Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيريكا جونغ من المجد إلى الخرف في مذكرات ابنتها

بتفاصيل فاضحة تصور مول والدتها الثملة وهي تتجول عارية بروب نصف مفتوح وبجفنين متسخين بالكحل

مولي جونغ على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز ويبي السنوي الـ29 في نيويورك (أ ف ب)

ملخص

في كتابها "كيف تخسر أمك" تقول مولي جونغ فاست إنها فقدت أمها وهي الآن مجرد جسد، في مشهد يجسد الكابوس الأسوأ لأي كاتب، أن يفقد القدرة على التفكير والتعبير بلغة سليمة، هو الذي كان يتلاعب بالكلمات ويعيد تشكيل نصوصه وصياغتها لينجز نصوصه على أكمل وجه، يجد نفسه يتحول إلى جسد عاجز وعالة على عائلته.

في سبعينيات القرن الماضي، وبعد نجاح روايتها "الخوف من الطيران"، لمع اسم الكاتبة إيريكا جونغ كنجمة من نجوم الوسط الثقافي الأميركي، إذ باعت روايتها 20 مليون نسخة لتصبح صوتاً بارزاً للجيل الثاني من النسوية. وعبرت جونغ بجرأة غير مسبوقة عن رغبات المرأة وحاجاتها الجسدية، وابتكرت تعابير جديدة تداولها القراء آنذاك، غير أن مسيرتها انتهت على نحو مؤلم، فبعد تجاوزها الـ80 أصابها الخرف لتكتب عنها ابنتها مولي جونغ فاست مذكرات صادمة بعنوان "كيف تخسر أمك"، تسرد خلالها عاماً مثقلاً بالحزن والمحن، إذ إنها تولت رعاية والدتها المريضة وزوج أمها، بينما كان زوجها يصارع سرطان البنكرياس، وهي في الوقت ذاته أم لثلاثة أطفال ومحللة سياسية أثبتت حضورها إعلامياً عبر مقالات صحافية وبرامج تلفزيونية.

كتبت مولي الابنة مذكراتها بصدق جارف وجارح، تروي فيها علاقتها المعقدة بوالدتها المدمنة على الكحول التي أهملتها خلال طفولتها لملاحقة طموحاتها الأدبية. تلك الجرأة في الكشف عن أسرار حميمة أثارت جدلاً حول أخلاقيات نشر المذكرات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة مثل إيريكا جونغ، روائية مبدعة فقدت ذاكرتها، ولم تعُد واعية ولا قادرة حتى على الإدلاء بموقفها. وهكذا انقسمت الآراء بين من أشاد بالكتاب واعتبره شهادة صادقة لتجربة ذاتية، ومن انتقده ورأى فيه انتهاكاً لخصوصية الأم وكرامتها الإنسانية، ومحاولة بائسة للتسلق على حساب شهرة الأم ومجدها.

خيانة عائلية

عند قراءة هذه المذكرات، يصعب تحديد الخسارة الحقيقية بين إيريكا ومولي، من منهما خسرت الأخرى، هل الابنة من فقدت أمها فعلاً أم أنها الأم التي خسرت ابنتها بخيانة عائلية كشف عنها كتاب عرّى حياتها الخاصة؟ تبدو الخسارة فادحة ومتبادلة، ويظهر الصدق قاسياً ومزعجاً وهو يستخدم كأداة للفضح والتشويه، كما لو أن الابنة تحمل حقداً متراكماً نفست عنه بالكتابة في مرحلة حرجة من حياة والدتها.

في الواقع، يفترض بالصدق أن يكون مبدأ رئيساً وقيمة جوهرية لكتابة أدب المذكرات، لكنه يثير دوماً تساؤلات حول حدوده. فالمذكرات العربية مقارنة بالغربية غالباً ما تأتي منمقة ومتحفظة، لا تقول كل شيء، إذ يكتب العربي سيرته وهو يحسب ألف حساب لسمعته وعلاقته بالمحيطين به، فيبرع في بتر الحكايات وتظليل المواقف، لتكتب السيرة غالباً بحياد ملحوظ واجتهاد لتلميع الصورة الاجتماعية والتسويق لها. أما في المذكرات الغربية، فكثيراً ما نقرأ تفاصيل صادمة ومخجلة تدهشنا بجرأتها لنتساءل كيف امتلك الكاتب الشجاعة لمشاركة حياته الشخصية إلى ذلك الحد، وكيف لم يخَف مما ينتظره من أحكام مسبقة.

 

في كتابها "كيف تخسر أمك"، تقول مولي جونغ فاست إنها فقدت أمها وهي الآن مجرد جسد، في مشهد يجسد الكابوس الأسوأ لأي كاتب، أن يفقد القدرة على التفكير والتعبير بلغة سليمة، هو الذي كان يتلاعب بالكلمات ويعيد تشكيل نصوصه وصياغتها لينجز نصوصه على أكمل وجه، يجد نفسه يتحول إلى جسد عاجز وعالة على عائلته. ولم تكتفِ الابنة بالحديث عن المرض، بل عادت لطفولتها إذ عاشت محرومة من حضور أمها واهتمامها بها، ثم واصلت مولي الكتابة عن مراهقتها في ظل شهرة إيريكا وهوسها بالنجاح، وصولاً إلى أعوام التراجع حين لم تتقبل الوالدة زوال الشهرة وتجاهل القراء والإعلام لها، مما دفعها إلى الإدمان على الكحول.

 بتفاصيل فاضحة، تصور مولي والدتها الثملة وهي تتجول عارية بروب نصف مفتوح وحالات غيابها عن الوعي، بجفنين متسخين بالكحل وأحمر شفاه لطخ الوسادة، وكيف أنها عثرت مرة على براز في السرير! وبعد أن تكتب ذلك تعود لتسأل نفسها "هل أنا ابنة سيئة لأنني أذكر كل هذا؟"، لكنها سرعان ما تتصالح مع الإحساس بالذنب لتستأنف تدوين حياة سرية يجهلها القراء عن كاتبتهم المفضلة. وتقارن الابنة انطباعاتهم بين الماضي والحاضر، إذ كانوا يتقربون منها لامتداح إيريكا جونغ والثناء على أعمالها، فصاروا بعد مرضها يحرجونها بانتقادهم لتصريحاتها المتسرعة وتعليقاتها غير اللائقة في مواقع التواصل. وتعود مولي بعد كل هذا لتؤكد محبتها لأمها واعتزازها بها، معترفة بأنها ليست أماً سيئة لأنها فعلت ما في وسعها لكن أحياناً لا يكون أفضل ما تفعله كافياً لأبنائك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم تكُن الكاتبة الأم الضحية الوحيدة لهذه المذكرات، فكتبت مولي عن زوجها أيضاً، مشيرة إلى رائحة المرض التي تشمها فيه، رائحة مميزة وحامضة تشمها في كل مرضى السرطان، ولم تتردد في التعبير عن نفورها من كبار السن لأنهم يذكرونها بالموت والشيخوخة، لكن مع الوضع الصحي لكل من والدتها وزوجها، وجدت نفسها مضطرة إلى مواجهة هذه الظروف، ووصفت مولي عام 2023 بأنه سنة من الجحيم، واضطرت خلاله إلى نقل أمها وزوجها إلى دار رعاية صحية وبيع ممتلكاتهما لتغطية الكلف، وسط إحساس بالذنب وهي تتصرف في بيتهما من دون أن تعرف رأيهما في ذلك، خصوصاً عندما كان زوج أمها يسألها في كل زيارة لهما "متى نعود للبيت؟".

وخلال مقابلة إذاعية أجرتها مولي لمناقشة الكتاب، سألتها تيري غروس سؤالاً ذكياً "هل كنت لتكتبي هذه المذكرات لو لم تفقد أمك ذاكرتها وكانت قادرة على قراءة الكتاب؟"، فأجابت مولي "نعم، كنت لأفعل، أتذكر أنني سألتها مرة إن كان بإمكاني الكتابة عنها ذات يوم. وقالت ’اكتبي ما تشائين‘ وأنا أتعامل بالطريقة نفسها مع أبنائي". وأجرت مولي مقابلات عدة، وحظي الكتاب بمئات المراجعات والتقييمات، ولم تسلم من قراء وإعلاميين هاجموها وانتقدوا كتابها بحدة، واصفين إياه بالعمل الرديء على صعيد المضمون والكتابة، ولا يعدو محاولة فاشلة للتسلق على حساب شهرة الأم.

إيريكا جونغ: "لا تستطيع أن تخسر أمك"

من المفارقات المؤلمة في مرض إيريكا جونغ أن عام 2023 الذي وصفته ابنتها بسنة من الجحيم، صادف الذكرى الـ50 لصدور روايتها الشهيرة "الخوف من الطيران"، أما المفارقة الثانية فتعود لمقابلة قديمة أجرتها الكاتبة الأم للحديث عن روايتها "الخوف من الموت" حين سئلت عن شخصية معمرة من شخصيات روايتها، فأوضحت إيريكا أنها استلهمتها من والدتها التي عمرت وتجاوز عمرها المئة عام، وفي لحظاتها الأخيرة اعترفت إيريكا بإحساسها بالارتباك، فهي لم تعرف ما الذي عليها أن تدعو به، بين أن تصلي لله أن يرحمها ويريحها وأن تدعوه أن يتركها تعيش إلى الأبد؟

ولم تتقبل إيريكا فكرة موت أمها حتى في عمرها ذاك، وقالت بعفوية عبارة مؤثرة "كنت أصلي أن يتركها الله لتعيش إلى الأبد، أنت لا تستطيع أن تخسر أمك، فهي الأم الوحيدة التي لديك". هذه الجملة بكل ما تحمله من عاطفة وإنكار للفقدان "أنت لا تستطيع أن تخسر أمك" تتناقض مع عنوان الكتاب الذي ستصدره ابنتها مولي بعد أعوام "كيف تخسر أمك". ثمة فرق شاسع بين الحديث عن استحالة احتمال الخسارة والتعامل معها كأنها مهمة شاقة، ليحيلنا هذا التضاد إلى تأمل اختلاف الأجيال في النظر إلى الأم بين تقديرها كيفما كانت كقيمة إنسانية لا تعوض وتعريتها وفضح عيوبها إن اعتقد الأبناء بأن ذلك ضروري.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة