Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يحسم "المرض" تشبث الزعماء الأفارقة بالسلطة؟

العامل المشترك بين سقوطهم جنوب الصحراء وبين شمال القارة الرغبة العارمة في التغيير لحكام طال بقاؤهم في الحكم

يتولى رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو السلطة منذ عام 1979 كأطول فترة رئاسية في أفريقيا (غيتي)

في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، احتفل الرئيس الكاميروني بول بيا، البالغ من العمر 89 سنة، بمرور 40 عاماً له في السلطة، وبعد شهر واحد في ديسمبر (كانون الأول) حينما ظهر على المنصة لإلقاء خطاب بلاده في القمة الأميركية - الأفريقية الأخيرة في واشنطن، لم يستطع التمييز حول مكان وجوده أو المناسبة، وهمهم بكلمات باللغة الفرنسية متسائلاً عن سبب مجيئه إلى هذا المكان وعن الحضور.

وكان بيا رئيس وزراء الكاميرون وأصبح رئيساً عام 1982 بعد أن استقال سلفه، أول رئيس للكاميرون بعد استقلال البلاد عن فرنسا لأسباب صحية. ولم يكن قبل احتفاله بأربعينية وصوله إلى الحكم يظهر للعلن، وقد كان آخر ظهور له أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يوليو (تموز) الماضي.

تلفت هذه الحادثة وغيرها إلى مدى تشبث الزعماء الأفارقة بالسلطة، ففي فيديو مدته 34 ثانية فقط أثار جدلاً واسعاً خلال بث مباشر على التلفزيون يظهر رئيس جنوب السودان سالفا كير ميارديت وهو "يبلل نفسه"، إذ امتدت رقعة رطبة على سرواله إلى الأسفل حتى حذائه، أثناء عزف النشيد الوطني لدولة جنوب السودان، في مناسبة افتتاح طريق جديد شمال البلاد. انقسم الناس حول لا أخلاقية الصحافي الذي نقل حادثة الرئيس سالفا كير والحدود بين حرية الصحافة والسخرية والشماتة من رجل ربما يعاني مرضاً أدخله في حالة "تبول" لا إرادي، وبين آخرين يرون أنه لولا تشبثه بالسلطة لما عرض نفسه إلى هذا الإحراج.

وخلال الأعوام القليلة الأخيرة يتذكر الناس ما كان يبدر من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة من تصرفات تنمّ عن عدم الإدراك، وعلى رغم إصابته بجلطة دماغية عام 2013 أثرت في قدراته، وتجاوزه الثمانين، أعلنت حكومته بلسانه ترشحه لفترة رئاسية خامسة في الانتخابات التي كانت مقررة في 18 أبريل (نيسان) 2019، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة انتهت بتنحيه عن السلطة.

كما كان يصدر عن رئيس زيمبابوي روبرت موغابي تصريحات طريفة ومواقف محرجة منها صوره وهو يغالب النوم خلال القمم الدولية والأفريقية، وبالطبع يحور إعلامه الحكومي تلك اللقطات على أنها عدم اهتمام منه بهذه التجمعات لعدم جدواها.

موجات السقوط

منذ اندلاع أحداث "الربيع العربي" عام 2011، شهدت أكثر من 10 دول أفريقية رحيل رؤسائها المعمرين في السلطة الذين قضوا عقوداً طويلة ما بين عقدين وأربعة عقود إما بسقوطهم أو مقتلهم. ففي ذلك العام سقط زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني)، ومحمد حسني مبارك في فبراير (شباط)، ومعمر القذافي في أكتوبر (تشرين الأول)، وعلي عبدالله صالح في فبراير 2012، ثم مقتله في ديسمبر 2017 بعد إعلانه فضّ تحالفه مع "الحوثيين" ونيته التفاوض مع المعارضة.

في هذه الحقبة كانت أفريقيا جنوب الصحراء تموج باستياء مماثل من طول أمد زعمائها في الحكم، فامتدت الاحتجاجات وتنوعت ما بين سقوط وتنحي وانقلابات، بيد أن العامل المشترك بينها وبين شمال القارة كان هو الرغبة العارمة في التغيير لحكام طال بقاؤهم في السلطة. سقط بليز كومباوري رئيس بوركينا فاسو في أكتوبر 2014، وفي يناير 2017 غادر الرئيس الغامبي يحيى جامع بعد خسارته الانتخابات الرئاسية، وفي أغسطس (آب) أحيل الرئيس الأنغولي جوزيه إدواردو دوس سانتوس إلى التقاعد، وكان الانقلاب على رئيس زيمبابوي روبرت موغابي في نوفمبر2017، عن عمر ناهز 93 سنة. وتنحى جوزيف كابيلا عن السلطة في الكونغو الديمقراطية في ديسمبر 2018. وفي أبريل 2019 تنحى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وفي أبريل 2019 أسقط الرئيس السوداني عمر البشير بعد احتجاجات اندلعت شراراتها في ديسمبر 2018.

أطول فترة رئاسية

قبل انعقاد القمة، نقل الإعلام الكاميروني أن الرئيس بيا اجتمع على هامش القمة في مؤتمر مائدة مستديرة في واشنطن في 12 ديسمبر 2022 حول التمويل كأداة للتنمية في أفريقيا بمشاركة رئيس غانا نانا أكوفو أدو. وأورد رؤية الرئيس بيا حول كيف يمكن لأفريقيا أن تتطور بشكل أفضل، وركزت المداولات على "كيف يمكن للتمويل أن يكون قوة للخير في مواجهة التحديات والفرص الأكثر إلحاحاً في أفريقيا والمساهمة في حل المشكلات العالمية التي تبدو غير قابلة للحل". وأشار الرئيس بول بيا إلى أن أفريقيا تتمتع بإمكانيات هائلة إلا أن إحدى عوائق النمو الاقتصادي لأفريقيا هي مشكلة التمويل المزمنة، ولكن عندما أجلسه مساعده لإلقاء كلمة أمام الحضور بدا ضائعاً تماماً فأعيد مرة أخرى إلى مقعده خارج المنصة. هذا الأمر يفسره أن بيا يعمل من خلال المجموعة المحيطة به، خصوصاً أن التعيينات التي أجراها في السنوات الأخيرة كانت لمصلحة مجموعته العرقية الجنوبية "بيتي"، واستطاعت أن تهيمن على مناصب الحكم العليا ومكتب رئيس الوزراء.

ويحل بيا في المرتبة الثانية لأطول فترة رئاسية في القارة الأفريقية، وكان قد نجا من محاولة انقلاب عام 1984، عندما أُجريت أول انتخابات متعددة الأحزاب عام 1992، وتفوق فيها بيا على منافسه المعارض بفارق أربع نقاط مئوية فقط.

أما المرتبة الأولى لأطول فترة رئاسية في أفريقيا فهي لرئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو الذي يتولى السلطة منذ عام 1979، كما يوجد في السلطة حالياً يوويري موسيفيني منذ 29 يناير 1986، وأسياس أفورقي الذي تولى حكم إريتريا بعد الانفصال عن إثيوبيا يوم 24 مايو (أيار) 1993، وديني ساسو نغيسو تولى حكم الكونغو الشعبية في 25 أكتوبر 1997 بعد أن قامت خلالها القوات المسلحة الأنغولية بخلع الرئيس باسكال ليسوبا. وهناك إسماعيل عمر جيلي الذي تولى حكم جيبوتي في الثامن من مايو 1999، وبول كاغامه الرئيس السادس والحالي لجمهورية رواندا منذ 24 مارس (آذار) 2000، وفور غناسينغبي رئيس توغو منذ الرابع من مايو 2005.

بين التعاطف والنقد

يقف فيديو الرئيس سالفا كير بين تقيمين، ما بين هذه اللقطات التي يتجسد فيها الضعف البشري بحكم عوامل صحية، وبين طول مدة مكوث رئيس دولة جنوب السودان في الحكم منذ انفصال بلاده عن السودان عام 2011 حيث لم تُجر انتخابات منذ ذلك الوقت. وتولى كير رئاسة البلاد التي تعاني نزاعات مستمرة وشبح مجاعة يلوح في الأفق وعدم استقرار سياسي واقتصادي، ما يثير تساؤلاً حول مدى قدرته على قيادة الدولة، ولكن ثبت كير وجوده بالتخلص من أعدائه تارة ومحاولات احتوائهم تارة أخرى.

وانقسمت الآراء بين عاتبة على "الحركة الشعبية لتحرير السودان" الحاكمة للدولة التي لم تنصح كير بالتنحي عن الحكم لأسباب صحية، وعلى طبيبه الخاص الذي عرضه لإحراج عالمي، وبين متعاطفين مع الرئيس كير الذي يبلغ من العمر 71 سنة وهو في رأيهم ليس الأكبر في أفريقيا حتى يتنحى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوردت صحيفة "الغارديان" آراء بعض السياسيين وناشطي المجتمع المدني في جنوب السودان، منهم واني مايكل الذي اتهم الموالين لكير بأنهم خذلوه من خلال عدم تشجيعه على مغادرة الحكم، وقال إنه على رغم انتقاداته الحركة الشعبية لتحرير السودان واختلافه مع الحكومة، فإنه "لن ينشر الفيديو ولن يسخر من صحة الرئيس كير بحكم كبر سنه ما يستوجب منح الاحترام".

ويرى آخرون أن التعاطف أولى به الذين سُجنوا وعُذبوا وقُتلوا على يده، فقد قال المحلل السياسي بونغومين أسيلام تابان أبووك إن الرئيس كير "لم يكنّ أبداً أي تعاطف مع شعب جنوب السودان وهو شديد القسوة تجاه الأمة".

وفي الجوار الأفريقي، قال النائب الأوغندي داودي كاباندا "قد يحدث لي الموقف نفسه في المستقبل، كيف ستشعر إذا كنت أحسّ بالحرج مثلما يحدث مع كير؟". أما السناتور النيجيري شيهو ساني فقال "قد يكون الرئيس يعاني التهاباً في المسالك البولية ولوطنيته الشديدة رفض إعفاء نفسه أثناء عزف النشيد الوطني". بينما انتقدت المحامية الكينية إستر أنغاوا استمراره في الحكم "كنت أتوقع أن يتقاعد بشرف لأسباب صحية الآن، لكن منتقديّ يقولون إنني مثالية وهذه ليست الطريقة التي يعمل بها الطغاة أو الساسة".

مواقف محرجة

من جانبها، عرجت صحيفة "ميديا أوبزيرفر" الكينية على قواعد السلوك الصحافي، وما تتيحه وتحظره، وأكدت أنه لا يمكن إلغاء مشاهدة ما حدث على البث التلفزيوني المباشر للرئيس الجنوب سوداني، و"لا يمكن لمدونة قواعد السلوك لممارسة الصحافة توقع هذه الحادثة، أو توقع كل موقف يمكن تصوره تحت الشمس، حتى يتم التصرف بسرعة بشأنه". وفي الوقت ذاته، ركزت الصحيفة الكينية على أن صحة الرئيس هي مسألة تتعلق بالمصلحة العامة المشروعة، وأنه "يجب الموازنة بين حق الجمهور في المعرفة مقابل حقوق الخصوصية للأشخاص في الأخبار، وهو ما يجب على الصحافيين الالتزام به". وأضافت أن القانون يحذر من أن "المصلحة العامة في حد ذاتها يجب أن تكون مشروعة وليست مجرد فضول منحاز أو مرضي"، وتابعت "ما يجب على وسائل الإعلام أن تطالب به في مثل هذه الحال هو بيان حكومي حول صحة الرئيس، وربما تحقيق في كفاءة وتفاني طبيبه".

والمتعاطفون مع الرئيس كير قالوا إن رؤساء في عمره أو أصغر منه حدث معهم الشيء نفسه من قبل وليس في أفريقيا وحدها، وإنما في دول أخرى في العالم. ومن هؤلاء ذكر الرئيس الكولومبي الأسبق خوان مانويل سانتوس الذي كان يبلغ حينها 62 سنة، حينما ظهر وهو "يبلل" نفسه عبر ظهور بقعة على سرواله أثناء إلقاء خطاب افتتاح حملته الانتخابية عام 2014.

كما كانت هذه مناسبة لإعادة مقاطع فيديوهات لرؤساء أفارقة حدثت لهم مواقف محرجة، إذ تمت إعادة نشر مقطع فيديو للرئيس الكيني الأسبق مواي كيباكي عندما سقط سرواله أثناء إلقاء كلمته في حفل تلفزيوني مباشر عام 2013، فقام مساعده على الفور برفعه له من دون أن ينحني الرئيس، ثم تقدم أمامه ومن أمام المنصة عمل على تغطيته ريثما ينتهي من إصلاح بنطاله، في هذه اللحظات بدا كيباكي مبتسماً وواصل خطابه كأن شيئاً لم يكن.

المزيد من تحلیل