Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ويكيبيديا" تواجه خطر الفناء في عصر الذكاء الاصطناعي

بعد 25 عاما على تأسيسه تراجع متوسط الزيارات الشهرية للموقع الشهير بأكثر من مليار زيارة بين 2022 و2025

وفّر "ويكيبيديا" تجربة اتسمت بشيء من المشاعر مقارنة بالتفاعل الحالي مع مولدات الذكاء الاصطناعي (انسبلاش)

ملخص

كان "ويكيبيديا" في بداياته قوياً في موضوعات مثل الثقافة الشعبية والتكنولوجيا قبل أن يتحول ليصبح وجهة على الإنترنت للحصول على معلومات أساسية حول طيف واسع من المواضيع بما في ذلك العلوم، إلا أن تحليلاً أظهر أن الموقع خسر أكثر من مليار زيارة شهرية في المتوسط بين عامي 2022 و2025، وفي حين أن التجربة التي جذبت الناس إلى "ويكيبيديا" هي المشاركة في التحرير والقدرة على تصحيح ما هو خاطئ على شبكة الإنترنت من دون الحاجة إلى وسيط، إلا أنه في حال الذكاء الاصطناعي لا يمكن للمستخدمين فعل ذلك.

بلغ موقع "ويكيبيديا" الشهير عامه الـ25، وباتت مبادئه تواجه امتحان الصمود في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ تميزت صفحات "ويكيبيديا" بكونها مثلت تجربة معرفية اتسمت بشيء من المشاعر الإنسانية الحميمية مقارنة بالتفاعل الحالي مع مولدات الذكاء الاصطناعي، ولكن أكثر ما يخشاه داعمو "ويكيبيديا" اليوم، أنه حتى بعد صمود الموقع طوال 25 عاماً قد يؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى "سحب الاهتمام وحركة الزوار بعيداً من الموقع". فاليوم، وبعد مرور 25 عاماً على تأسيسه، بدأ "ويكيبيديا" يفقد جزءاً من زواره، إذ أفادت مؤسسة "ويكيميديا" بأن عدد الزيارات البشرية للصفحات انخفض بنحو ثمانية في المئة خلال بعض أشهر عام 2025 مقارنة بعام 2024، كذلك أظهر تحليل خارجي لبيانات من شركة "سيميلار ويب" (Similarweb)، أجرته شركة الاستشارات "كيبيوس" (Kepios)، أن الموقع خسر أكثر من مليار زيارة شهرية في المتوسط بين عامي 2022 و2025، ويرى باحثون من داخل "ويكيميديا" وخارجها أن عمليات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي تؤدي دوراً في هذا التراجع، إذ تؤدي هذه التقنيات إلى تقليل عدد الأشخاص الذين ينقرون على الروابط للوصول إلى المواقع الأصلية للمعلومات.
ويقول محرر ويكي "إيان رامجون" الذي كان يعمل أستاذاً جامعياً زائراً في الولايات المتحدة، وكان أيضاً من محرري الموقع الذين يعملون بتفان، في هذا الصدد، "بلا شك، تُعد النماذج اللغوية الكبيرة تهديداً وجودياً لـ'ويكيبيديا'"، إذ يعني انخفاض عدد الزوار تراجعاً في أعداد المحررين الجُدد على "ويكيبيديا"، كذلك يعني تراجع وتيرة الزيارات بطئاً في تصحيح الأخطاء التي تُضاف إلى الموقع، يأتي هذا في وقت يشير فيه كثير من محرري "ويكيبيديا" إلى مواجهتهم صعوبات في مواكبة التدفق المتزايد للنصوص المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، "فإذا قلّ عدد الزوار والمحررين فقد يضعف النظام الذي جعل 'ويكيبيديا' قادراً على تصحيح أخطائه ذاتياً، ومنحه مرونة استثنائية".

ميّزات "ويكيبيديا"

في مقارنة بين "ويكيبيديا" والذكاء الاصطناعي التوليدي، قال معلقون "على عكس الأيام الأولى لـ'ويكيبيديا' لا يوجد سجل تعديلات علني للنصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، فالتجربة التي جذبت الناس للمشاركة في تحرير 'ويكيبيديا'، هي القدرة على تصحيح ما هو خاطئ على شبكة الإنترنت مباشرة، من دون الحاجة إلى وسيط، أما في حالة ملخصات الذكاء الاصطناعي فلا يمكن للمستخدمين تصحيح الأخطاء كما يفعلون عند تعديل جملة في 'ويكيبيديا'".

 

تجربة ماغنوس

وفق مقالة على موقع علمي أميركي، يعزو "بي دي ماغنوس"، وهو فيلسوف متخصص في فلسفة العلوم بجامعة ألباني (جامعة ولاية نيويورك) نجاح صفحات "ويكيبيديا" إلى أربعة عوامل هي: مجتمعها النشط، وسياسات التحرير الصارمة، وإمكان الاطلاع على سجل التعديلات الكامل لأية صفحة، وطبيعة الموقع غير التجارية، ويرى الموقع أنه "وبصورة عامة تفتقر أدوات التلخيص القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى آليات المساءلة العامة والحوكمة الشفافة التي تتميز بها 'ويكيبيديا'"، وللخروج بهذه النتائج، اختبر الفيلسوف ماغنوس هذا الأمر بنفسه عام 2008، حين أجرى تجربة تضمنت إدراج 36 خطأً في مقالات تتناول فلاسفة بارزين عبر التاريخ، وقد أُزيل أكثر من ثلث هذه الأخطاء في غضون 48 ساعة، وهي النسبة ذاتها التي ظهرت عندما كرّر ماغنوس التجربة ذاتها بعد 15 عاماً، وعام 2023 أكد ماغنوس لمتابعي التجربة أنه لا داعي للقلق، ففي كلتا المرتين قام هو بنفسه بإزالة أية أخطاء متبقية بعد فترة 48 ساعة.

دقة عالية

قيم الباحثون دقة "ويكيبيديا" مراراً وتكراراً، ووجدوا في كثير من الأحيان أنها تضاهي دقة الموسوعات التقليدية، ويقول ماغنوس، "إنها ليست مصدراً تلجأ إليه إذا كانت حياتك على المحك، لكنها مصدر جيد جداً للحصول على كثير من المعلومات التي لا يترتب على دقتها أخطار كبيرة".

وتشكلت الثقة في "ويكيبيديا" لأنه يتضمن الاستشهادات، وسجلات التعديل، وصفحات النقاش، والسياسات الملزمة جزئياً، ولكن الأهم هو الثقة التي تشكلت لدى جمهور الموسوعة نتيجة "لنقاشات دارت بين المحررين وزوار الموقع حول كيفية تناول موضوعات علمية مثيرة للجدل مثل نظرية التطور، والتغير المناخي، والقضايا الصحية الحديثة، وعلى رغم ذلك تساءل باحثون: ما الذي يحدث عندما يظل محتوى موقع مرجعي ما مهماً، لكن أعداد الأشخاص الذين يزورونه أو يستشهدون به أو يحررونه تبدأ في التناقص؟

"محبوب ومثير للجدل"

انطلق "ويكيبيديا" في الـ15 من يناير (كانون الثاني) 2001، بعدما نشر "جيمي ويلز"، أحد مؤسسي الموقع، الصفحة الرئيسة لما تصوّرَه كموسوعة مجانية وسريعة تعتمد على المساهمة الجماعية، إذ نمت هذه التجربة بسرعة، وبحلول عام 2003 احتوت النسخة الإنجليزية من الموقع على 100 ألف مقالة، وبحلول عام 2005 أصبح "ويكيبيديا" موقعاً مرجعياً من الأكثر شعبية على شبكة الإنترنت، واعتمد "ويكيبيديا" في بداياته، على الأفراد للكتابة حول ما يعرفونه، مما أدى أحياناً إلى استعانة المساهمين بمصادر ضعيفة، بما في ذلك مدونات شخصية، ومع تزايد أعداد القُرّاء والمحررين لم يعد جميع المساهمين يعرف بعضهم بعضاً، وهنا يوضح رامجون أنه "مع توسع قاعدة المحررين، وضع "ويكيبيديا" قواعد توجيهية، مثل إعطاء الأولوية للحيادية ووسم الادعاءات غير المدعومة بمصادر تمهيداً لحذفها"، كذلك بدأ المحررون في تطبيق معايير التوثيق بصورة أكثر صرامة واتساقاً، ويشير رامجون إلى أن الجدالات المبكرة حول كيفية عرض "ويكيبيديا" موضوعات مثل التطور، أو كيفية تناول الحقائق العلمية المتعلقة بالتغيّر المناخي، أدت إلى تطبيق أكثر صرامة للقواعد، بل وصل الأمر في بعض الحالات التي شهدت نزاعات حادة إلى فرض حماية على صفحات معينة لمنع تعديلها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مؤسسات التعليم العالي

في البداية، وعلى رغم الخطوات التي اتخذت لتعزيز الموثوقية مع تزايد شعبيته، ظل استخدام "ويكيبيديا" كمصدر للمعلومات أمراً لا يحظى بتشجيع كثير من المعلمين، لا سيما في مؤسسات التعليم العالي، وتقول "ديانا بارك" وهي أمينة مكتبة علمية في جامعة ولاية أوريغون، شاركت في تدريس مُقرَّر دراسي حول موقع "ويكيبيديا"، "كثيراً ما ساد تحذير متكرر: لا تستخدموا 'ويكيبيديا'"، إذ أكدت للموقع العلمي أن "إحدى المخاوف الرئيسة تمثلت في التشكيك بدقة الموقع، وذلك بسبب سياسته التي تتيح لأي شخص تعديل محتواه"، لكن ما اتضح لاحقاً هو أن هذه الميزة ذاتها يمكن أن تساعد في استبعاد الأخطاء والتصدي لأعمال التخريب المتعمدة، وتضيف بارك، "أعتقد أن الجانب الذي يغيب عن معرفة كثيرين في شأن 'ويكيبيديا' هو نظام المراجعة من قِبل العلماء، فالموقع ليس ساحة فوضوية تفتقر إلى الضوابط، إذ يمكن لأي شخص إضافة أي شيء، بل هناك أفراد يراقبون المحتوى ويضمنون دقته وصدقيته".

 

تجربة عاطفية

في مقالة بعنوان "ويكيبيديا في عامه الـ25: واجهة المعرفة تواجه حقبة جديدة"، أكدت الصحافية ميغان بارتلس أن "ويكيبيديا" اضطر أخيراً إلى خوض معارك لإثبات صدقيته، ويواجه اليوم تهديداً وجودياً جديداً يتمثل في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتورد بارتلس في مستهل مقالتها تجربة عاطفية لأحد محرري الموقع، وتقول، "يَستذكر إيان رامجون المرة الأولى التي حرر فيها محتوى على موقع 'ويكيبيديا'، وكان ذلك عام 2004، حين لم يكن عمر الموقع يتجاوز ثلاثة أعوام، وكانت المعلومات الواردة فيه حول حكومة بلده الأم، ترينيداد وتوباغو، قديمة وتعود لعقد مضى، وبفضل اتصال بسيط بالإنترنت تمكن من تصحيح الصفحة في غضون دقائق"، ويقول رامجون عن ذلك، "كان أمراً بالغ الأهمية، فقد شعرت بالانجذاب التام للموقع منذ تلك اللحظة"، يُذكر أن رامجون يعمل في مجال البيئة، وهو جزء من منظمة "ويكي للتعليم" (Wiki Education) غير الربحية، التي تدير الموقع، وتضيف بارتلس، "قبل ذلك، وبينما كان يعمل أستاذاً جامعياً زائراً في الولايات المتحدة، كان رامجون أيضاً متفانياً، إذ أسهم في تحرير مقالات حول تاريخ بلاده، إضافة إلى موضوعات أخرى مثل أشجار التين والنخيل"، وتضيف الكاتبة، "بدأ رامجون التحرير في وقت مبكر بما يكفي ليشهد تطوّر صدقية 'ويكيبيديا'، فقد كان الموقع في بداياته قوياً في موضوعات محددة مثل الثقافة الشعبية والتكنولوجيا، قبل أن يتحول ليصبح الوجهة الأولى على الإنترنت للحصول على معلومات أساسية حول طيف واسع من المواضيع، بما في ذلك العلوم".

اشتهر "ويكيبيديا" بتغطية طيف واسع من المواضيع، وسواء كنت تبحث عن قائمة بالكائنات الدقيقة التي تعرضت لبيئة ما في الفضاء، أو وصف لكل عظمة في جسم الإنسان، أو دليل حول القمر البركاني النشط التابع لكوكب المشتري، فإن "ويكيبيديا" يظل بالنسبة إلى كثيرين الوسيلة الأسرع للإلمام بأي موضوع، وذلك وفق ما قالت بارتلس.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم