ملخص
رجح الباحث في "معهد واشنطن" فرزين نديمي شن حملة عسكرية أميركية - إسرائيلية جديدة ضد إيران بعد الانتخابات النصفية، تستهدف خلال مراحلها الأولى كبار القادة العسكريين والسياسيين الإيرانيين، بهدف إضعاف قدرات طهران وإجبارها على العودة للمفاوضات من دون شروط مسبقة، وكشف عن تقديرات لحجم الترسانة الصاروخية الإيرانية والمنشآت العسكرية التي نجت من الضربات السابقة.
تفيد المؤشرات باقتراب جولة جديدة من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وسط استعدادات عسكرية لشن ضربات جوية مكثفة، وترجيحات ببدء العمليات بعد الانتخابات النصفية للكونغرس في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مالم يتوصل الطرفان إلى اتفاق دبلوماسي.
واعتبر الباحث في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" فرزين نديمي خلال حوار مع "اندبندنت عربية أن هدف أي حملة عسكرية أميركية لن يكون بالضرورة إسقاط النظام الإيراني، بل إجباره على العودة للمفاوضات من دون شروط مسبقة والقبول بمطالب الرئيس دونالد ترمب التي تشمل التخلي عن تخصيب اليورانيوم وتقليص الترسانة الصاروخية ووقف دعم الوكلاء في المنطقة، إضافة إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
ويفسر هذا التصور التقارير الأميركية التي تحدثت عن حملة عسكرية قصيرة ومكثفة، إذ تراهن واشنطن على أن يؤدي إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية خلال فترة وجيزة إلى تغيير حسابات طهران السياسية ودفعها نحو تقديم تنازلات لم تقبل بها حتى الآن.
لكن نجاح هذه الإستراتيجية ليس مضموناً، بحسب نديمي الذي يقول إن الضربات الجوية السابقة أظهرت حدود القوة العسكرية، بعدما تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من إلحاق أضرار واسعة بالمنشآت العسكرية والبرنامج النووي الإيراني، من دون تحقيق تغيير جذري في موقف النظام أو إنهاء القتال بالسرعة التي كانتا تأملانها.
ويميز الباحث بين أهداف واشنطن وتل أبيب، إذ يرى أن إسرائيل ربما لا تزال تسعى إلى تغيير النظام الإيراني، لكنها لا تستطيع تحقيق ذلك بمفردها، في حين تبدو الإدارة الأميركية أكثر تركيزاً على استخدام القوة العسكرية لفرض تسوية سياسية بشروطها.
اغتيال القيادات
ومن أبرز الاختلافات التي يتوقعها نديمي في الجولة المحتملة من الحرب، إعطاء أولوية أكبر لاستهداف القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية خلال مرحلة باكرة من العمليات، بالتزامن مع محاولة تدمير ما بقي من قدرات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتشمل الأهداف المحتملة كبار قادة الحرس الثوري الإيراني وقيادات القوة الجوفضائية والقوات البحرية التابعة للحرس، وربما وزير الدفاع وبعض المسؤولين السياسيين، في محاولة لتفكيك منظومة القيادة والسيطرة وإرباك قدرة النظام على إدارة العمليات العسكرية.
ويرجح أن تقود إسرائيل عملية استهداف القيادات، استناداً إلى قدراتها الاستخباراتية وخبرتها في التعقب والاغتيال، بينما تتركز إحدى المعضلات العسكرية الأساسية أمام العملية الأميركية - الإسرائيلية في كيفية تعطيل منصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
ويتولى قيادة الحرس الثوري حالياً الجنرال أحمد وحيدي، فيما يقود القوات البحرية علي عظمائي، ويتولى محسن رضائي منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بينما يشغل محمد باقر قاليباف رئاسة البرلمان الإيراني، ومن المتوقع أن يكونوا على رأس قائمة الاغتيال الإسرائيلية.
ويرجح نديمي أن تسعى إيران إلى شن ضربات انتقامية على مواقع إسرائيلية تعتقد بأنها تضم قادة سياسيين وعسكريين إسرائيليين، إلا أن نجاح هجمات كهذه سيعتمد إلى حد كبير على دقة المعلومات الاستخباراتية، مشيراً إلى الدعم الاستخباراتي الذي تتلقاه إيران من روسيا والصين.
الترسانة الإيرانية
على رغم الضربات التي تعرضت لها المنشآت العسكرية الإيرانية، لا تزال طهران تحتفظ ببعض قدراتها الصاروخية، إذ يشير نديمي إلى تقديرات تفيد ببقاء ما يصل إلى 50 في المئة من مخزونها السابق سليماً، فضلاً عن استئناف إنتاج الأسلحة بعد توقف القتال في أبريل (نيسان) الماضي. ويقدر إجمال الترسانة الصاروخية الإيرانية قبل الحرب بنحو 6 آلاف صاروخ.
وبحسب تقييماته، كانت إيران تمتلك قبل الحرب ما بين 2500 و3000 صاروخ باليستي متوسط المدى قادرة على الوصول إلى إسرائيل، وعدد أكبر من الصواريخ قصيرة المدى التي تستطيع استهداف دول الخليج، في حين يُعتقد بأن مخزون الطائرات المسيّرة يبلغ الآلاف.
لكن العامل الأكثر أهمية لا يتعلق بحجم المخزون الذي نجا من الضربات وحده، بل بقدرة إيران على تعويض خسائرها. فتقديرات نديمي تشير إلى أن طهران استأنفت إنتاج الصواريخ والمسيّرات، وربما تمكنت من إعادة بناء جزء كبير من ترسانتها، على رغم تراجع معدلات التصنيع.
وفي هذا السياق، يكشف عن نجاة منشأتين لإنتاج الصواريخ تحت الأرض، إحداهما قرب طهران والأخرى قرب يزد، تتبعان وزارة الدفاع الإيرانية، وتنتجان صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى تعمل بالوقود الصلب، بما فيها أنواع قادرة على بلوغ إسرائيل.
ويقدر نديمي قدرة إيران الحالية على إنتاج ما بين صاروخ واحد و10 صواريخ باليستية قصيرة المدى يومياً، مستفيدة من مخزونات سابقة من المكونات والمواد الصناعية.
الحصار الأميركي
على المدى الطويل، قد تكون قدرة إيران على تأمين المواد الخام والمكونات الصناعية أكثر تأثيراً في ترسانتها من الضربات الجوية نفسها، فإنتاج الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب يعتمد على مواد كيماوية ومكونات إلكترونية تستوردها إيران من الصين، وفي مقدمتها المواد المستخدمة في تصنيع الوقود الصاروخي التي أصبحت أكثر صعوبة في الوصول إلى طهران نتيجة القيود المفروضة على الملاحة والشحن البحري.
ولجأت إيران إلى مسارات بديلة عبر النقل الجوي والسكك الحديد، لكنها وسائل أقل كفاءة من الشحن البحري التقليدي، مما يحد ربما من قدرتها على مواصلة الإنتاج بالمعدلات المطلوبة إذا طال أمد الحصار الأميركي. ومع ذلك، فإن عزل إيران عن سلاسل الإمداد الخارجية بالكامل يظل أمراً صعباً، نظراً إلى امتلاكها بعض القدرات الصناعية المحلية وإمكان استيراد المكونات الصينية عبر روسيا وبحر قزوين، أو باستخدام خطوط السكك الحديد المارة بآسيا الوسطى.
وتطرق نديمي إلى الزيارة التي أجراها كل من وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى طهران، معتبراً أنها جاءت في إطار التنسيق بين دول "حلف مكة الدفاعي"، وفي ظل المخاوف الإقليمية من استئناف الحرب.
وقال إن طهران حاولت تجنب تصوير الزيارة على أنها تحرك مشترك لدول "حلف مكة"، مفضلة تقديمها على أنها اجتماع بين قوى إقليمية متكافئة لبحث إنشاء إطار أمني مشترك، إلا أن الزيارة حملت وفق نديمي رسالة تحذيرية من السعودية وباكستان وتركيا مفادها بأن استمرار الرفض الإيراني للمفاوضات مع واشنطن من دون شروط مسبقة قد يقود إلى حرب جديدة.
حرب اليمن
وأوضح نديمي أن تزامن عمليات الحوثيين في باب المندب وهجماتهم على السعودية، مع استمرار أزمة مضيق هرمز، يثير مخاوف متزايدة لدى صناع القرار الأميركيين، خصوصاً بسبب التأثير المتزامن للأزمتين في أسواق النفط والطاقة العالمية.
وأشار إلى أن الحوثيون يواجهون صعوبات متزايدة في تعويض مخزونهم العسكري نتيجة القيود المفروضة على خطوط الإمداد الآتية من إيران، إذ عرقل الحصار وصول المكونات والقطع المستخدمة في تجميع الصواريخ، من دون أن ينجح في قطع الإمدادات بالكامل.
ولا تزال بعض القوارب الصغيرة تحاول تجاوز الحصار والوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، لكن استمرار اعتراض الشحنات وتقييد حركة الإمداد جعلا الحصول على المكونات الإيرانية أكثر صعوبة، وهي قيود دفعت الحوثيين إلى البحث عن مصادر بديلة عبر محاولة استيراد القطع اللازمة مباشرة من الموردين الصينيين.
وتشير هذه التحركات إلى أن قدرة الحوثيين على تطوير ترسانتهم لا تعتمد فقط على مخزونهم الحالي، بل على إيجاد شبكات إمداد بديلة عن المسارات الإيرانية التقليدية، مما يضع فاعلية الحصار على إيران والرقابة على المكونات العسكرية في صلب الجهود الرامية إلى الحد من قدراتهم.