ملخص
القطاع الصحي في مصر تضرر بشدة نتيجة أزمة تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار، إذ تضاعفت أسعار الخدمة الطبية نتيجة التضخم.
امتدت تداعيات الأزمة الاقتصادية التي تشهدها مصر إلى القطاع الصحي وسط نقص في المستلزمات الطبية مثل الأجهزة التعويضية والمفاصل وغيرها، بسبب نقص الكميات المستوردة إثر شح الدولار، مما دفع المرضى إلى الشكوى من تدهور حالهم، فيما يعاني التجار كساد تجارتهم.
وفي محافظة الشرقية شمال العاصمة المصرية يحاول محمد أسامة إيجاد سبيل لإجراء والدته جراحة تغيير مفصل الركبة بعد تعرضها لكسر، وبعدما ذهب إلى مستشفى ههيا ولم يجد المفصل متوفراً توجه إلى مستشفى الأحرار بمدينة الزقازيق، لكن الأطباء أخبروه بأن عليه الانتظار حتى توافر المفصل، وهو ما قد يستغرق أسابيع وربما أكثر، ويجعل والدته غير قادرة على الحركة حتى إجراء الجراحة.
ولم يختلف الحال في العاصمة، إذ ينتظر سعيد ناصر دوره لإجراء جراحة في القلب بأحد المستشفيات الحكومية، فيما يعتمد على المسكنات حتى موعد الجراحة.
أستاذ جراحة القلب خالد سمير قال لـ"اندبندنت عربية" إن الرئات الاصطناعية والصمامات القلبية على رأس المستلزمات الطبية التي يعاني نقصها القطاع الطبي نتيجة أزمة سعر الصرف وصعوبة الاستيراد، مشيراً إلى أنه لا يوجد بديل عنها يمكن توفيره عبر الصناعة المحلية، وموضحاً أن إدارات بعض المستشفيات لجأت إلى تقليل وتيرة العمل والجراحات لضمان استمرارها في تقديم الخدمة الطبية بمعدلات أقل، والحفاظ على إمكان استقبال الطوارئ.
الاستغناء قصراً عن الطبيب
وبحسب سمير فإن القطاع الصحي تضرر بشدة نتيجة أزمة تراجع سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، إذ تضاعفت أسعار الخدمة الطبية نتيجة التضخم مما دفع كثيراً من المواطنين إلى عدم الإقبال على تلقي الرعاية الطبية والاستغناء عن الذهاب إلى الطبيب أو المستشفى تقليلاً للنفقات في مقابل توفير الغذاء لأبنائه، وفق تعبيره.
كما أشار إلى أن الأعداد الحالية في العيادات تساوي 40 في المئة من أعداد المرضى قبل الأزمة الاقتصادية الحالية، وهذا لا يعني بالطبع أن المرضى قد شفوا، وضرب مثالاً بالمرضى الذين كانوا يأتون من محافظات أخرى للعلاج في القاهرة، قائلاً إن كلفة الانتقال التي تضاعفت جعلت من الصعب عليهم القيام بذلك.
ووفق آخر بحث عن الدخل والإنفاق صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن الأسر المصرية تنفق نحو 10.5 في المئة من دخلها على الرعاية الصحية، لكن تلك الأرقام قد تكون تغيرت كون البحث أجري خلال عامي 2019 و2020.
وتقول الحكومة المصرية إن الإنفاق الشخصي من جيب المواطن على الصحة انخفض خلال الأعوام الأخيرة، بحسب تصريحات لمساعد وزير الصحة أحمد السبكي.
وأوضح سمير أن الأزمة في القطاع الصحي الحكومي تتزايد مع ارتفاع كلفة الخدمات الطبية من دون أية زيادات في الموازنة، مع عدم قدرة القطاع على توفير الدولار لشراء المستلزمات الطبية المستوردة التي لا يمكن الاستغناء عنها، ومن دونها تتوقف الجراحات أو الخدمات الطبية نهائياً.
وأشار أستاذ جراحة القلب إلى أن القطاع الطبي يعاني منذ أولى مراحل تعويم الجنيه المصري عام 2017، وتتزايد الأزمة عاماً تلو الآخر مع تراجع قيمة العملة أمام الدولار الأميركي وزيادة معدل التضخم.
وانخفضت قيمة العملة المصرية 50 في المئة منذ مارس (آذار) 2022، إذ يصل سعر صرف الدولار حالياً إلى 30.9 جنيه مصري، بينما كان يساوي 15.6 خلال الربع الأول من العام الماضي.
وضع غير مسبوق
رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية في القاهرة محمد إسماعيل عبده قال إنه لم يشهد وضعاً مماثلاً طوال 42 عاماً من العمل في هذا المجال، وأوضح لـ"اندبندنت عربية" أن أزمة تكدس الشحنات في الموانئ بدأت في يونيو (حزيران) من العام الماضي، بسبب عجز البنوك عن توفير الدولار اللازم للإفراج عن الشحنات على رغم إيداع الشركات القيمة بالعملة المصرية، وهو الإجراء المتبع عند استيراد البضائع.
ومع تأخر البنوك في "تدبير العملة" وصلت الشحنات المعطلة إلى 150 شحنة، مما دفع الشعبة إلى الشكوى لنائب محافظ البنك المركزي الذي تدخل وأنهى المشكلة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) 2022.
ومنذ ذلك الحين لم يتم توفير العملة الصعبة لإدخال شحنات جديدة وصل عددها حالياً إلى 183 شحنة قيمتها 37 مليون دولار، مؤكداً أنه ليس بالرقم الكبير بالنظر إلى حجم الواردات المصرية الذي يصل إلى 95 مليار دولار سنوياً، منها مليار دولار أدوية ومستلزمات طبية، يمكن اعتبار ثلثها فقط من الأجهزة والآلات ومستلزمات الجراحة والمستهلكات ذات الاستخدام الواحد.
وكشف عن أن المناشدات والنداءات التي أطلقتها الشعبة أخيراً أثمرت تحرك البنك المركزي قبل أيام لتوفير العملة لعدد من الشحنات.
وأكد عبده أن الضرر بسبب تلك الأزمة يقع على المريض قبل التاجر، إذ لم يفرج عن المستلزمات الخاصة بغرف العمليات على سبيل المثال، مشيراً إلى أن الشعبة خاطبت هيئة الشراء الموحد والبنك المركزي وتستعد لمخاطبة رئاسة مجلس الوزراء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وطالب رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية بإعطاء الأولوية للواردات في القطاع الطبي، لأنه يتعلق بحياة المواطنين وبخاصة أنه لا يمثل واحداً في المئة من الواردات السنوية لمصر.
وأضاف أن الوضع الاقتصادي للمستوردين سيئ للغاية، ويتعرضون للخسارة بسبب التزامهم بسعر محدد للتوريد سواء لهيئة الشراء الموحد أو جهات خاصة وفق التعاقدات المبرمة، فيما تحتسب غرامات يومياً على الشحنات المتعطلة في الموانئ، وكذلك غرامات لمصلحة شركة الشحن بسبب تعطيل الحاويات.
ولفت إلى أن 60 في المئة من الشحنات المستوردة تؤول إلى هيئة الشراء الموحد والباقي للقطاع الخاص.
خطر على الأطفال
الخطر على حياة المواطنين نتيجة نقص المستلزمات الطبية والأدوية المستوردة أكده تحذير أطلقه المركز المصري للحق في الدواء، بأنه في حال عدم حل الأزمة قبل يوليو (تموز) المقبل سيكون هناك خطر حقيقي يهدد حياة المواطنين.
وقال رئيس المركز محمود فؤاد لـ "اندبندنت عربية" إنه خلال الأسابيع الماضية تلقى المركز شكاوى من مرضى في شأن نقص المستلزمات الطبية مثل مضخات القلب والرئة المؤكسدة التي تستخدم في جراحات القلب وكذلك الدعامات والقسطرات ومستلزمات تركيب المفاصل.
وأضاف فؤاد أنه بعد ذلك بدأت "مرحلة أخطر"، وهي شكوى الأطفال المرضى مثل ارتفاع سعر جهاز قياس نسبة السكر في الدم الذي يغني الطفل عن الحصول على حقنة يومياً، إذ ارتفع سعره من 1250 جنيهاً (50 دولاراً أميركياً) إلى 4000 جنيه (130 دولاراً أميركياً)، وهو ما وصفه فؤاد بالكارثة، بخاصة أن مصر بها أعداد كبيرة من الأطفال المصابين بالسكري من النوع الثاني.
كما تلقى المركز المصري للحق في الدواء بلاغات من أهالي عن عدم وجود قطع غيار لقوقعة الأذن للأطفال في المستشفيات الحكومية، مما يمثل أزمة لأكثر من نصف مليون طفل مصري يعتمدون على قوقعة مزروعة لتحسين السمع، بحسب فؤاد.
ومن المفترض أن يتم تغيير غلاف السماعة كل ستة أشهر وبحد أقصى عام، ولم تعد قطع الغيار تلك موجودة في مصر تقريباً، والقطع التي لا تزال متوافرة زاد سعرها إلى 2800 جنيه (91 دولاراً أميركياً) بدلاً من 900 جنيه (30 دولاراً أميركياً) قبل أشهر، وهو ما قد ينعكس على حال الأطفال وعدم تمكنهم من الذهاب للمدرسة لأنهم لن يسمعوا دون السماعة التعويضية.
الانتظار يسبب الوفاة
قوائم الانتظار بدأت تعود في الجراحات بسبب نقص المستلزمات، وبحسب فؤاد فإن معهد القلب القومي يطلب من المرضى الانتظار لمدة ستة أسابيع وربما أكثر، مشيراً إلى أن ذلك يأتي بعد النجاح الكبير الذي حققته مبادرة الدولة لإنهاء قوائم الانتظار التي حققت نجاحاً باهراً بشهادة الجميع.
ولفت إلى أن الأزمة بدأت تطاول المستشفيات الخاصة أيضاً لعدم وجود المستلزمات حتى وإن كان المريض قادراً مادياً على تحمل الكلفة، بسبب تكدس الأجهزة والمستلزمات في الموانئ. وأضاف أنه جرى رصد حالات وفيات بسبب انتظار عمليات القلب، وأخرى بسبب عدم توافر أدوية لعلاج سيولة الدم وضمور العضلات الشوكي.
ولا تعد تلك الأزمة الأولى من نوعها، إذ ظهرت في عام 2017 بعد أول قرار لتحرير سعر صرف الجنيه، لكن فؤاد أشار إلى أن الحكومة حينها تحركت سريعاً برفع أسعار 3 آلاف صنف دوائي، وأعطت الأولوية لإدخال المستلزمات الطبية، لكن تبدو الأزمة الحالية أكبر بكثير من سابقتها بحسب تعبيره.
لكنه أكد أن ذلك لا يعفي الدولة من القيام بمسؤولياتها تجاه رعاياها "لأن الحق في الصحة دستوري، ولا يعقل أن تقف شركات الأدوية والمستلزمات الطبية في الطابور انتظاراً لتوفير العملة الصعبة".
وتنص المادة الـ (18) من الدستور المصري على أن "لكل مواطن الحق في الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل".
الحكومة تتحرك
وعلى الصعيد الرسمي بدا أن الحكومة المصرية أدركت الأزمة وبدأت التحرك، إذ عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعاً بحضور وزيري المالية والتجارة والصناعة ورئيس هيئة الشراء الموحد ووكيل محافظ البنك المركزي ومسؤولين آخرين بهدف "الاطمئنان على توافر أرصدة كافية من الأدوية والمستلزمات الطبية المختلفة، وكذا وجود احتياط آمن بها"، وفق بيان لمجلس الوزراء.
وأشار مدبولي إلى أنه يتم التنسيق المستمر مع البنك المركزي في شأن سرعة الإفراج عن المواد الخام والأدوية والمستلزمات الطبية، وأن تكون هناك أولوية لذلك على غرار الأولوية الممنوحة للمواد الغذائية الأساس.
وخلال الاجتماع قال وزير التجارة والصناعة أحمد سمير إن هناك لجنة مشكلة برئاسة الأمين العام لمجلس الوزراء تتولى متابعة الحاجات المختلفة من المستلزمات الطبية والمواد الخام، مؤكداً أنه جرى تحديد الأولويات المطلوبة، ويجري التنسيق بهذا الشأن بهدف دفع هذه الصناعة المهمة، كما عرض رئيس غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات حاجات القطاع الطبي من خامات ومستلزمات دوائية وغيرها لأشهر عدة مقبلة.
عجز صارخ
وفي البرلمان أثار عدد من النواب قضية نقص المستلزمات الطبية، إذ تقدمت عضو مجلس النواب سناء السعيد بطلب مناقشة عامة عن سياسة الحكومة لمواجهة ذلك النقص، بخاصة في مستشفيات القلب التي تعاني نقص توريد الصمامات من هيئة الشراء الموحد، مما أثر في الخدمة الطبية للمواطن بما يتعارض مع نصوص الدستور.
كذلك وصفت عضو مجلس النواب إيرين سعيد النقص في المستلزمات والمفاصل بـ "العجز الصارخ"، وذلك خلال مناقشة بنود الموازنة العامة في لجنة الصحة بالمجلس في مارس (آذار) الماضي.
وفي الشهر التالي تقدمت ببيان إلى رئيس المجلس حول مرضى الكسور الذين ينتظرون مدة قد تصل إلى شهرين للحصول على موافقة لإجراء عملية تركيب مفصل بسبب نقص المفاصل في المستشفيات العامة، مطالبة بتوفير مخزون يحد من قوائم الانتظار.