهو يعترف بذلك في آخر مقالة من هذا المؤلف إذ يقول "يجب أن يبذل كل شخص جهده ليطابق الفرضيات الأكثر بساطة، مع الحركات السماوية. وإذا تعذر ذلك، وجب عليه الأخذ بفرضيات تتكيف مع الوقائع".
في المقالين الأولين من كتابه، يورد بطليموس تعريفات وتحديدات عامة وأساسية. ويبرهن على كروية الأرض، وعلى أن الجاذبية تجذب دائماً إلى مركز الأرض مهماً كانت النقطة المعينة على سطح الكرة. وهو يصف الحركة المدارية لكوكب الأرض وحتى لغيره من الكواكب... ويدرس هذا كله مستعيناً بالمناهج الرياضية التي من مبدئها الاستناد إلى ما هو بديهي وحقيقي ومؤكد... وفي المقال الثالث يدرس حسابات الوقت ومعادلاته. أما في الرابع، فإنه يدرس نظرية الحركة مستكملاً عمل هيباركوس. وفي الخامس، نجده، عبر متابعة عمل هيباركوس نفسه يصل إلى اكتشاف حركة القمر الانحرافية الثانية. أما في المقال السادس فيدرس خسوف القمر وكسوف الشمس. وفي السابع والثامن يدرس النجوم الثابتة مؤكداً نظريات هيباركوس حول حركتها. المقال الثامن يدرس درب الحليب، وتكون القبب السماوية، وهو ما يعود إليه في شكل أكثر توسعاً في الكتاب التاسع.
وإذ يؤكد بطليموس في الكتاب العاشر مركزية الأرض، يجد نفسه في الكتاب التالي وما يليه، مركزاً حديثه على الكواكب الأخرى مثل الزهرة وعطارد والمشتري. وفي المقال الـ10 يصل إلى تأكيدات حول حركة الكواكب لا تزال حتى اليوم ترتدي أهميتها الفائقة. وإذ يصل إلى المقال الـ13 ، وهو الأخير، ينكب بطليموس على دراسة الحركة العرضية للكواكب، وانحناء مداراتها وحجم ذلك الانحناء.
10 قرون من الانتظار
ونعرف طبعاً أن العالم كلوديوس بطليموس الذي وضع على هذه الشاكلة، هذا الكتاب الذي يعد أول وأكمل دراسة في علم الفلك على مر التاريخ، ولد كما أشرنا في مصر في القرن الميلادي الثاني، وتوفي وفق الروايات وهو في الـ78 من عمره. أما وصول كتابه إلى القراء الأوروبيين فلم يكن إلا بعد رحيله بأكثر من 10 قرون. لكنه كان وصولاً مؤسساً، لأن علم الفلك في أوروبا لم يعد، مع طبع الكتاب، كما كان قبل ذلك.
ولئن كان علماء كثر دفعوا غالياً ثمن مواقفهم المستندة إلى "المجسطي"، فإن هذا الكتاب نفسه عاد، بالطبع، وفقد كثيراً من أهميته بعد زمن كوبرنيكوس، وتحديداً بسبب التجديدات التي أدخلها هذا الأخير، وبعضها أدى إلى نسف عدد من تأكيدات بطليموس من أساسها. غير أن ذلك كله لم يلغ بالطبع أهمية ولا المكانة التاريخية لهذا الكتاب المؤسس الذي أحدث، وفي الأقل منذ إعادة اكتشافه على يد المترجمين العرب وتبعاً لرغبة الخليفة المأمون في العصور العباسية الزاهية، أحدث ثورة فريدة من نوعها، حتى وإن كانت الاكتشافات العلمية التي تتالت منذ ذلك الحين قد أثرت في بحوثه وجعلته مجرد مرحلة، إنما خطرة، في تاريخ الفلك والعلوم المرتبطة به على مر الأزمنة بالطبع.
ونعرف أن ذلكم هو على أية حال، مصير ما يتعلق بالعلوم التي تظل عرضة للتطوير والتبديل من دون أن يلغي هذا قيمتها التاريخية بالطبع.