Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أفريقيا مرآة الانكسار الإنساني في "كريستال" هيثم حسين

تمثل الرواية عملاً حافلاً بمغامرة جغرافية ونفسية من الصعب أن يتم جمعها في إطار سردية واحدة

تسيطر على النص حال من الخوف والتوجس من المصير الذي سيلاقيه البطل (مواقع التواصل)
 

ملخص

لا تطرح "كريستال أفريقي" فكرتها عن الجشع الإنساني والرغبة بالمغامرة فقط، بل تقدم من خلال بطلها المتنازع بين هويات وأمكنة عدة، تجربة نقدية شاملة تتقاطع مع تجارب البشر، الذين وجدوا أنفسهم في وضع وجودي مماثل ليس لهم ذنب فيه، من غياب الهوية والفقر والاضطهاد الاجتماعي، لذا تعيد الرواية طرح سؤالها عن دور الفرد الأعزل في مواجهة عالم قاس لا يرحم الضعفاء والمنكسرين، بل يقدمهم قرباناً للأطماع الانتهازية الكبرى.

تعكس الرواية الكردية، في مرآتها، تجربة الاغتراب النفسي والوجودي، في كل أبعاده الإنسانية والثقافية العميقة، إذ يتشابك فيها الإحساس بفقدان الهوية مع حلم السعي إلى استعادتها، في سياقات جغرافية ونفسية متشظية، لا تحقق هذا الحلم ولا تنهيه، لأن الكردي في غربته لا يواجه مآلات الانتقال المكاني فقط، بل حال وجودية تجمع بين فقدان الوطن والبحث عن معنى للوجود الفردي في أوطان غريبة، وبقع مختلفة من هذا العالم.

تمثل رواية "كريستال أفريقي"، الصادرة عن دار عرب للنشر والترجمة للكاتب السوري الكردي هيثم حسين، عملاً روائياً حافلاً بمغامرة جغرافية ونفسية، من الصعب أن يتم جمعها في إطار سردية واحدة، إذ تتنوع الأماكن، وتنفتح الأحداث منذ الصفحات الأولى على مآس إنسانية قاتمة تتوارى خلف المشهد، لتنكشف رويداً رويداً في لهاث سردي متسارع وحيوي، من خلال البطل السارد، الذي يروي حكايته بضمير الأنا.

تقدم الرواية رحلة بطل كردي سوري يعمل في الصحافة الحرة، تحديداً في تصوير وإنتاج الأفلام الوثائقية القصيرة، يعيش في لندن، ويقوده القدر إلى الانتقال بين عدد من الدول، من مدغشقر إلى مالي، ومن رواندا إلى توغو ومصر ولبنان، وأماكن أخرى كثيرة، في محاولة تعج بالأخطار للحصول على ثروة طائلة من الأموال المنهوبة، مما يجعل الجغرافيا المكانية، شخصية سردية قائمة بحد ذاتها، تحمل رموزاً للغموض والفوضى والنزاع والفساد والانكسار. يتساءل البطل السارد: "ماذا لو لم أرد على ذلك الرقم المجهول، أو لم أقتنع بالفكرة الجنونية التي أعمتني باللهاث وراء أموال مهربة من البنك المركزي العراقي، وصلت إلى مالي بمصادفات وأساليب لا تخطر على بال".

أضفى ضمير المتكلم على السرد نوعاً من الحميمية الوجدانية والتعاطف، إلى جانب حس المغامرة الواقعي، المشوب بلمسة سحرية وجودية، تحيط بالنص طوال الوقت، عبر استدعاء الماضي ومقارنته باللحظة الحاضرة، مع سؤال ضمني لا يتم الجهر به مباشرة، لكن يمكن للقارئ تلمسه، مع ما يتم الكشف عنه من انكسارات الأمس البعيد، التي لا تقل قسوة وعبثاً عن اللحظة الآنية. لنقرأ: "في فترة باكرة من حياتي بدأت أكفر بالظلم الذي كان يصم حياتنا. هويتي ككردي مجرد من الجنسية دفعتني مبكراً للتفكير بالخروج من البلد الذي يعتبرني من أبنائه، واللجوء إلى مكان يمكن أن أحصل فيه على فرص أفضل للنجاة والحياة".

البنية السردية والارتحال العكسي

تنتمي الرواية إلى ما يمكن تسميته بـرواية الرحلة العكسية، فهي لا تصور الرحلة بصفتها سعياً ذاتياً نحو المعرفة أو الاكتشاف، بل تغوص في عالم سفلي من الفساد والتحايل، والرغبة الجامحة في تحقيق الثروة، هذا البناء السردي يتحرك عبر محطات عدة، وينطلق من حدث مفاجئ، منذ السطر الأول، مكالمة غامضة، تدفع بالبطل إلى الانخراط في مهمة خطرة وغير قانونية، ولكن هذا يمكن مرده إلى الطمع، ورغبة المغامرة من الجانب النفسي، وإلى اللامبالاة الوجودية والإحساس بالهزيمة من الجانب الواقعي، فالبطل يعيش حالاً من غياب اليقين والهوية والأمان وفقد الحبيبة، فما الذي لديه كي يجعله خائفاً من المغامرة والارتحال؟

 

يتجاوز تعدد الأماكن في الرواية، كونه عنصراً مكانياً ومسرحاً متنوعاً للأحداث، ليغدو أساساً بنيوياً في تشكيل الرواية. كل انتقال جغرافي يرافقه انزياح نفسي وأخلاقي، يواجه فيه البطل تعقيدات جديدة، ويغرق أكثر في شبكة من العنف والخراب والهلع. هذه التعددية المكانية والنفسية تضفي طابعاً سينمائياً على السرد، وتتيح فضاءً سردياً واسعاً ومتحركاً، يعكس التشظي النفسي والاجتماعي والسياسي للبطل.

ينجو النص من الابتذال السياسي، على رغم تقديمه المأساة الكردية المتشظية في أكثر من بلد، وينجح في تقديم سردية أكثر إنسانية وواقعية، على رغم اتكاله على سرد واقعي ومباشر، وإن كان بإمكانه اللجوء إلى بعض الترميز فيه، وسيظل مفهوماً للقارئ.

الصحافي وزعيم المافيا

يرسم هيثم حسين شخصية بطل متناقض في جوهره، صحافي كردي مستقل يعيش في المنفى البريطاني ويحمل جنسيته، لكنه سرعان ما يتحول إلى مهرب ذي عقلية براغماتية، لا يتردد في تقديم الرشوة وركوب الأخطار. يستمتع البطل خلال وجوده في لندن، بسريان إشاعات عن علاقاته المشبوهة، وتسميته "زعيم المافيا"، يقول "كنت، بعد أن تحسنت أنحو المادية قليلاً في لندن، أعلنت عن نفسي بأنني رجل أعمال، أعمل في الصحافة والتصوير والترجمة... راج عني أني مرتبط بمافيات عالمية عابرة للحدود، لم أنف الإشاعة التي راجت، ولا أخفي أني استمتعت بها... إننا نحن الأكراد زعماء نتجرع الهزيمة والخيبة ونستعذب السير وراء الأوهام".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يملك بطل "كريستال أفريقي"، مقاييس البطولة التقليدية المتعارف عليها، من نفوذ ومال وسطوة، بل إنه يتحرك تحت إلحاح الحاجة والطمع والماضي الجريح، لذا يبدو في بعض المشاهد مثل دونكيشوت معاصر، يواجه طواحين الهواء، وفي الوقت نفسه ثمة معارك حقيقية اختار بنفسه الذهاب إليها طواعية، بيد أن البطل يقدم تأملاته الداخلية بوعي نقدي يخلو من الادعاء، تجاه ذاته، وتجاه العالم المحيط به، مما يجعل الرواية غير محصورة في مجرد تتبع الأحداث، بل تنتقل إلى مستوى التحليل الفلسفي والأخلاقي، فتطرح أسئلة عن الطموح والكرامة والفساد والهوية والمصير، وهذا يحضر كثيراً في المونولوغ الداخلي للبطل.

الجغرافيا مرآة للانكسار الإنساني

بين تقلبات الرغبة الشرهة نحو المال، ووجل الضمير المتواري، وبين الطموح العارم والخذلان العميق، يتجه البطل إلى أفريقيا، نحو الكريستال الأسمر، هذه القارة الغامضة والبعيدة، تحضر كساحة محورية للصراع. أفريقيا هنا ليست فقط تلك القارة المقصودة من أجل نهب ثرواتها، بل إنها كما تصورها الرواية، قارة السلطة المجنونة، والموت الجماعي، مليئة بالتناقضات التي لا تحصى، أبرزها: الجمال الطبيعي مقابل الخراب الإنساني، والثروة مقابل المذابح.

يتحكم فيها الجنرالات، وتقع المذابح في الكنائس والطرقات، وتدار دولها عبر مافيات محلية وزعماء قبائل. البطل لا يجد نفسه في مواجهة نظام أو سلطة محددة، بل يدخل في شبكة مترامية الأطراف من المصالح والقوى المتشابكة، التي تبتلع الأفراد من دون رحمة. لنقرأ: "الناس هنا تقتل بعضها بعضاً من أجل أشياء أو أفعال يمكن أن توصف بالتافهة والسخيفة، فكيف وهناك رائحة ملايين الدولارات تفوح في الأجواء، هل سيكون قبري هنا؟ هل سأدفن في هذا المكان القصي في غابة مجهولة في أدغال توغو؟ هل هذه نهايتي؟ أنا الذي جبت العالم بحثاً عن الشهرة والثراء والعظمة والمجد والقوة والمال؟ هل ذلك كله كان أغلى علي من حياتي؟".

يحضر في النص مجموعة من الشخوص، يبدو وجودهم ضرورياً في السرد، هناك آلان البريطاني، زميل البطل في العمل، الذي يمثل نموذجاً أوروبياً نمطياً، وميديت الشابة الأفريقية البريطانية، صديقة البطل أو حبيبته والتي نعرف بموتها منذ الفصول الأولى، في الكنيسة، إثر اقتحام مسلحين وإطلاق النار على المدنيين، بدت شخصية ميديت من أكثر الشخصيات تأثيراً وعذوبة وبعداً إنسانياً، على رغم غيابها الواقعي عن السرد، أما بقية الشخصيات مثل ديمتري، المترجم العراقي، والبنت المصرية نجمة، والجنرال البنيني، والرئيس التوغوي، وغيرهم، يظل وجودهم مرحلياً ومؤثراً، ضمن الدور المحدود الذي يؤدونه في رحلة تقوم على المتاهة.

على مدى السرد، تسيطر على النص حال من الخوف والتوجس من المصير الذي سيلاقيه البطل، الذي على رغم طمعه، يكشف عن ذاته الداخلية الميالة إلى الخير، ورغبته في مساعدة الآخرين، مما يخلق مساحة من التعاطف نحوه، والوعي بأسباب اختياراته وإخفاقاته.

لا تطرح "كريستال أفريقي" فكرتها عن الجشع الإنساني والرغبة بالمغامرة فقط، بل تقدم من خلال بطلها المتنازع بين هويات وأمكنة عدة، تجربة نقدية شاملة تتقاطع مع تجارب البشر، الذين وجدوا أنفسهم في وضع وجودي مماثل ليس لهم ذنب فيه، من غياب الهوية والفقر والاضطهاد الاجتماعي، لذا تعيد الرواية طرح سؤالها عن دور الفرد الأعزل في مواجهة عالم قاس لا يرحم الضعفاء والمنكسرين، بل يقدمهم قرباناً للأطماع الانتهازية الكبرى.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة