ملخص
يستعد الديمقراطيون، إن انتزعوا الغالبية في مجلس النواب الأميركي خلال انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، لموجة تحقيقات واستدعاءات تستهدف وزير الحرب بيت هيغسيث، محورها الحرب على إيران، وقد تمتد هذه الموجة إلى عزله في مجلس النواب. غير أن حسابات مجلس الشيوخ تجعل إطاحته شبه مستحيلة، كما أن الأسئلة المطروحة تقود إلى قرار اتخذ في البيت الأبيض لا في البنتاغون. ومع هبوط تأييد الحرب إلى 31 في المئة، يبدو الرئيس دونالد ترمب الخاسر الأكبر، لأنه سيخسر حرية إدارة حرب لم تنته بعد.
جاءت العبارة على لسان النائب الديمقراطي عن ولاية نيويورك بات رايان، الضابط السابق الذي خدم جولتين في العراق. ففي تصريح لموقع "بوليتيكو"، دعا رايان وزير الحرب الأميركي بيتير هيغسيث وفريقه إلى الاستعانة بالمحامين، محذراً من أن الديمقراطيين قادمون إليهم بكل ثقلهم. ووصف الرقابة التي يعدها حزبه بأنها ستكون شديدة الحدة، لأن البنتاغون الحالي في رأيه الأكثر فساداً والأقل شفافية في تاريخ البلاد.
لم يكن التصريح زلة لسان في حملة انتخابية، فبحسب ما نقله "بوليتيكو" في سبتمبر (أيلول) الماضي، يخطط الديمقراطيون، مدفوعين باحتمال اكتساح صناديق الاقتراع، لسلسلة كثيفة من جلسات الاستماع العلنية والتحقيقات. ويمكن أن تشمل هذه السلسلة استخدام صلاحية استدعاء مسؤولي الإدارة في ملفات حرب إيران واتهامات بجرائم حرب وصفقات البنتاغون التجارية وتطهير كبار الضباط. وأكد كبير الديمقراطيين في لجنة الرقابة بمجلس النواب روبرت غارسيا أن التحضيرات جارية بالفعل، لإبعاد هيغسيث وفريقه إذا فاز حزبه في نوفمبر.
في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول)، رصد موقع "سيمافور" تحولاً لافتاً داخل الحزب. فعلى رغم تحفظ زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز ودائرته على الحديث عن عزل ترمب، يلتف الديمقراطيون حول المطالبة بإقالة وزير الحرب أو استقالته، بينما تضغط حرب إيران على الجمهوريين. ويقول جيفريز إن هيغسيث يجب أن يقال، وإن حزبه لم يستبعد أي خيار في تحقيقاته. ولم يقتصر الأمر على نواب الدوائر المضمونة، إذ أبدت النائبة عن ميشيغن كريستن ماكدونالد ريفيت، الممثلة لدائرة فاز بها ترمب، انفتاحها على هذا الاحتمال، ويبحث الديمقراطيون في لجنة القوات المسلحة إنشاء لجنة فرعية للرقابة على وزارته.
في المقابل، تصر وزارة الحرب على أن هيغسيث يعمل بتفويض كامل. فقد وصفته المتحدثة باسمها كينغسلي ويلسون لـ"بوليتيكو" بأنه "قائد تغيير"، مؤكدة أن الوزارة موحدة خلف رؤيته. وأضافت في بيان لـ"سيمافور" أن الوزير قلص البيروقراطية وأطلق الابتكار وخدم المقاتلين في كل مرحلة، كما أن هيغسيث نفسه رد على منتقديه بحدة في جلسة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ يوم الـ30 من أبريل (نيسان)، إذ وصف المشرعين الديمقراطيين بالمتشائمين المتهورين والانهزاميين. وفي جلسة مجلس النواب قبلها بيوم، دافع عن الحرب بالقول إن إيران لم تتخل عن طموحاتها النووية وما زالت تملك آلاف الصواريخ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن قراءة المشهد تتطلب تصحيح انطباع شائع، وهو أن العزل في مجلس النواب يعني إنهاء مسيرة الوزير. فالديمقراطيون يحتاجون إلى غالبية بسيطة في مجلس النواب لتوجيه الاتهام، لكن الإدانة والإبعاد يتطلبان تأييد ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، أي دعماً واسعاً من الحزب الآخر. وحتى في حال تحقيق الديمقراطيين انتصاراً تاريخياً في المجلسين، فإن خريطة مقاعد الشيوخ لا تسمح لهم بإدانة أي من وزراء ترمب. والسابقة الأقرب حاضرة، إذ لم يعزل مجلس النواب في تاريخه سوى وزيرين، آخرهما وزير الأمن الداخلي أليخاندرو مايوركاس عام 2024، وقد أسقط مجلس الشيوخ الديمقراطي حينها لائحة الاتهام.
ولا يملك الكونغرس أيضاً أداة سريعة لإرغام الإدارة على الامتثال لاستدعاءاته، وقد أفادت شبكة "سي أن أن" بأن ديمقراطيي مجلس النواب يطورون أداة قانونية جديدة لعام 2027، هي دعاوى مدنية تلزم المسؤولين بالامتثال للاستدعاءات، ومن بين أهدافها حرب إيران. لكن التجربة تقول إن هذا المسار بطيء، فالنزاع على شهادة مستشار البيت الأبيض السابق دون ماكغان امتد بين عامي 2019 و2021، وانتهى بتسوية تفاوضية لا بحكم قضائي. وأشارت المقالة ذاتها إلى أن النائب آدم سميث، المرجح لرئاسة لجنة القوات المسلحة، لا يستبعد استدعاء هيغسيث، وأن معارك السرية والامتيازات وحدها قد تستهلك دورة كاملة للكونغرس.
لماذا هيغسيث إذاً؟ يقدم "سيمافور" تفسيراً سياسياً لا قانونياً، فاستهداف الوزراء يمنح الديمقراطيين متنفساً لضغط قاعدتهم المطالبة بمواجهة الإدارة، من دون إحياء معارك عزل ترمب في ولايته الأولى ومن دون أخطار الظهور بمظهر المتجاوز. بمعنى آخر، هيغسيث هو الهدف الأقل كلفة لا الأعلى قيمة.
لكن الأسئلة التي يعد الديمقراطيون لطرحها لا تقف عند باب الوزير، فالحرب انطلقت بضربات أميركية إسرائيلية على إيران نهاية فبراير (شباط) من دون تفويض من الكونغرس. وقد انقضت المهلة التي يحددها قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، وهي 60 يوماً، من دون أن ينجح أي قرار في إلزام الإدارة بموافقة المشرعين. وطالب أكثر من 12 نائباً ديمقراطياً بتحقيق فوري في مقتل ستة جنود أميركيين في الكويت في الأول من مارس (آذار)، متهمين هيغسيث بالتقصير في حمايتهم وتضليل الرأي العام في شأن ملابسات الهجوم. كما طالب 11 سيناتوراً ديمقراطياً، بقيادة إليزابيث وارن وكريس فان هولين، بتفسير خطوات قالوا إنها انتهكت القوانين الفيدرالية والدولية. وكل سؤال من هذه الأسئلة، عن الدافع والمعلومات الاستخبارية والتوقيت، يقود في النهاية إلى المكتب البيضاوي. وقد ذكر سميث نفسه بأن الإدارة أعلنت تدمير المنشآت النووية الإيرانية في ضربة عام 2025، متسائلاً عن مسوغات شن حرب جديدة بعد أقل من عام.
وتتسع دائرة الملفات لتشمل ما هو أبعد من إيران، فهيغسيث يواجه اتهامات متكررة بانتهاك القانون الدولي، تشمل ضربات في اليمن وعملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) والهجمات على قوارب يشتبه في تهريبها المخدرات، لكن إيران تبقى العنوان الذي يمس الناخب مباشرة، لأنها حرب مستمرة.
تنعكس إطالة حرب اليمين بوضوح في الرأي العام، فقد أظهر استطلاع لـ"رويترز / إبسوس"، شمل 1215 بالغاً وأغلق في الـ24 من أغسطس (آب)، أن 31 في المئة فقط من الأميركيين يؤيدون العمل العسكري ضد إيران، نزولاً من 37 في المئة في مارس. وتراجع التأييد حتى بين الجمهوريين، من 77 في المئة إلى 69 في المئة، فيما يتوقع 83 في المئة من الأميركيين أن تطول الحرب. وفي استطلاع أجرته وكالة "أسوشيتد برس" ومركز "نورك" بين الـ23 والـ27 من يوليو (تموز)، رأى نحو ثلثي البالغين أن الحرب لا تستحق خوضها.
السؤال هو كيف سيتعامل ترمب مع مجلس نواب ديمقراطي يطارد وزير حربه؟ ثمة ثلاثة خيارات في هذا الشأن، الأول هو المواجهة الشاملة، ورفض الاستدعاءات والتمسك بالامتياز التنفيذي ونقل كل نزاع إلى المحاكم، لكن الحرب ستدار تحت مجهر جلسات علنية، وسيجبر الجمهوريين في مجلس الشيوخ على الدفاع عن وزير لا يحظى بإجماع داخل حزبهم، إذ طالب أعضاء جمهوريون في المجلس بمزيد من المعلومات عن موجة تغيير القيادات في البنتاغون خلال الحرب.
الاحتمال الثاني هو التضحية بهيغسيث، أي إبعاده بعد الانتخابات لحرمان الديمقراطيين من هدفهم الأسهل، لكن ذلك ينطوي على إقرار ضمني بإخفاق الحرب، كما أن وزيراً سابقاً يتحرر من قيود المنصب قد يصبح شاهداً أخطر على الرئيس من وزير في الخدمة. وتشير المعطيات إلى أن هذا المسار مستبعد في المدى القريب، إذ يكن ترمب لوزير الحرب تقديراً كبيراً، ويشكك المطلعون على الملف في أي تغيير وشيك على رأس الوزارة.
المسار الثالث هو تسريع إنهاء الحرب باتفاق ينزع من التحقيقات وقودها السياسي، لكن كلفته تنازلات في ملف هرمز أو الملف النووي سيصورها خصومه انسحاباً. وتدرك طهران جيداً أن موقفها التفاوضي يتحسن، كلما ضاق هامش المناورة أمام ساكن البيت الأبيض.